حاول كثير من السياسيين والمحللين تفسير الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي منذ نكبة 48، على أنه صراع على الأرض، بينما ذهب آخرون لتقزيم القضية على أنها صراع على السلطة وتداول على الحكم…

إلا أن القضية أكبر بكثير من هذه المقاربات الجزئية، التي تدخل في حساباتها المزايدات السياسية والولاءات الخارجية. وللأسف هذه المقاربات التبعيضية تطغى في أغلب وسائل الإعلام وخلاصات بعض مراكز الدراسات، التي تحشو عقول الأمة العربية والإسلامية وتتسرب إلى أسماع الشباب، مفرزة ثقافة الهزيمة وسلب إرادة الاقتحام حتى لا تتحول إلى قوة الاقتحام والتغيير ثم البناء.

ليست “قضية فلسطين” قضية محلية، بل هي قضية مصيرية، وقضية كل المسلمين. برهنت على ذلك محنة أهل غزة التي أكرمها الله بوسام الشهادة وعزة الموقف وشموخ الرجال، وسقط القناع على حكامنا المتخاذلين الذين تواطئوا مع الجلاد ليدينوا الضحية. فخرج العجم قبل العرب لنصرة الشعب الفلسطيني. الآن أخذ العرب يدركون خطورة ما لا قِبل لهم به، واقترحوا تنازلاتهم للاعتراف بالكيان الصهيوني في “حدوده الآمنة”. والصهاينة اليهود والمهودون يحلمون بإسرائيل الكبرى، بإسرائيل ما بين النيل والفرات، بل بإسرائيل العالمية التي بشرت بها توراة اليهود.

فأرض فلسطين أرض الأنبياء والأولياء، أرض الطهارة والجهاد، أرض تدفع عنها الظلم والطغيان. اليوم لا خيار لفلسطين إلا خيار المقاومة والمنعة ضد كل جرثومة خبيثة. هذا قدر أرض الطهارة وشعب العزة والإباء. قال جل من قائل:وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ. فجعلها ملة واحدة، وأدخل أهل الكتاب في ولاء واحد، ضد الإسلام. فوعد الآخرة مواجهة واسعة بين أهل الإيمان وأهل الكفر، واليهود بعَدَدِهم وعُدَدِهم أقلُّ وأذَلُّ من أن يشكلوا جبهة تقارن بأمة الإسلام.

علينا اليوم، بعد مرور 60 سنة عن النكبة، أن نفهم حقيقة هذا القدر الإلهي العظيم الذي يستشرف موعود الله تعالى باليسر القريب بعد زمن العسر.

استقبلنا سنة جديدة -هجرية 1430 وميلادية 2009 أيضا- بهدية إسرائيلية ثمينة:طائرات إسرائيلية في سماء غزة تمطر بوابل من الصواريخ وأطنان من القنابل شعبا أعزل، تقتل الأطفال، وترمل النساء، وتدمر البيوت والمؤسسات والمساجد على رؤوس الأبرياء…

صور مؤلمة لأشلاء أجساد متناثرة على أرض الطهارة والصمود، وصرخات أطفال وآهات أمهات ودموع شيوخ تبلل لحاهم. صور ومشاهد تناقلتها –ومازالت- وسائل الإعلام العالمية والفضائيات والمواقع في الشبكة العنكبوتية.

وديان من دماء أهلنا في غزة العزة تسقي أرض الطهارة، لتنبت غرس المقاومة، والتي أصبحت اليوم أشجارا شامخة تلقي بضلالها على العالم بأسره. علينا نحن اليوم، الذين تتعالى حناجرهم في مسيرات حاشدة في كل ربوع العالم الإسلامي أن نفهم عن الله عز وجل ما جسم هذه الجاهلية وما كتلتها؟ من هم الأبناء وما هي الأموال التي أمد الله بها بني إسرائيل ابتلاء منه لنا بين يَدَيْ وعد الآخرة؟ كيف أصبحوا أكثر نفيرا وأوسع حيلة؟

لا بد من فقه كل ذلك ووعيه سياسيا واقتصاديا وعلميا وصناعيا وثقافيا وعسكريا واستراتيجيا ليمكننا إعداد القوة الملائمة وإعداد الخطة ليوم المواجهة.

قضية فلسطين بداية المواجهة الحاسمة بين الحق والباطل، بين الجاهلية والإسلام. مع الجاهلية تنَبؤٌ يهودي بمملكة صهيون الألفية. ومع الإسلام وعد الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه بالنصر المبين، وبالخلافة على منهاج النبوة، وبظهور هذا الدين على الدين كله ولو كره المشركون، ولو كره الكافرون.

مع الجاهلية التفوق العددي والتكنولوجي والمالي والعسكري، معها الخبرة والصناعة والتنظيم، معها السبق الزمني في كل الميادين، تطرق الآن وتلج عصر ما بعد الصناعة، عصر المعلوماتية والفضاء والإنتاج الأوتوماتكي والتحكم في الخلايا الوراثية للنبات والحيوان.

ووراء الركب الجاهلي تتعثر خطانا، مسبوقين متخلفين، ممزقة أوصالنا، مبذرة أموالنا، مقَطعة أرضنا، محتلة عقولنا، واهنة عزائمنا.

الآن انتهى زمان التسلل واللصوصية، وأصبح لليهود دولتان معلنتان واحدة في نيويورك وأخرى في فلسطين. وأصبحت كتائبهم ومنظماتهم وامتداداتهم مفاخر معلنة، محترمة، صائلة.

ووضعوا للعالم الآخر منظومة فكرية وترسانة من القوانين وحراسا من الحكام منفذين للإرادة الاستعمارية، بكل ذلة للقزم الصهيوني وعزة على الشعوب المستضعفة.

سنة الله لا تجامل أحدا، وحكمه على الغثاء أن لا ينهضوا لجليل من الأمر ما داموا غثاء.

ما يحدث في غزة اليوم، من تدبيح وتقتيل وإبادة في أبشع صور عرفتها الإنسانية، وبالمقابل ما يعرفه الشارع العربي من غليان وحسرة وقلة حيلة وهوان… وكذلك صمت مخزي لحكامنا الذين يغلقون الحدود ويأسرون شعوبهم في سجون كبيرة حتى لا يعانقوا بدورهم عالم الشهادة والحرية والانعتاق، كل ذلك مخاض فيه ألم شديد لكنه متبوع بفتح مبين.

“وعد الآخرة” مقترن بوعد ظهور دين الله على الدين كله ولو كره الكافرون. والحمد لله رب العالمين.