توطئة

من بين الأشلاء والآهات والصرخات المنقولة عبر شاشات العالم من غزة العزة، من بين بنادق المجاهدين المقاومين المرابطين هناك، وأمام صمودهم العظيم، وأمام النفق الذي جعلوا فيه الكيان الصهيوني لما دخل القطاع العزيز الصابر الصامت، لا نملك إلا أن ننحني إجلالا وتقديرا لتلك السواعد القائمة على ثغر فلسطين، وتلك الأعين الساهرة على آهات الصبيان وأنين الشيوخ ودموع أمهات يرين بأعينهن المجردة ما تفعل الآلة الصهيونية بفلذات أكبادهن.

من خلال النفق السياسي والعسكري الذي دفعت إليه المقاومة الكيان الصهيوني ننظر إلى أفق تلك المعركة التي سماها رجالها “معركة الفرقان”.

إن اللحظات الأليمة لا تنرك فرصة للتأمل، لكن الواجب يقتضي أن ننظر بعيدا على الرغم من ذلك، فنتساءل: هل الأمة أمام لحظة تاريخية يجب على طلائعها في كل مكان الوعي الدقيق بها وبمطالبها في الآن والمستقبل؟

إنجاز المقاومة

لا ينكر إلا جاهل الدور الذي قام به حزب الله اللبناني في مدى تعديل المعادلة السياسية والعسكرية في منطقة ما يسمى بالشرق الأوسط، ذلك أنه ساهم بشكل كبير في صنع مرحلة تاريخية تتالت فيها هزائم الكيان الصهيوني من خلال مقاومته المتصاعدة.

ولا ينكر إلا جاهل، كذلك، أن صمود المقاومة في فلسطين ونجاحها بقيادة حماس ومشاركة جل فصائل المقاومة في إخراج هذا الكيان من قطاع غزة وتوجيه ضربات موجعة له في قلب تل أبيب ومغتصباته تضافر ليشكل صورة حقيقية على أن الكيان الصهيوني ضعيف وهش ويمكن إلحاق الهزيمة النهائية به في مرحلة قادمة.

وقد حصل هذا في الوقت الذي تسرب حتى لدى بعض ناس المقاومة في زمان ما أن هزيمة العدو هذا صارت من المستحيل، وأن الظروف الدولية أصبحت تدفع فقط في اتجاه اكتشاف شكل من التسوية ولو على المدى البعيد.

إن عامل المقاومة الذي توج بإخراج الكيان الصهيوني من قطاع غزة ومن جنوب لبنان، وإلحاق هزيمة يوليوز 2006 به من طرف المقاومة اللبنانية بقيادة حزب الله أدى إلى صناعة مقدمات معادلة سياسية وعسكرية جديدة في المنطقة وفي العالمين العربي والإسلامي عموما. مؤداها: أن بإمكان المقاومة ذات التوجه الإسلامي أن تعبئ الأمة كليا وتقودها سياسيا وتحقق النصر عسكريا. ويعلم الجميع ما لهذه المعادلة من آثار على الأنظمة العربية القائمة اليوم وعلى المشروع الأمريكي في المنطقة وفي العالم.

ومع كل ذلك لا ننكر أن صمود سوريا ودعم إيران، وخروج الشعوب الإسلامية بقيادة تنظيمات شعبية على خط المقاومة والممانعة كان عاملا مهما شكل ظهرا متماسكا للمقاومة في فلسطين ولبنان في لحظات صعبة وحرجة.

فبعد هزيمة الكيان الصهيوني في يوليوز 2006 ودخوله معركة غزة اليوم يؤشر على مرحلة تاريخية نوعية من الصراع مع الكيان الصهيوني.

عوامل توسيع مجال المقاومة.

أ- قوة حزب الله اللبناني.

فحقيقة الكيان الصهيوني أنه هش وضعيف على الرغم من ترسانته العسكرية، وأن المقاومة قادرة على إلحاق الهزيمة به أو على الأقل إرباك وجوده في إطار معركة طويلة نتيجتها الحرية واسترجاع الأرض وزوال الكيان الغاصب.

وبعد هزيمة يوليوز 2006 اكتشف العالم أن قوة تنظيم المقاومة وإحكام حركتها تصوريا وميدانيا حقيقة قائمة وممتدة في كل جسم الأمة، وأن عمليات اغتيال قياداتها لم تكن ذات نتيجة ميدانية، اللهم ما يشعر به من نشوة زعماء الكيان الصهيوني عند اغتيال هذا القيادي أو ذاك.

