إن الوضع في غزة بلغ من المأساوية ما لم تشهده المنطقة من قبل، خطة محكمة صاغها العدو الإسرائيلي لقهر الإرادة الفلسطينية وإذلال الشعب الذي رغم كل ذلك ظل يردد “نموت نموت وتحيى فلسطين”، الجزء الأول من هذه الخطة تكفل به الصهاينة؛ حصار وتجويع ثم قتل ودمار، أما الجزء الثاني فقد أوكل إلى الجانب العربي؛ حصار وسكوت ثم تخاذل وانقسام، هكذا توجه ممثلو الدول العربية يتقدمهم عمرو موسى للمنتظم الدولي لينصفهم من ظلم جارهم العزيز الذي عجزوا عن مواجهته بكل ما لديهم من أسلحة اقتصادية وسياسية ودبلوماسية وعسكرية.

والحقيقة أن هروبهم إلى أمريكا يخفي من وراءه شيء أكبر من العجز الذي تعوَّدناه منهم على مر سنوات الهزيمة والعار، فالقوم هذه المرة منزعجون من وجود حماس في غزة، منزعجون من التزامها بالمقاومة والممانعة إلى جانب العديد من الفصائل الفلسطينية الأخرى، في الوقت الذي يسعون فيه إلى أي حل قد يكفيهم هَمَّ القضية التي لم تعد تشكل أولى أولوياتهم، كما لم تعد إسرائيل تمثل عدوهم الأول ولا حتى العاشر.

هم أيضا منزعجون من الخلفية الفكرية التي تؤطر حركة حماس والتي تغذي في نظرهم الحركات ذات المرجعية الإسلامية في دولهم، خاصة أن حماس خاضت واحدة من التجارب القليلة التي شارك فيها الإسلاميون في انتخابات نزيهة، حسب المراقبين، وتمكنت من الوصول إلى الحكم. فرغم كل ما يمكن أن يقال عن هذه التجربة في ارتباطها بالوضع الفلسطيني، والانتقادات الموجهة إلى سلطة تعتمد في تأسيسها على اتفاق أوسلو، وهو الاتفاق الذي ترفضه العديد من الفصائل وعلى رأسها الجهاد الإسلامي، فإن وجود حركة إسلامية في حكومة فلسطينية أزعج القريب والبعيد خاصة مع تطورات انقسام الداخل الفلسطيني.

هناك أيضا معطى آخر متعلق بقرب انتهاء ولاية الرئيس محمود عباس، وتهديدات حماس بعدم الاعتراف به بعد انقضاء المدة المحددة لولايته، وهو ما يعني تحرر حماس، في حال عدم إجراء الانتخابات الرئاسية في وقتها، من كل الالتزامات التي تقيدها أمام الرئاسة الفلسطينية، كما أن حماس تشكل، في حال إجراء الانتخابات، منافسا قويا مرشحا لتولي هذا المنصب، ولعل تجربة الانتخابات التشريعية مازالت حاضرة في الأذهان، يزكي إعادة وقوعها من جهة ما حققته حماس من صمود وطول نفس في تسييرها الحكومي رغم كل أشكال التشويش وكل محاولات الإفشال التي رافقت فترة توليها. ومن جهة أخرى الالتفاف الشعبي الناتج عن التزام حماس بالمطالب التاريخية للشعب الفلسطيني وعلى رأسها حق العودة، في الوقت الذي بدأت فيه أطراف أخرى تتفاوض في اتجاه التنازل عنه وتقديمه هدية مقابل تأسيس دولة فلسطينية مشتتة بين الضفة والقطاع.

بسبب كل تلك الاعتبارات والمخاوف الإقليمية لم يكن أمام الدول العربية إلا الانقسام، ثم التهرب من عقد قمة عربية قد لا تجري رياحها بما تشتهيه سفنهم، خاصة مع ما يمكن أن توقعه مناظر قتل الأطفال وترويع النساء وهدم المباني الاجتماعية في أقصى أشكالها، من أثر فنقاشات فإحراجات فقرارات يندمون على اتخاذها بمجرد أن تلفح وجوههم برودة الجو خارج قاعة التداول والنقاش.

وأمام هذا الفراغ العربي الذي تعرفه ساحة التصريحات الصادقة والإدانات الشجاعة، والتهديدات القوية، سيبرز الصوت الإسلامي الذي عبرت عنه كل من إيران وتركيا والذي اتخذ شكلا أكثر كرامة من الصمت الرهيب الذي طبع موقف بعض الأنظمة العربية، وأكثر صرامة من التصريحات المضحكة التي أراد البعض الآخر تبرير تخاذله بها فكانت علامة على خيانته وجبنه.

إن التطور الذي تعرفه قضية الدعم العربي للقضية الفلسطينية أصبح موضع تساؤل حقيقي، فمن الدعم المسلح والمشاركة في محاربة العدو الإسرائيلي، إلى المقاطعة واستعمال سلاح النفط، إلى التطبيع والتفاوض، إلى التنازل والتخاذل، والبقية تأتي.

لكن، لَإِن كانت جدوة العروبة قد انطفأت فسكنوا، فإن الإسلام المتجدد في عروق الأمة سيظل مشتعلا، فالمسجد الأقصى كلمة في القرآن ثابتة، والدفاع عنه عبادة، والموت في سبيله شهادة.