تقديم:

تشن الآلة العسكرية الصهيونية هذه الأيام على قطاع غزة حربا همجية بربرية لم يسبق لها مثيل، آلة مجنونة تهلك الحرث والنسل وتأتي على الأخضر واليابس، تدك الشجر والحجر، آلة تجسد النفسية الصهيونية الحاقدة وعقيدتها المتعطشة إلى سفك الدماء، آلة تعبر بالطائرات الحربية والمدافع الثقيلة والقنابل العنقودية عن المنطق الذي يسكن هذا الكيان الجاثم على صدر الأمة.

في مقابل هذه الآلة شعب أعزل، وصدور عارية تحمل بين جوانحها قلوبا مؤمنة بنصر الله، في مقابل تلك الآلة مقاومة هي عنوان كرامتنا حيث تتجلى العزة في مقاومة وصمود أهل غزة، إلا أن هذه المقاومة تحتاج إلى إسناد ظهرها من الداخل، وتوحيد للجهود بدل الوضع الحالي الذي تعرفه الساحة الفلسطينية حيث يسود تجاذب سياسي وفتور في العلاقات بين الفرقاء الفلسطينيين بعد حراك كبير سبق وأعقب الانتخابات التشريعية الفلسطينية وما تلا ذلك مما بات يعرف بأحداث غزة أو أحداث الحسم العسكري، حيث كاد السجال السياسي بين أطرافه الرئيسيين ينتقل من أروقته الطبيعية إلى الشارع منذرا بانفجار قد تصل شظاياه إلى كل دول المنطقة.

ولفهم ما يجري واستكناه بعض جواهر هذا الخلاف الذي تحول إلى قطيعة، لا بد من تحليل مساعي طرفيه الرئيسيين( حركتي فتح وحماس) على الأرض، وربطها بالسياق الإقليمي والدولي، لمحورية ومركزية القضية الفلسطينية في الأجندة السياسية والحقوقية إقليميا ودوليا، ولأن فتح وحماس بشكل خاص عنوان لمرحلتين في الصراع مع المحتل بتوجهات وتصورات مختلفة، دون أن يعني ذلك إلغاء دور الفصائل الفلسطينية الأخرى في جهاد التحرير، فما هي طبيعة الخلاف بين حركتي فتح وحماس؟

1- فتح وحماس عنوان لمرحلتين في الصراع مع “إسرائيل”:

كانت الهبة الشعبية العارمة للتصدي للاحتلال الإسرائيلي في بدايتها عفوية وردة فعل طبيعية للدفاع عن المقدسات الفلسطينية، فبرزت هنا وهناك ثورات مسلحة بقيادة بعض الشرفاء أبرزهم عز الدين القسام، ولم تظهر حركات منظمة إلا بعد استنفاذ الجهود الشعبية السالفة، وفشل العرب مجتمعين ومتفرقين في دحر الاحتلال الصهيوني، في الآن نفسه كان العالم يتفاعل مع أحداث كبيرة أفرزت معسكرا شرقيا وآخر غربيا، وانعكس ذلك على الخيارات الإيديولوجية لبعض الأنظمة العربية القائمة آنذاك وبعض التنظيمات الحزبية على امتداد الأقطار العربية، وقد انحازت فتح إلى المعسكر الشرقي، وكانت فتح كبرى الفصائل الفلسطينية آنذاك تستوعب جميع أطياف المقاومين رغم اختلاف اختياراتها الايديولوجية، وقدمت شهداء كثر في مشوارها النضالي الطويل ضد الاحتلال، إلا أن قيادة فتح للمقاومة بدأت في التراجع بعد انخراطها في” قمم السلام”- في زعمها وزعم الرعاة الرسميين لهذه المؤتمرات وأزلامهم في العالم العربي – وانخراطها في التطبيع مع الإسرائيليين مقابل دويلة مقطعة الأوصال تحت السيادة الإسرائيلية، وكذا محاولتها إسكات الأصوات الرافضة لسياساتها والاستفراد بالقرار، فبرزت حماس كأهم معارض لفتح بعد مرور أقل من عقد من الزمان على تأسيسها.