بعد تلك الهزيمة التاريخية والاستراتيجية كان لزاما على الكيان الصهيوني أن يقوم بعملية تنفيس؛ فقدم خدمات جمة وضغوط شتى ليحصل على بعض المعلومات الأمنية من طرف بعض الأنظمة العربية حول قيادي ميداني خارج وطنه ليقوم باغتياله؛ أي القيادي العسكري الفلسطيني اللبناني عماد مغنية.

نعم كان فقدان مغنية ضربة موجعة للمقاومة عموما ولحزب الله خصوصا ، لكنها غير مؤثرة لا ميدانيا ولا استراتيجيا ولا سياسيا ولا عسكريا.

في هذه اللحظة ستنعي المقاومة هذا الشهيد المقاوم، وسيخرج حسن نصر الله ليؤكد للكيان الصهيوني أن باغتياله مغنية خارج أرض المعركة فتح المواجهة كذلك خارج أرض المعركة.

نصر الله معروف بوضوح مواقفه ودقة انتباهه لأبعادها وآثارها، إذ لا يصرح إلا بما تقتضيه الضرورة أو الحاجة التي تنزل منزلة الضرورة، مع الوعي الدقيق بكل حمولة التصريح أو الخطاب.

فقد لوحظ قبل حرب يوليوز 2006 انتقال خطاب حزب الله من المعنى الحزبي المقاوم إلى معنى المشروع العام المقاوم، وأصبح حسن نصر الله يلمح ويوضح في مناسبات عديدة نموذجية تجربة المقاومة الإسلامية في لبنان وعن دعوته الأمة لتبني خط المقاومة الشاملة.

لقد كانت اللحظة التاريخية مناسبة لذلك، حيث غزو العراق واحتلاله وظهور مفهوم الشرق الأوسط الكبير وتنامي المد المقاوم، كما تبين أن لحظة النزال بين مشروع المقاومة ومشروع الاحتلال قادمة ميدانيا؛ فكانت مناسبة اختطاف الجنديين “الإسرائليين” لفتح هذه المعركة مباشرة من خلال حرب يوليوز 2006، مما أدى إلى إفشال مشروع الشرق الأوسط الكبير ومخطط الفوضى البناءة وبروز البعد العام لمشروع المقاومة.

لا ننسى أن حرب يوليوز 2006 أخرجت قطاع غزة من حرب شاملة مدمرة بواسطة الآلة العسكرية الصهيونية، وأعطت متنفسا للمقاومة الفلسطينية لتستعد لمعركة قادمة وشاملة على الرغم من ظروف الحصار القاهرة.

بعد هزيمة الكيان الصهيوني في يوليوز 2006 ودخوله في تيه سياسي وعسكري داخلي، وفشل المشروع الأمريكي الصهيوني الصليبي الاستعماري في إقبار المقاومة في المنطقة وإحكام قبضته عليها، وحسم حزب الله معطيات ميدانية في لبنان، ولو عبر عملية جراحية مناسبة في مستشفى عسكري (المقصود هنا أحداث لبنان التي توجت باتفاق الدوحة)، مما أدى إلى الحفاظ على الكيان اللبناني، وهو شرط حاسم في الحفاظ على اتجاه المقاومة ووحدة صفها، بعد كل هذا سيحرر حزب الله جميع الأسرى اللبنانيين وبعض الأسرى العرب ويبقي الباب مفتوحا اتجاه الأسرى الفلسطينيين ليقف منتصب القامة معنويا وخبرة وتسلحا وتمددا جماهيريا حتى خارج لبنان، كما سيظهر أنه يتوفر على قوة عسكرية ومعنوية بإمكانها في أية لحظة أن تمارس آثارها، بشكل من الأشكال، خارج الأرض اللبنانية في إطار تحقيق مقاصد مشروع المقاومة.

إن حزب الله الآن على خطوات دقيقة لإنجاز مقدمات عملية محورية واستراتيجية لمعادلة جديدة في المنطقة، إذ من العبث عدم استثمار هزيمة يوليوز 2006 مرحليا واستراتيجيا، وهو حريص في خطابه الإعلامي والسياسي على صناعة نوع من العلاقة التصاعدية بين معركة جنوب لبنان ومعركة غزة.

