أقنعة كثيرة أسقطتها حرب الإبادة التي تخوضها آلة الدمار الصهيونية ضد الأجساد الغضة الطرية لأطفال غزة. افتراءات جمة وخطيرة فضحت وتعرت رغم الجهود الكبيرة والأموال الضخمة التي أنفقت لأجل تسويقها وتثبيتها في عقول وأفئدة المسلمين بل والعالم. وهذا مكسب استراتيجي كبير للأمة الإسلامية ولمشروع نهضتها.

صرح الصهاينة علنا أنهم استغلوا تضافر عوامل متنوعة لم تجتمع لهم من ذي قبل: الدعم الأمريكي والأوروبي المطلق، ثم تحريض سري وتواطؤ وتعاون علني فاضح من قبل الأنظمة العربية الخائنة، فضلا عن إمكانات لوجستية وميدانية غير مسبوقة، لخوض حرب اعتقدوها محسومة بسرعة وبدون خسائر ضد شعب أعزل لا يملك إلا القليل القليل مما يدافع به عن دمه وعرضه وما تبقى من أرضه. وقد حددت أهداف كبرى لهذه الهجمة المتوحشة، جوهرها قهر ما تبقى من مقاومة لدى الأمة تجاه طوفان الاستكبار المعاصر، وضمان ذوبانها في لججه، وصهر إرادتها في بوثقته.أما عنوان الحرب المعلن فهو القضاء على حماس والجهاد، الذي ترفع لواءه، لكونها تجسد رمز المقاومة وتمثلها الواقعي وجبهتها البارزة. ولضمان تحقق الأهداف الاسترتيجية بسرعة ودقة وعدم تكرار الأخطاء السابقة تم التهييء الجيد لوجستيا واستخباريا وسياسيا وإعلاميا، وكذا اختيار الظرف المناسب واعتماد عنصر المفاجئة، والإفراط في استخدام العنف، قصد إيقاع أكبر حجم من الخسائر في قيادة المقاومة وجمهورها وتشتيت تركيزها تمهيدا لسحقها، ومن تم تغيير الأوضاع على الأرض سياسيا بعد إنجاز التغيير العسكري الحاسم. ويقتضي التغيير المنشود تطبيق مخطط معد سلفا بالتنسيق مع المتحالفين في هذا العدوان يبدأ بإلغاء سلطة الحكومة المنتخبة وإرجاع سلطة عباس برمزها دحلان وقادة التنسيق الأمني مع الصهاينة.هذه الخطوة كانت ستعبد الطريق مباشرة لفرض المشروع الصهيوني الأمريكي الذي تولت الأنظمة العربية منذ مدة التبشير به والتهييئ له من خلال تسريع إيقاع وخطوات التطبيع الاقتصادي والثقافي والاجتماعي تمهيدا لتعميم التطبيع السياسي. هكذا خطط الأعداء وبدؤوا تنفيذ مخططهم الجهنمي بانسجام كامل وتقاسم منظم للأدوار. فالصهاينة تكلفوا بحرب الإبادة، أما الأمريكان والأوربيون فقد تولوا تبرير الهمجية وتغطيتها سياسيا وإعلاميا فضلا عن دعمها لوجستيا وعسكريا في حين تقاسمت الأنظمة العربية ـ خاصة من وصفت أمريكيا وصهيونيا بالدول المعتدلةـ باقي الأدوار. إذ منها من تكفل بالشق السياسي من خلال التصدي لمحاولة عقد قمة عربية، أو حتى إصدار أي موقف يدين العدوان أو يتحرك لوقفه، ومنها من تعهد بخوض حرب إعلامية ضروس ضد المقاومة ورموزها ودعما للعدوان قصد تضليل عقول جماهير الأمة ومحاولة وأد أية مبادرة للتضامن أو مجرد الاستنكار بله الاحتجاج. أما النظام المصري، الذي جسد رأس الحربة في الهجوم على المقاومة والتحريض ضدها فقد مارس كل تلك الأدوار وأضاف إليها تشديد الحصار الاقتصادي ومنع المعونات الإنسانية، التي تشمل الأدوية وبعض الأغذية، من الدخول إلى غزة أو الوصول إلى المحاصرين هناك.

هكذا خطط الأعداء، وهكذا نفذوا فخلفوا دمارا فظيعا في الأرواح والممتلكات، ولازالوا مسترسلين في إجرامهم.