لقد شكل ميلاد حركة حماس على ساحة الجهاد والنضال الفلسطيني حدثا متميزا بحد ذاته، بعد الانتكاسات العربية المتوالية على المستويين العسكري والسياسي، ميلاد أملته الحاجة الفلسطينية إلى مكون يكون على نقطة التماس المباشرة مع العدو، ويحمل هَمٌَ القضية العربية والإسلامية الأولى من زاوية نظر/معالجة مختلفة عما كان سائدا من قبل، فاستطاعت بسرعة أن تتوغل في أوساط الشعب، لأنها ليست طارئة عليه، فقبل أن تعلن عن نفسها ككيان مستقل لم تكن سوى جزء من ذلك الشعب المؤمن بحقه في أرضه كاملة غير منقوصة، مطمئنا إلى “وعد الآخرة” كما جاء في القرآن الكريم، ولأنها قدمت البرهان على صدق النية وسمو المبادئ، وأبدعت أشكالا نضالية جديدة أرعبت العدو، وحققت إجماعا شعبيا على المستوى العربي وفي بعض المناطق من العالم…

بالرغم من أن حماس في هذه المرحلة اتجهت بشكل كبير نحو العمل العسكري المقاوم وترتيب البيت الداخلي في انتظار نضج شروط المشاركة السياسية في كل مؤسسات القرار الفلسطيني بعد الاقتصار من قبل على المساهمة في تسيير بعض البلديات، إلا أنها كانت تشكل معارضة شعبية واسعة، و قوة اقتراحية فاعلة.

ورغم أنها تعرضت لانتقادات شديدة من الداخل والخارج بعد معارضتها لاتفاقات “أسلو” وحصارها عقب إبداعها للعمليات الاستشهادية في العمق الإسرائيلي، وبالرغم مما عرفته من اعتقالات واغتيالات وملاحقة قادتها بمباركة بعض فاسدي السلطة، فقد تمكنت الحركة من تكوين قيادات عَبَرَت بها إلى بر الأمان، والتزمت بحرمة الدم الفلسطيني وحرمة الاقتتال الداخلي ولازالت متمسكة بنفس المبادئ، وهذا لا ينفي وقوع أحداث للانفلات الأمني في لحظات التوتر التي طبعت علاقتها بفتح، لكنها حالات معزولة واستثنائية إنما تؤكد القاعدة السابقة.

منذ البداية شكلت اختيارات حماس النقيض لفتح على مستوى المرجعيات والوسائل، وهذا الاختلاف بينهما تجلى أيضا في أشكال المقاومة، حيث ابتدعت حماس أساليب جديدة في الدفاع والتصدي للعدوان الإسرائيلي واتجهت نحو توفير السلاح محليا مما جعلها تأخذ بزمام الفعل المقاوم، إلا أن حماس لم تبرز كمعارضة لفتح بشكل جلي إلا بعد اتفاقات “أوسلو” ليتكرس هذا الاختلاف بعد فوز حماس في أنظف انتخابات عرفتها المنطقة بشهادة العالم.

2- فوز حماس في الانتخابات التشريعية كشق حقائق وصمودها في الحرب أفرز مآزق:

شكل فوز حماس في الانتخابات الفلسطينية الأخيرة حدثا سياسيا بحجم الزلزال، تكشفت معه عدة حقائق من أهمها دعم قطاع واسع من الشعب الفلسطيني لخيار المقاومة وأسلوبها الأصيل في الدفاع عن حقوقه، واعتراف للمقاومة بحقها في قيادة الشعب الفلسطيني بعد أن أبلت بلاء حسنا في التصدي للعدوان الإسرائيلي في محطات مختلفة من هذا الصراع، وقدمت في سبيل ذلك جنودا وقادة، وصاحبت الشعب وعبرت عن آلامه وآماله، وكشف ذلك أيضا رفض التطبيع مع الصهاينة الغاصبين من طرف جزء كبير من الفلسطينيين، وتبقى الاستنتاجات الأخرى تابعة لهذه الحقائق، أما الذين لم يستسيغوا فوز حماس فقد اعتبروه تصويتا عقابيا لفتح وهم بذلك يسدون خدمة كبيرة لحماس من ناحية تجريم المرحلة السابقة.