لقد اقتنعت قيادة حزب الله أن تجربة إعمال جهود مضنية لاغتيال قيادات صهيونية ليست ذات فائدة كبيرة، لأن المعركة تجاوزت مرحلة عمل الرموز الشخصية إلى مرحلة تصادم مشاريع لها أطرها المادية والجغرافية والبشرية والعسكرية واللوجستيكية والقيمية؛ إنها قضية تصادم مشروعين كبيرين في لحظة تاريخية معينة، وأن الذهاب بالجهود إلى عمليات جزئية يشكل مضيعة كبيرة.

كما أن هذه اللحظة التاريخية لا تقبل ردة فعل من طرف حزب الله بعملية هنا أو هناك أيا كان حجم خسائر الكيان الصهيوني فيها البشرية والمادية، ويجب أن تكون مثل هذه العمليات في سياق عمل استراتيجي متكامل لأن ثمنها سيكون باهظا، والمثال على ذلك عملية احتجاز الجنود “الإسرائيليين” التي أدت إلى حرب يوليوز 2006، وتدمير لبنان حيث إذا نظر إليها من هذه الزاوية فستكون فاقدة القيمة، ولكن إذا نظر إليها في إطار بناء حركة مشروع المقاومة الشاملة فستكون عملية بالغة الأهمية.

هنا، وفضلا عن المبدأ العقدي لحزب الله تجاه القضية الفلسطينية، وهو كاف ليجعلها قضية مركزية في حركته العامة، ستكون هذه القضية محور نزال المشروعين.

فقد خرج الكيان الصهيوني من لبنان عسكريا، وعلى الأقل سيحجم ما بقي من وجوده على إشكال مختلفة إلى المدى الضعيف جدا، وسيخرج من مزارع شبعا، وسيغادر مضطرا هضبة الجولان السورية في لحظة ما، لكنه لن يغادر فلسطين والقدس هكذا، وقد تطلع في لحظات قيادات صهيونية تعيد حلم إسرائيل الكبرى عمليا، وتربك من خلال عمليات عسكرية كبيرة كل معادلات المنطقة ما لم يحدث توازن الرعب والردع في مرحلة ما ثم الحسم في مرحلة أخرى لصالح مشروع المقاومة.

ولذلك، سيكون حزب الله في هذه المرحلة من حيث هو قوة وخبرة بشكل تلقائي على واقع الانتقال إلى الدعم المباشر لباقي أطراف المقاومة في الوطن العربي المؤهلة لذلك، وفي هذه اللحظة لن تكون إلا المقاومة في فلسطين وبالضبط حركة حماس. بل قد ينتقل في إطار عملية تنسيق كبرى مع باقي قوى الممانعة والمقاومة إلى إنجاز عمليات هامة استراتيجية سياسية وفكرية وعسكرية لدفع الكيان الصهيوني إلى أبعد مستويات الهزيمة حين تكون المناسبة مؤهلة؛ فشعار “إسرائيل إلى زوال” لم يرفع في هذه المرحلة عبثا، لأن الذي رفعه ليس زعيما عسكريا منتشيا بأريكته الرئاسية، بل الذي رفعه مشروع مقاوم.

نخلص من كل هذا، إلى أن الرد على عملية اغتيال عماد مغنية، لن يكون عملية منفردة هنا أو هناك، بل سيكون بالانتقال بمشروع المقاومة من حيز حزبي إلى حيز حركة نهضة كبرى، ومن حيز جغرافي قطري إلى مجال جغرافي يؤدي في مرحلة أولى إلى تقويض الكيان الصهيوني استثمارا لانتصارات المقاومة في فلسطين ولبنان، وفي مرحلة ثانية إلى زوال الكيان الصهيوني نهائيا.

إننا أمام وعي استراتيجي بطبيعة المرحلة في مقاومة وجود الكيان الصهيوني الغاصب لأرض المسلمين، وأمام الوعي بطبيعة النزال الذي تقتضيه هذه المرحلة.

نعم، إن حزب الله ملزم منطقيا بالتقدير الدقيق لظروف الداخل اللبناني، ولكنه سيكون جاهزا في اللحظة المناسبة لإنجاز المهمة التي يؤهل لها نفسه تجاه القضية الفلسطينية.

