علم المقاصد، أو فقهها، هو العلم الجليل، الذي نطل من خلاله من علٍ على سائر العلوم الإسلامية وتفريعاتها، من جهة، وعلى الواقع وتفاصيله وتعقيداته من جهة أخرى. هو العلم الجليل المغبون من قِبَل أهله المتقدمين فلم يولوه ـ نظريا على الأقل ـ من العناية ما يليق بمقامه إلا لماما، حتى جاء الإمام الشاطبي فأفرد له جزءا كاملا من بين أربعة أجزاء من كتابه “الموافقات”.

وإن كان الإمام الشاطبي يعتبر مؤسس علم المقاصد أو مجدده، بما قدمه من دراسة نظرية مفصلة لمقاصد الشريعة، فإن الشيخ الطاهر بن عاشور قدم إضافة نوعية على مستويات عدة نخص منها استقلالية علم المقاصد وإدراج البُعد الجماعي لمقاصد المكلف أو بُعد الأمة.

ففي حين نجد الإمام الشاطبي يدور تفكيره وتحليله في فلك الفرد، وقلما نجده يشير إلى هم الجماعة أو الأمة، ولم يكن له من مبرر سوى أن بيئته لم تكن في حاجة لذلك حيث الجماعة كانت قائمة والإسلام كانت له شوكته وبيضته المحمية، نرى الشيخ ابن عاشور يضع بُعد الأمة في مقدمة تفكيره واهتماماته، وهو الذي عايش سقوط آخر شوكة للإسلام في أولى عقود القرن الماضي.

يشرح الأستاذ عبد السلام ياسين هذا التباين بين المدرستين ومبرراتهما فيقول: فلما انفرمت وحدة المسلمين الأولى تحت الملك العاض والجبري لم يتحدث فقهاء ذلك الزمان عن ضرورة إعادة الحكم الشورى لأن وحدة الشوكة والسلطان بقيت قائمة على رقعة دار الإسلام، حقيقية في القرون الأولى، رمزية بعد استقلال كثير من الأمصار، آخر عهدنا بوحدة الشوكة عهد آل عثمان رحمهم الله) 1 .

من هنا يتضح ما لواقع كلا القطبين من أهمية في تحديد طريقة تفكيرهما. فالأول يحلل من زاوية الحفظ، حيث كان الأمر قائما، أو يكاد، لا يحتاج سوى لحفظ سواء من جانب الوجود أو من جانب العدم. بينما الثاني يطلب شيئا كان في واقعه مفقودا لا يجزيه سوى الطلب والحث في الطلب.

فقد كان عند سلفنا رحمهم الله شيء يذكر على رقعة العالم، له حرمته وهيبته: كان لهم استقلال ودولة، فكانوا يحرصون على هذا الشيء، لا يعيبونه في ظاهر سلوكهم وإن كان في قرارة النفس ما فيها. كانوا يريدون الحفاظ على ذلك الشيء لأنه كان حياتهم وسقفهم وبيتهم وسلاحهم. وفي ظله كانوا يحضنون ما تبقى متماسكا من عرى الإسلام. لذلك نقرأ عندهم في معرض الحديث عن المقاصد الشرعية صيغة محافظة. نقرأ أن مقاصد الشريعة حفظ كذا، وحفظ كذا، وحفظ كذا) 2 .

أما في عهد الشيخ ابن عاشور، وعهدنا نحن من بعده، فالأمة أضحت حلما نعيشه في عقولنا بينما واقعنا فدويلات الجبر الممزقة أفقدتنا الشعور بوحدة كيان الأمة، لذلك فجدير بنا أن نعبر عن مقاصد الشريعة في صيغ مطلبية لا حفاظية، فنقول: مطالب الشريعة هي كذا وكذا. وجدير بنا ونحن نخطط لإنزال أحكام الشرع منازل الشرف والعزة وننظر إلى الأمر الإلهي من زاوية الطلب لا من زاوية الحفظ، أن نذكر الوسائل التربوية والعلمية والمادية الجهادية القادرة على تحقيق مطالب الشرع. وأن نبحث عن الكيان الجماعي المكلف بالنهوض إلى هذه المطالب، وعن طريقه وأولويات ما يطلب، وعن العراقل في وجهه، وعن العالميات الجاهلية التي تتحدى عالمية الإسلام وتنازعه في بقائه، وعن مراحل الطلب وثقل الحمولة وسرعة الزمان) 3 .