بعد مرور 19 يوما عن بدء حرب الإبادة، صار من السهل على كل متتبع لمسار المعركة ونتائجها الأولية والتصريحات المواكبة لها الاستنتاج أن آمال الأعداء قد خابت. فصمود المقاومة ونقل الصراع إلى عمق العدو وإذاقته جزءا من مرارة الحرب يدفع إلى الاستنتاج بأن هذه المعركة لا تخاض بمنطق مادي أبدا. كانت كل الحسابات المادية مجمعة بإيقان حسم المعركة وتحقيق كل أهدافها خلال الأيام الثلاثة الأولى ولكن شيئا من ذلك لم يحدث. فهاهي ذي الحرب ما تزال مستعرة ولم ينجز الأعداء أي هدف استراتيجي سوى الدمار والخراب وإعدام المئات من الأطفال والنساء والمدنيين بأحدث الأسلحة الأمريكية والأوروبية أمام سمع العالم وبصره. وهاهي ذي المقاومة البطلة لازالت تقاتل بقوة لا قبل للأعداء بها وتهجم باستبسال وإقبال لم يسبق له نظير .. وقد صدق المجاهد القائد إسماعيل هنية حين سماها معركة الفرقان. فالمدد الإلهي والمعية الربانية ظاهران لكل ذي لب وبصيرة، والنصر الحاسم ليس إلا مسألة وقت، وما الصمود والثبات والإقدام إلا مقدمات جلية للفتح…

إن الحرب على غزة معركة استراتيجية في صراع الأمة ضد الجاهلية المعاصرة. فبالرغم من محدودية الرقعة الجغرافية التي تقع فيها وعدم تكافؤ أدوات الطرفين المتواجهين في ميدانها إلا أن نتائجها كبيرة وتبعاتها خطيرة ومكاسب الأمة من ورائها عظيمة. ولعل أكبر مستفيد هو تيار المقاومة في العالم الإسلامي ككل وعلى رأسه الحركة الإسلامية. فرصيدها من الشعبية سيرتفع وخطابها سيتجذر أكثر ويخترق جبهات كانت عصية عليه في السابق. ذلك لأن صمت وتواطؤ العالم الرسمي ـ منظمات وحكومات ـ أمام صور القتل الشديدة البشاعة للأطفال والنساء ومشاهد الدمار الفظيع حطم كثيرا من الأساطير، وأقبر كثيرا من الافتراءات والدعايات. ومن جملة تلك الأقنعة التي سقطت والافتراءات التي فضحت ما يلي:

1 ـ الوجه الإنساني للحضارة المادية الغربية:

منذ القرن 19 جهد الغرب في تفعيل ترسانة دعائية ضخمة تشتمل مؤسسات إعلامية وسياسية وحقوقية واقتصادية، وأنفقت الملايير ولا تزال لإبراز الوجه الإنساني للحضارة الغربية. وبالرغم من أن الحروب الأخيرة على ما سمي بالإرهاب أحدثت شروخا عميقة في هذا الوجه البشع إلا أن الحرب على غزة أسقطت قناعه بالكامل ليظهر على حقيقته وجها دمويا كريها يمول ويشجع على قتل الأبرياء بل إبادتهم بدم بارد. ولعل أبرز تجل لهذه البشاعة اعتبار بيان الاتحاد الأوروبي أن حرب الصهاينة على غزة هي حرب دفاع.

2 ـ نزاهة وموضوعية منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان:

كيف يمكن تفسير صمت المنظمات الحقوقية الدولية عن شلال الدم الفلسطيني المنهمر في غزة وعدم إصدارها لأي موقف صريح يدين همجية الصهاينة وحلفائها. ألا ينحاز هذا الموقف للعدو؟ ألا يوفر له الغطاء الأخلاقي للاسترسال في إبادة المدنيين والأبرياء؟. اللهم استثناءات لا تلغي القاعدة التي هي التقصير.

3 ـ حرص المؤسسات الدولية (مجلس الأمن والأمم المتحدة …) على الأمن والسلم العالمي:

انكشف زيف هذا الشعار منذ مدة، خاصة بعد الحرب على العراق وأفغانستان ولبنان. فقد اتضح للعالم أن المؤسسات الدولية تكيل بمكيالين في ما يرتبط بقضايا أمتنا وحقوقها وتنحاز على الدوام لمواقف أعدائها. وقد أسقطت الحرب على غزة هذا الشعار بشكل مطلق من ضمير العالم وساعدت الهمجية الصهيونية من خلال بشاعة جرائمها على تهاوي هذا الافتراء.