فليس دعمه للمقاومة الفلسطينية اليوم، وخاصة حماس، من باب الدفاع عن نفسه فقط، كما تذهب إلى ذلك بعض التحاليل، ولكنه وعي بضرورة الانتقال بمشروع المقاومة إلى مرحلة بناء فضاء متكامل يمكن من التموقع القوي لحركة المقاومة اتجاه المشروع الصهيوني الصليبي الاستعماري التوسعي في المنطقة.

وهنا يطرح السؤال الكبير على جميع قوى المقاومة والممانعة في البلاد العربية والإسلامية: ماذا هي فاعلة في هذا الاتجاه الذي لن ينتظر أحدا حيث حزب الله حريص على أن تنخرط فيه جميع القوى الحية؟ وما علاقة هذا بالمذهب الشيعي الذي من وراء دافعية حزب الله أساسا؟ أي كيف يمكن أن تدبر قوى الممانعة والمقاومة وتدير هذه المرحلة الكلية من تاريخ المسلمين وأمة الإسلام دون السقوط في منطق الطائفية والمذهبية على أساس من الوضوح المستقبلي؟

إن هذا الوضوح من طرف حزب الله، الذي يعلم إمكاناته وقدراته الحقيقية ومدى الزحف الذي يمكن أن يحققه بها في أية لحظة مناسبة، يكشف عن عمق استراتيجيته تجاه الوطن العربي عموما، ودول الشرق الأوسط خصوصا، دون أن نغفل أن في السنوات الأخيرة انتقل حزب الله في خطابه الإعلامي والسياسي والفكري إلى مستوى كبير في التعريف بمرجعيته المذهبية.

إن من حق كل واحد أن يدافع ويدعو إلى ما يعتقد، لكن كيف تخرج قوى المقاومة والممانعة من هذه المرحلة، التي يريد فيها المشروع الصهيوني أن تكون الصراعات الطائفية والمذهبية عامل تمزق وتقاتل، لتنجز أعمالا كبرى تكرس خط التحرر الشامل من قبضة الاستعمار ميدانيا وعسكريا وثقافيا وتربويا وماليا واقتصاديا؟

إن الواقع أن حزب الله حقق على أرض الواقع أرضية فكرية وسياسية وثقافية وإعلامية وعسكرية هائلة وهو حريص على الرفع من وثيرة تأثيرها في الوطن العربي والإسلامي، وينبغي أن يؤخذ بعين الاعتبار هذا الانجاز ضمن استراتيجية الصراع الكلي ضد الاستبداد والاستعمار والتبعية وفق وعي دقيق بالمرحلة وبمطالبها. أي أن اللحظة المعيشة إما أن تحصل صناعة واقع عام يؤسس لوعي متكامل وحركة قوية وواعية في اتجاه استكمال نهضة الأمة وتحقيق حريتها.

ب-قوة المقاومة في فلسطين.

من قدر المقاومة في فلسطين أن تكون من حيث المعنى العسكري للجغرافيا معزولة ومحاطة بأنظمة سياسية عربية أقل ما يقال عنها أنها متخاذلة إن لم تكن عميلة، ومن قدرها أن يُخترق الكيان الفلسطيني اختراقا حادا أدى إلى انشطار عمودي وأفقي للجسم الفلسطيني لم تستطع فصائل المقاومة الحسم معه لظروف تاريخية ليس هنا مجال بحثها.

ولعل كل من لاموا حماس على ما قامت به ، وإن أدى إلى وضع فلسطيني غير سليم جغرافيا، لكنه مناسب عسكريا لتطوير جسم المقاومة بشريا وماديا وتسليحيا، سيكتشفون أن تلك العملية كانت حاسمة بالمعنى الاستراتيجي والعسكري بعد حين على خط المقاومة للكيان الصهيوني وتقويض حركته.

لقد مكن هذا الوضع الجغرافي للمقاومة من استعمال حيز جغرافي تنطلق منه في ظروف أصبح فيها الانشطار الداخلي الفلسطيني قبل الحسم العسكري عامل إفشال مشروع المقاومة، بل قد يؤدي إلى إقبارها.

ولعل ما نراه اليوم من تسرع الكيان الصهيوني لخوض معركة كبيرة مع حماس وباقي فصائل المقاومة في قطاع غزة، وهو لم يخرج بعد من تبعات هزيمة يوليوز 2006، ناتج عن إدراك قيادة الكيان أن الوقت ليس في صالح الكيان الصهيوني لترك حماس تتقوى في مجال جغرافي رغم الحصار الخانق.