بهذه النظرة المنهاجية التجديدية فقط يمكننا النظر إلى جزئيات الشريعة وتفريعاتها، وتعقيدات الواقع وتفاصيله، نظرا عاليا ثاقبا جامعا متكاملا، لا النظر السفلي الشاخص الأعور التجزيئي. نظرة منهاجية تضفي على الوسائل حكم المقاصد، فتهب لجلب الوسائل القمينة بتحقيق تلك المقاصد السامية، وتسعى لإيجاد المنفذ القوي للمقاصد الكلية وللأحكام التفصيلية على حد سواء، قبل أن تغرق في مناقشة تفاصيل التنفيذ.

صيغة الطلب هاته تجسدت عند الشيخ ابن عاشور، من بين ما تجسدت، في إضافة بُعدِ الأمة الذي مكَّنهُ من حل أكثر من مشكلة في آنٍ واحد. فمن الأسطر الأولى في مقدمة كتابه يقرر الإمام أن مصطلحي إذا أطلقتُ لفظ التشريع أني أريدُ به ما هو قانونٌ للأمة ولا أريد به مطلق الشيء المشروع فالمندوب والمكروه ليسا بِمُراديْنِ لي) 4 . وبهذا فهو يقررُ أن علم مقاصد الشريعة علمٌ يتناول الموضوعات العامة ذات الصبغة الجماعية، وأن الأحكام التي يأمل أن يؤسس قواعدها هي أحكامٌ تتناول المجتمع والأمة والجامعة الإسلامية، ثم إنه يتابع قائلاً: كما أرى أن أحكام العبادات جديرةٌ بأن تُسمى بالديانة ولها أسرارٌ أخرى تتعلق بسياسة النفس وإصلاح الفرد الذي يلتئم منه المجتمع) 5 .

فحيث أنه وضع الأمة كإطارٍ للبحث في المقاصد فقد كان من المناسب تماماً أن يفصل بين الحديث عن المقاصد وبين أحكام الآخرة، لأن الآخرة هي جزاءٌ للأفراد وكلهم آتيه يوم القيامة فردا وكذلك فإنه يكتب عن الأمة، والجزاء الجماعي للأمة هو في الدنيا، كما أن المسؤولية عما تتورط فيه الأمة مسؤولية جماعية واتقوا فتنةً لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ومن الصعب إدخال النيات ومقاصد الأفراد في صياغة الأحكام الجماعية. ولذلك فقد وصف ابن عاشور التشريع بأنه قانون الأمة .

فالمقاصد، وهي أرواح الأعمال بتعبير الإمام الشاطبي، لها أهمية بالغة في ديننا الحنيف، بحيث لا يقدر متدين ولا داعية ولا فقيه مجتهد على الاستغناء عنها. وهذا ما عبر عنه العلامة ولي الله الدهلوي حين قال بأن أولى العلوم الشرعية عن آخرها – فيما أرى – وأعلاها منزلة وأعظمها مقدارا، هو علم أسرار الدين، الباحث عن حجج الأحكام ولمياتها، وأسرار خواص الأعمال ونكاتها… إذ به يصير الإنسان على بصيرة فيما جاء به الشرع) 6 .

والبحث في المقاصد تزداد أهميته، كلما نحا منحى الضبط والتأصيل على مكين الكتاب والسنة، أو ما تعلق بزمن هو خير الأزمنة على الإطلاق ـ بعد زمن النبوة ـ بشهادة الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، زمن الصحابة رضي الله عنهم. فهم خير من فهم هذين المعينين الصافيين. فقد كانوا يشاهدون نزول الوحي ويلحظون أحواله وأسراره، ويسمعون ويرون ويفهمون من الحكم والمعاني ما جعلهم خير مبلغ لتلك الرسالة الخاتمة.

وكانوا رضي الله عنهم أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، وأقومها هديا، وأحسنها حالا 7 فحصلوها وأسسوا قواعدها وأصولها، وجالت أفكارهم في آياتها، وأعملوا الجد في تحقيق مبادئها وغاياتها… وقد كانوا أول من قرع الباب، فصاروا خاصة الخاصة، ولباب اللباب، ونجوما يهتدي بأنوارهم أولوا الألباب) 8 .