4 ـ وطنية وعروبة الأنظمة العربية:

لعل من أهم مكاسب الأمة من هذه الحرب الوحشية نزع ورقة التوت الأخيرة التي كانت تستر عورة الأنظمة المفروضة قهرا على المسلمين إذ كشفت حجم خيانتها وتواطئها ودعمها للعدو بل تحريضه وتغطية جرائمه وهذا ما وسع من دائرة إدانتها من قبل الشعوب الغاضبة والمنتفضة لنصرة المستضعفين في غزة. وقد لا أكون مبالغا في تفاؤلي إن استنتجت بأن الوضع الشعبي والنخبوي العربي مهيأ الآن أكثر من السابق للتغيير العميق ومستشرف لزوال عوامل الخيانة والاستبداد والفساد من بلدانه ومجتمعاته.

5 ـ ركود الشارع العربي والإسلامي وبعده عن قضايا أمته وعدم تهممه بهمومها وانشغاله بأوضاعه الاجتماعية والاقتصادية المزرية:

لقد أبان التضامن المنقطع النظير خلال كل أيام العدوان، والذي لازال مستمرا، أن الأمة حية ولولا تسلط الأنظمة الجبرية على رقابها لنفرت لنصرة الأهل في غزة بالمال والسلاح والأرواح ولاتخذت المعركة حينئذ منحى آخر.

6 ـ التفوق العسكري والتقني والإعلامي قادر على حسم الصراع ضد الإسلام:

فالمقاومة الضعيفة العدة القليلة العدد المحاصرة والمتكالب عليها من طرف العالم تتمكن بسلاح الإيمان وحده من صد هجوم أعتى قوة في المنطقة برمتها. فقد قلبت المقاومة الفلسطينية البطلة كل المقاييس وأدخلت معادلة جديدة للحروب مفادها أن العامل الحاسم في القتال ليس قوة العتاد بل صلابة الإيمان وعمق الإصرار وصمود الالتفاف والدعم الشعبي للمجاهدين.

7 ـ رغبة الصهاينة في العيش بسلام مع الفلسطينيين وحرص الغرب عموما على رعاية هذه الرغبة لولا هذه التيارات المتطرفة التي تسمي نفسها مقاومة:

لقد دكت الصواريخ والقنابل، التي دمرت المنازل والمستشفيات والمساجد وسيارات الإسعاف، هذا الوهم .. لقد أسقطت هذه الجرائم القناع عن إرهاب الصهاينة وأصلهم الدموي ومشروعهم التدميري الذي يستهدف قدرات الأمة ككل وليس فلسطين فقط. فالأهداف الصهيونية الاستراتيجية تستخدم القتل والتدمير والتهجير لتستكمل نتائج النكبة الأولى سنة 1948 وتستمر تبعات النكبة الثانية سنة1967 تمهيدا لاختراق الأمة برمتها وتسخير قدراتها لصالح مشروعه. لقد كان زرع الكيان الصهيوني في قلب أمتنا يهدف إلى استنزافها والحيلولة دون تمكنها من النهوض من جديد وتوحيد بلدانها وامتلاك عوامل القوة والمناعة ضد مشاريع أعدائها. لأجل ذلك لم تهدأ هذا الجبهة منذ 60 سنة من تاريخ بدء الصراع. امتلأ فيها سجل الصهاينة بمئات المذابح والاعتداءات. فعن أي سلام يتحدثون وغزة الآن شاهدة والعالم يتابع يرصد تجليات رغبة السلام المزعومة من خلال مشاهد الرعب والخراب.

لقد أجمع عدد كبير من المحللين الاستراتيجيين على أن هذه الحرب الهمجية لم ولن تحقق أيا من أهدافها الكبرى سوى الدمار والخراب وأن الصمود المعجز للمقاومة قلب وسيقلب الكثير من الحقائق ويحدث تغييرا عميقا واستراتيجيا ليس أبدا في صالح أعداء الأمة والمستبيحين لدمائها وحقوقها والمتعاونين معهم محليا وعالميا. أما القراءة الربانية لما يحدث فتنبؤنا بأننا بصدد ولادة جديدة لأمة الإسلام وانبعاث جديد لإرادتها وما نعيشه من مآسي ومعاناة ليست إلا تعبيرا عن آلام المخاض وأوجاع الولادة مهما كبر حجم هذه الآلام. وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشرك بي شيئا صدق الله العظيم.