إن احتفال حماس بذكراها 21 في ظروف الحصار القاتلة بشكل استوعب أكثر من 350000 شاب وشابة، مع ما أصبح يرشح من تنظيم صفوفها التنظيمية والقتالية والعسكرية واستيعابها الواضح لكثير من فعاليات المقاومة مع قيام كثير من الفصائل المسلحة بنفس العمل بنسب متفاوتة وقيام هذه الأخيرة بعمليات عسكرية بالصواريخ وإنجاز عمليات ميدانية بالإضافة إلى ما تعيشه الأراضي المعروفة ب48 من شبه انتفاضة في كثير من المناطق مع قيام شبان في القدس بعليات نوعية؛ كعمليات الجرافات وغيرها، إن كل هذا يشير حتما إلى تنامي قوة المقاومة الفلسطينية، خاصة ذات التوجه الإسلامي، وهو ما يجعل الكيان الصهيوني في وضعية غير مسبوقة أمام المقاومة الفلسطينية. فخياراته تجاه قطاع غزة محدودة، والرهان على الحصار غير كاف، بل زاد من قوة حماس، ولذلك كانت ضرورة خوض معركة غزة.

لقد استطاعت حماس، في ظروف قاسية، أن تصبح قوة الشعب الفلسطيني الضاربة، وجناحها العسكري (كتائب القسام) رمح المقاومة الفلسطينية.

وإذا تم جمع هذا مع عملها السياسي والاجتماعي الكبير ومع قوتها الدبلوماسية الخارجية في أهم محاور الوطن العربي والإسلامي والأوربي يتبين أن خط المقاومة الصلبة التي تؤمن بزوال “إسرائيل” هو صاحب الحظ من داخل فلسطين وخارجها. وهو ما يشكل رعبا حقيقا للكيان الصهيوني.

إن قوة حماس اليوم، على الرغم من اغتيال كثير من قادتها التاريخيين والميدانيين، يجعل الكيان الصهيوني في معركة داخل فلسطين لم تعد ترتبط بأشخاص يكفي اغتيالهم، لكنها تعبير عن لحظة تاريخية معينة من الصراع مع الأمة ورجالها. ولذلك، ستصبح حماس، وخط المقاومة عموما في فلسطين في وضع يخولها الانتقال إلى مرحلة جديدة في التعاطي مع الكيان الصهيوني عسكريا وفكريا ومعنويا مهما كانت الظروف.

لقد أقدم الصهيوني على مغامرة اكتساح قطاع غزة وسينجز مجازر مروعة في المدنيين، مضافة إلى جرائمه القديمة، سيدفع بالوضع إلى اتجاه يفرض على المقاومة توظيف كفايات نوعية بشريا وعسكريا وتكتيكيا لتوجيه ضربات تنسجم مع المرحلة التاريخية التي عليها واقع الصراع مع الكيان الصهيوني. وهنا سيكون حزب الله في موقف طبيعي وتلقائي، والمقاومات الشعبية عموما، يقتضي تقويض وجود الكيان الصهيوني إلى أبعد الحدود بالدعم المباشر للمقاومة الفلسطينية التي تتصاعد قوتها بشكل كبير في الداخل والخارج.

إن شخصية ليفني التي تظهر بمظهر الهادئة سياسيا، والمغرورة قياديا، والمتعصبة عقديا، ومهما كان الدعم الأمريكي الذي قهرته المقاومة في العراق وأفغانستان وأنهكته الأزمات الداخلية، لن تنجز أكثر مما أنجزه أولمرت في لبنان، بل قد تكون فترة ليفني أسوأ لحظة من تاريخ الكيان الصهيوني وباب زواله بعد أن كانت كولدا مايير أهم رموز تثبيت وجوده.

إن المقاومة الفلسطينية اليوم، وعلى الرغم من الحصار، في موقع متقدم جدا يسمح لها بالهجوم على معاقل العدو في اللحظات المناسبة، وعلى الأقل يخولها الرد الرادع وصناعة توازن الرعب الذي لم يمتلكه الفلسطينيون أبدا.

لقد أثبتت الأيام التي مرت على المقاومة في غزة في معركتها الحالية، رغم تواضع إمكاناتها العسكرية أمام ترسانة الكيان الصهيوني، أنها (أي المقاومة) في مرحلة من التجدر والكفاية بما يخولها إلحاق الهزيمة المرحلية بالكيان الصهيوني والانتقال إلى مرحلة جديدة في التعاطي مع وجوده.