ونحن إذ نروم إعادة الأمور إلى نصابها، كما دعا إلى ذلك الشيخ ابن عاشور وغيره من العلماء، بإحلال صيغة الطلب محل صيغة الحفظ، لم نجد في تاريخ المسلمين من نموذج لنا نبني عليه سوى نموذجي عهد النبوة وعهد الخلافة الراشدة. فالأول كان وحيا يوحى، أما الثاني فاجتهاد محض، صحيح أنه استرشد بالوحي واهتدى به، لكنه بشري صدر من ناس ليسوا معصومين ولا أنبياء.

فالخلفاء الراشدون الخمسة 9 رضي الله عنهم لم يكونوا فقهاء وعلماء متمرسين فحسب، بل كانوا أيضا حكاما وقضاة وولاة وجباة عايشوا هموم الأمة عن كثب. فهم في مقدمة أولئك الصحابة الكرام في فهم أسرار الشريعة ومقاصدها، بما عرف عنهم من سابقة إلى الإسلام، وطول باع في صحبة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وملاحظة دائمة ومستمرة لحوادث الشريعة ومنازل الوحي. ثم لم يزالوا كذلك حتى أكرمهم الله بخلافة النبي صلى الله عليه وسلم في أمته، فمكنهم ذلك من معايشة هموم الأمة عن قرب، وما ينزل بها من وقائع تتطلب منهم علما واسعا، وفهما ثاقبا، وذهنا متقدا، وجرأة كبيرة على الاجتهاد والحكم. فقد زادت تلك الخلافة الراشدة وإمامتهم لأمة الإسلام من صقل مداركهم وتحقيق مواردهم، وأدركوا بها من الحنكة والفطنة مدركا لم يعهد في غيرهم، وشهدت لهم الأمة بحسن رعايتهم لمصالحها العامة، وحفظ كليات دينها الحنيف، ودرء المفاسد عنها والأضرار المحدقة بها وبكيانها.

ولا شك أن فقههم ذاك لمقاصد الشريعة كان عميقا أثلوه لنا فيما بلغنا عنهم من أقوال وأفعال وفتاوى، في دينهم ودنياهم، في عبادتهم ومعاملاتهم وسلوكهم، في دعوتهم ودولتهم، وفي كل تصاريف حياتهم.

ثم إن ذلك لم يكن عن هوى وتشه، إنما كان وفق منهاج نهجوه على بينة من أمرهم، وإن لم يكونوا قد أعلنوه تصريحا في كثير من تصرفاتهم. ولا يستعصي على من تتبع واستقرى تلك التصرفات وتفحصها ودرسها أن يكتشف ذلك المنهاج المقاصدي الذي اعتمدوه في حياتهم، وفي رعايتهم لمصالح الأمة.

تجديد فقه المقاصد في مستقبل الخلافة الثانية على منهاج النبوة لا يصلح إلا بما صلح به سلفها على عهد الخلافة الأولى. وعلى وفق منهاجهم يجب أن تسير مسيرة التجديد إن أريد أن يكتب لها التوفيق والرشاد.

ولسبر أغوار ذلك المنهاج وبعض من تطبيقاته تسعى هذه الدراسة، في قابل إن شاء الله. وإلى ذلك الحين أسأل الله السداد في القول والرشد في العمل. والله من وراء القصد وهو يهدي إلى سواء السبيل.


[1] نظرات في الفقه والتاريخ للأستاذ عبد السلام ياسين، ص:58.\
[2] نفسه، ص: 59.\
[3] نفسه، ص: 5.\
[4] مقاصد الشريعة للطاهر بن عاشور، ص: 8.\
[5] نفسه، ص: 8.\
[6] حجة الله البالغة لولي الله الدهلوي 1/4.\
[7] هذا الكلام مأخوذ من شهادة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في حق الصحابة. جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر 3/185.\
[8] الموافقات 1/21.\
[9] أدرج في عداد الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، فهو خامسهم وإن لم يكن من زمانهم، لما أجمع على ذلك العلماء.\