ونجم عن هذا التحول عدة انعكاسات على الوضع الداخلي والإقليمي والدولي أبرزت حجم المآزق التي تعيشها الأطراف الرافضة للمقاومة أهم صورها:

– محليا: استفاقة بعض الفاسدين السابقين في السلطة على هول الصدمة ومحاولة عرقلة عمل الحكومة خوفا طبعا من نجاحها في تدبير الشأنين المحلي والعام، الأمر الذي سيكشف الصورة الحقيقية لحجم فسادهم، وفي ذلك موتهم سياسيا، لأن الشعب الفلسطيني لا يمكن تحت ظروف الاحتلال القاسية أن يغفر ويسمح بتجويعه ونهبه، وهَمٌُ هؤلاء هو إثارة فتنة داخلية والزج بالفلسطينيين في أثون حرب لها أول وليس لها آخر.

– إقليميا: صعود التأييد للحركات الإسلامية المعتدلة وتنامي التعاطف معها، وتوجس كبير من كل نجاح لهذه الحركات في أي قطر من الأقطار العربية لأن انعكاسات ذلك ستكون قوية على دول المنطقة، لذلك لعبت مصر دورا هاما في أسلوب الضغط والحصار، فرفضت خيارات جزء كبير من الشعب الفلسطيني- كما أفرزتها صناديق الاقتراع- ابتدأ ذلك برفض استقبال محمود الزهار وزير الخارجية السابق في الحكومة المقالة…لينتهي عند رفض فتح معبر رفح في أشد ظرف على الإطلاق يعيشه قطاع غزة بدعوى عدم تكريس الانقسام الفلسطيني، فهل فتح المعابر بين الأردن والضفة الغربية تكريس لهذا الانقسام؟ أما الأردن فقد افتعلت قضية “مسلحي حماس” الذين اتهمتهم بالتدبير لعمليات تفجير في أرضها حتى تتخذها ذريعة لعدم التعاطي مع حكومة شكلتها حماس، وكم هي واضحة سخافة التهمة/الحيلة!…، وتستمر المواقف الرسمية العربية في وفائها لسلوكها القديم/الجديد في التخاذل والتواطؤ، إلا أنه انتقل في هذه الحرب على غزة من دائرة التواطؤ في السر إلى إعلان التواطؤ، فرفضت غالبية الأنظمة العربية أن تجتمع على طاولة واحدة لتصدر بيانا ” تنديديا” يشجب مجازر الصهاينة، وذلك لأمرين اثنين: لأن أقصى ما يمكن أن تفعله هو الشجب والتنديد وهي مدركة تماما أن ذلك لا يوازي منسوب الموقف الشعبي في أدنى مستوياته، ولأنها أرادت أن توجه رسائل صريحة لأطراف مختلفة فحواها أنها مستعدة للتحالف مع أعداء الأمة في السر والعلن في سبيل كسر شوكة المقاومة على مستوى قضايا الأمة وبالتالي فرض ثقافة الاستسلام، وفي سبيل قهر المعارضة والاستفراد بالحكم على المستوى الداخلي.

– دوليا: ردة المنتظم الدولي عن شعارات الديمقراطية، وسقوط مشروع الشرق الأوسط الجديد والكبير لصعوبة إيجاد حل لمعادلة الانتخابات النزيهة في ظل جو ديمقراطي والتي لا تفرز إلا فوز الحركات الإسلامية، وذلك في نظر أمريكا لا يخدم مصالحها في المنطقة.

من جانب آخر تراجع الخطاب الحقوقي العالمي بشكل كبير حيث أصبح فارغا من أي مضمون، وغدت مؤسسات القرار الدولي راعية لمصالح الغرب، فأي مشترك أممي على قاعدة الكرامة الآدمية يمكن اللجوء إليه لصد العدوان والعنف الشامل الذي يمارسه الصهاينة على غزة؟ هذا السؤال لمن يسأل عن جدوى المقاومة.

وعموما فعقاب الشعب الفلسطيني على خياراته الديمقراطية، وفرض الحصار عليه والحرب على قطاع غزة هي جرائم ضد الإنسانية بتواطؤ عربي رسمي معلن، مع إفلاس للشعارات الحقوقية العالمية.