وهنا سيكون دور قوى المقاومة والممانعة في البلاد العربية والإسلامية هاما ويضطر إلى ضرورة الأخذ بعين الاعتبار واقع الصراع في فلسطين ليجد مكانه في تقدير طبيعة التدافع السياسي المحلي.

ت-الظهر السوري والإيراني.

-الظهر السوري.

ليس هناك من خيار لسوريا إلا دعم المقاومة في لبنان وفلسطين، لأن حماية المقاومة من حمايتها، وليس هذا منطق انتهازي، بقدر ما هو قدر سوريا لتبقى حرة، ولكن الوضع الإقليمي والداخلي لسوريا يضطرها لتغليب الجانب الدبلوماسي على الجانب العسكري المباشر، وقد تلتجئ إلى مفاوضات وسيطة أو مباشرة مع الكيان الصهيوني حول الجولان، ولكن إذا وجدت نفسها في وضع يضطرها لتدخل المعركة عسكريا مع ضمان النتائج فلن تتردد.

هذه سوريا التي تحتاج إلى عملية تغيير كبرى داخليا تتيح للمقاومة الإسلامية التموقع المناسب في الحياة السياسية والعسكرية السورية، ولكن في جميع الأحوال ومن حظ المقاومة لن تكون سوريا اليوم إلا في خندق المقاومة؛ فهي واعية بضرورة التحالف المصيري مع خيار المقاومة وتقديم الدعم المناسب لها في جميع الأحوال حتى ولو دخلت في مفاوضات مباشرة مع الكيان الصهيوني لعدم ثقتها به ولتجربتها الطويلة معه في الباب.

-الظهر الإيراني.

بعد تخلي إيران عن فكرة تصدير الثورة وبناء تنظيمات في دول عربية وإسلامية لهذا الغرض، ونظرا لمحورية القضية الفلسطينية لدى إيران من وجهة عقيدية، ونظرا لوعي القيادة الإيرانية بموقع القضية الفلسطينية في الصراع مع الكيان الصهيوني ضمن الصراع مع المشروع الاستكباري بقيادة أمريكا أو غيرها، فإن القيادة الإيرانية انتبهت إلى أن فتح واجهة الصراع مع الأنظمة العربية، بما هي حاجب وقامع للشعوب من أن تخوض المعركة الحقيقية والشاملة من أجل التحرر الكامل، لن يفضي إلى أية نتيجة، بل قد يؤدي إلى نتائج عكسية. ولذلك فقد تبنت القيادة الإيرانية فكرة محورية جديدة واشتغلت عليها منذ مدة، تتكون من محورين:

الأول: المحور الدبلوماسي اتجاه الدولة العربية عموما والخليجية خصوصا. وقد دشنته بامتياز في مناسبات عديدة على الرغم من بساطة نتائجه.

الثاني: محور الصراع مع الكيان الصهيوني. وهو أن حسم الصراع مع هذا الكيان يعني نتيجتين حتميتين: انهيار القبضة الغربية الاستكبارية على المنطقة ونهاية الأنظمة العربية لأنها جملة مرتبطة ببقاء الكيان الصهيوني كقوة ضاربة في المنطقة.

فتصريحات أحمدي نجاد وخامنئي بحتمية زوال إسرائيل وتكرار نفس الخطاب من لدن قيادة حزب الله في لبنان خيار استراتيجي يؤسس لنوعية جديدة في الصراع.

ولذلك فإيران اليوم لا تطلب من حركات التغيير مباشرة الصراع مع أنظمتها السياسية المحلية، فذلك ربما لن يجني إلا عراقيل لها، حسب التصور الإيراني، ولكنها إذ تُعارض، أي الحركات التغييرية خاصة ذات التوجه الإسلامي، شعبيا وسياسيا فالمطلوب منها مرحليا تصعيد الصراع مع الكيان الصهيوني من خلال الدعم المباشر، شعبيا، والكامل للمقاومة على مواقع التماس مع الكيان الصهيوني. وتريد إيران أن يكون حزب الله هو رمح هذه المعركة مع الكيان الصهيوني، لذلك في الوقت الذي تقدم دعما كاملا لحزب الله، فإنها في الغالب تكتفي بالدعم الإعلامي والسياسي لحماس.

فمن وجهة نظر القيادة الإيرانية، وهذا فيه شبه إجماع لدى النخبة الإيرانية، لا ينبغي أن تُدجن الحركات التغييرية نفسها من خلال الاندماج الكامل مع أنظمة سياسية قمعية واستبدادية موالية في الغالب للغرب، كما لا ينبغي أن تدخل مع أنظمتها السياسية في مواجهة للحسم لأن في ذلك ثمن باهض، ربما يكون حربا داخلية مدمرة، لكن على هذه الحركات أن تتغلغل شعبيا وتقاوم سياسيا، وتدعم المقاومة في خط التماس التي تواجه مباشرة الكيان الصهيوني لأن بزواله تزول هذه الأنظمة حتما حيث ستصبح ضعيفة إلى حد لا يخولها مقاومة شعوبها وقمعها، وفي نفس الوقت ستنهار القبضة الاستكبارية على المنطقة. وبهذا يمكن تفسير تصعيد إيران وحزب الله لهجته الهجومية على النظام المصري بما أن مصر من أهم دول الطوق التي تعني جذرية موقفها من الكيان الصهيوني إضافة نوعية وحاسمة في الصراع معه.

إن هذا السياق هو الذي يحكم اليوم خطاب حزب الله اللبناني، وهو الذي يسعى إلى إقناع جميع قوى المقاومة به، ولذلك سيدخل مباشرة على الخط مع المقاومة الفلسطينية بأي شكل من الأشكال بعد أن اغتالت “إسرائيل” القيادي عماد مغنية، كما سيغير من أسلوب تعاطيه مع حماس حيث أصبح واضحا في خطاباته الأخيرة وخاصة خلال أيام الحرب الحالية أنه يؤشر على نوع من الدعم المباشر.

ومن هنا، فإن خط المقاومة والممانعة في العالمين العربي والإسلامي سيعرف طفرة نوعية وهامة إذا أحكم منهجية التعاطي مع المرحلة المعيشة اليوم في الصراع مع الكيان الصهيوني، وملك الكفاية العالية في إدارة أبعاد ذلك محليا وإقليميا ودوليا.

إن منطقة الشرق الأوسط على أبواب مرحلة جديدة بدت معالمها إيجابية اتجاه القضية الفلسطينية، ولكن آثارها على الوضع العربي والإسلامي رهين بمدى تحكم قوى المعارضة المحلية في إدارتها (أي هذه الآثار).

والأيام والشهور القابلة ستفرز معطيات هامة تقتضي الرؤية الاستراتيجية والمستقبلية الانتباه إليها وأخذها بعين الاعتبار.

ج-الظهر الشعبي.

مما أصبحت تتميز به المقاومة في فلسطين ولبنان هو تحولها إلى مشروع متكامل، وأكثر من ذلك أنه محتضن بوعي تام من طرف الشعبين الفلسطيني واللبناني.

ومما تكرس بشكل كبير اليوم أن إنجازات هذه المقاومة جعلت الشعوب العربية والإسلامية متفاعلة معها بعاطفة كبيرة ومتضامنة معها بشكل كلي، وهو ما يجعل قيادات حركات التغيير والمقاومة والممانعة في صفوف هذه الشعوب تحت مسؤولية عظمية، إذ من الواجب عليها أن لا تترك هذا التعاطف العملي الهام مجرد نواح في مهب الريح، بل عليها أن تجعل منه لبنة فوق لبنة في إطار استراتيجية واضحة ومتكاملة وعامة تجمع كل القوى الحية على خط بناء التحرير والحرية لهذه الشعوب في تكامل وتناغم واع مع حجم التضحيات والإنجازات التي تحققها المقاومة في فلسطين ولبنان.

فلا ينبغي أن تضيع تضحيات جنود المقاومة ورجالها وأشلاء الأطفال وصرخات النساء وبكاء العجزة سدى، وصيحات الشعوب هدرا.

فليس المهم اليوم هو إخراج الشعوب لإعلان تضامنها مع المقاومة ودعمها بما تستطيع من معونات فقط، لكن المرحلة تقتضي وجوبا الانتقال بحركة الشعوب هذه إلى مستوى من الوعي والانخراط في مشروع التحرر من التبعية والاستبداد وفق وعي استراتيجي يوفر كفاءة هائلة في إدارة هذه العملية نظرا لدقتها ولأبعادها.

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.