3- الحدود الحمراء للاختلاف:

بعد فوز حماس في الانتخابات التشريعية كانت الأمور في بدايتها تسير سيرا طبيعيا في اتجاه إرساء دعائم ديمقراطية حقيقية، من اعتراف الرئيس عباس أبو مازن بالهزيمة، إلى تشكيل الحكومة مرورا بقبول بعض الدول بها، إلا أن الوضع تدهور بسرعة بعد دخول أطراف خارجية على الخط الفلسطيني ورفض إسرائيل الاعتراف بحكومة تقودها حماس، ففرضت حصارا اقتصاديا لا إنسانيا على الفلسطينيين عقابا لهم على تأييدهم لها، وزادت الأزمة استفحالا بانخراط الحرس القديم المناوئ لحركة المقاومة في الضغط لإجهاض عمل حكومتها في المهد، بل ذهب إلى أبعد من ذلك فتآمر لإسقاطها.

ووعيا منها بخطورة الموقف أبدت حماس حرصا شديدا على تشكيل حكومة وحدة وطنية تتحمل عبء المرحلة، فكادت الأزمة تعرف طريقها إلى الحل بعد نجاح الوساطة العربية- المحتشمة- في تقريب وجهات النظر بين الطرفين، إلا أن “الفيثو” الأمريكي حال دون تنفيذ أي من هذه الاتفاقات، ليعلن الرئيس عباس انسداد أفق الحوار .

هذا الإعلان كان بمثابة الشرارة الأولى للفتنة الداخلية، حيث فُتِح الباب لسجال إعلامي أجج مشاعر الغضب لدى أنصار الطرفيين انتقل بسرعة إلى صراع مسلح في الشارع، وأيا كانت مسوغات ذلك الاقتتال الداخلي فهي تسيء للقضية، والدم الفلسطيني يجب أن يكون خطا أحمرا، وفي الوقت ذاته ومهما يكن الاختلاف جذريا بينهما فإن استغلال مشاعر المواطنين جراء الحصار الظالم لتأليبهم ضد حماس ليس سلوكا سياسيا ولا إنسانيا مقبولا، والأخطر من ذلك التآمر ضدها واستباحة دم المقاومة من خلال تقديم معلومات استخباراتية (حسب بعض المصادر الصحفية) للعدو مقابل الحظوة لديه، مما دفع حماس إلى حسم المسألة ميدانيا، فبرزت كأمر واقع لا يمكن تجاوزه، كما خاب الرهان على إضعافها بحصار غزة، بعد الصمود الكبير لسكان القطاع.

وفي الختام: فتح وحماس … صراع على سلطات أم تدافع خيارات؟

التجاذب الحاصل بين فتح وحماس يختزل التدافع بين خيارين على طرفي نقيض، الأول مدعوم من طرف الأنظمة الرسمية وقوى خارجية، ويستند إلى موازين القوى العالمية، وينساق وراء خيار السلام/أو الاستسلام، والثاني يستمد عناصر قوته من اعتقاد راسخ، وإيمان جازم بحق كل فلسطيني في فلسطين كلها، وما كان له ليصمد أمام التيار الآخر لولا المساندة الشعبية الكبيرة داخل وخارج فلسطين بعد فضل الله تعالى وتأييده، فإصرار حركة حماس على خيار المقاومة وعدم التطبيع وتحدي الحصار ليس شرة وحماس، إنه في الاتجاه الصحيح نحو تحرير فلسطين، فهل باتباعها لأسلوب المفاوضات بدعوى الواقعية والاستجابة للظرف الدولي تسير حركة فتح إلى فتح صفحة جديدة من كتاب جديد بعنوان “حتف” وهو الاسم المختصر لحركة التحرير الفلسطينية لكن بدون تغيير ترتيب الحروف هذه المرة؟ ولماذا ترفض فتح التفاوض مع حماس وتتفاوض مع الصهاينة؟ هل حماس أسوأ من المحتل؟ لا فتح يمكنها تجاوز حماس ولا حماس يمكنها تجاوز فتح، وفي الأزمة اللبنانية خير دليل على ضرورة العيش المشترك.

ل” فتح” فلسطين لابد من “حماس” و”جهاد” الشعب الفلسطيني، ولا بد من “جبهة شعبية” موحدة لحمل “ألوية الناصر” صلاح الدين مجددا…، هذه الكلمات المفاتيح هي في الوقت نفسه أسماء فصائل المقاومة ومفردات حل القضية الفلسطينية.