بين الفهم المادّي المنكر للغيب والفهم الحرفي للنّصوص المعرض عمّا يحدثه الله تعالى في الكون، يوجد المنهج الإسلامي الوسط المتحقّقة فيه معاني قول الله عزّ وجلّوكذلك جعلناكم أمّة وسطا لتكونوا شهداء على النّاس ويكون الرّسول عليكم شهيداالمنهج الذي يزاوج – بل يوازن – بين قراءة آيات الله في الكتاب وآيات الله في الآفاق والأنفس.

ولعلّ موضوع العدل من المواضيع الخطيرة والهامّة الّتي لطالما طالها عسف الفهمين المتطرّفين سالفي الذّكر. وإذا كان العدل مطلبا كونيا – تكاد تجمع على ضرورته الأديان والفلسفات الوضعية وحتّى بعض النّزعات العبثية – فإنّنا حين ننصت للقرآن الكريم ونتذوّق هدي سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم نكتشف أنّ أبعادا عميقة ودقيقة للموضوع غيّبت عن التّناول حتّى وصل بنا الأمر إلى خطاب صارخ يعتبر الدّعاة المربّين وعلماء الشريعة غير معنيّين بالشّأن العامّ.

ففي رسالة الله عزّ وجلّ للإنسان دعوة متكرّرة إلى إقامة العدل وتأكيد متواصل على خطورة الظلم الّذي هو نقيض العدل..

1- فريضة شاملة

قول الله عزّ وجلّ سبحانهإِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَيفيد أنّ إقامة العدل في الأرض فريضة. ولم يخصّص الله تعالى – في أمره النّاس بالعدل – مجالا دون مجال آخر، فلم يقل سبحانه إنّ الله يأمر بالعدل في الأرزاق المادّية فقط أو إنّ الله يأمر الفرد وحده أن يكون عادلا ولا حاجة لتعاون الناس بينهم على إقامة العدل في مجتمعهم، أو إنّ الله يأمر أولي الأمر من المسلمين فقط أن يكونوا عادلين، بل ترك سبحانه الأمر بالعدل منسحبا على كلّ أعمال النّاس فردية كانت أو أسرية أو مجتمعية أو كونية. وإلى هذا أشار أحد كبار صحابة سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: فقد أخرج الإمام الطبراني بسند صحيح عن الشعبي قال جلس مسروق وشتير بن شكل في مسجد الأعظم فرآهما ناس فتحوّلوا إليهما، فقال مسروق لشتير: إنّما تحوّل إلينا هؤلاء لنحدّثهم، فإمّا أن تحدّث وأصدّقك وإمّا أن أحدّث وتصدّقني، فقال مسروق: حدّث أصدّقك. قال شتير: حدّثنا عبد الله بن مسعود أنّ أعظم آية في كتاب الله “الله لا إله إلا هو الحي القيوم” إلى آخر الآية … فقال مسروق: صدقت.

حدّثنا عبد الله أن أجمع آية في كتاب اللهإنّ الله يأمر بالعدل والإحسانإلى آخر الآية – قال مسروق صدقت -. وحدّثنا أنّ أكثر أو أكبر آية في كتاب الله فرحا “يا عبادي الّذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ” إلى آخر الآية فقال مسروق صدقت. وحدّثنا أن أشدّ آية في كتاب الله تفويضاومن يتّق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسبإلى آخر الآية فقال مسروق صدقت.

لتفصيل الأمر ومحاولة إسقاطه على ما يعنينا في الزّمن الّذي اختاره الله تعالى لنا لنستعدّ فيه لآخرتنا، نحتاج إلى قرآن آخر يمشي على الأرض هو سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم الّذي حفظ علماء الحديث والسّيرة – رضي الله عنهم – لنا أعماله وأقواله وتقريراته، وحفظ لنا المتّصفون بأحواله المتّبعون له – من العلماء العمّال بالعلم الّذين لا يخلو منهم عصر بفضل الله عزّ وجلّ وضمانته سبحانه – حفظوا لنا النّموذج العملي المشاهد والملموس والمحسوس لما دعا إليه صلّى الله عليه وآله وسلّم.

2- عدل كلُّفنا به وعدل كُفيناه

في القرآن الكريم نجد ثنائية دائمة الحضور: ما أمر الله عزّ وجلّ الإنسان به وترك له حرية القبول أو الرّفض، وما تكفّل الله به فهو واقع لا محالة أحبّ من أحبّ وكره من كره.

من ذلك مثلا إلحاح القرآن الكريم على أنّ الإنسان مكلّف ما دام في دار الدّنيا بإقامة الصّلاة، أن يسعى ويتعب ويبذل الجهد والوقت ليكون من المصلّين، وهو تجاه هذا الأمر حرّ قد يستجيب وقد لا يستجيب، نقرأ مثلا إخبار الله عزّ وجلّلم نك من المصلّين. بالمقابل يطمئن كتاب الله الإنسان المختبر في الدنيا على رزقه، ويقول إنّ رزقك أيّها الإنسان بالغك تكفّل به مولاك سبحانه، وسيصلك حتّى لو فررت منه، ولن تموت حتّى تستوفي آخر ذرّة منه، فقط من باب التّأدّب مع الله عزّ وجلّ عليك أن تأتي الأسباب الأرضية ببساطة واعتدال وأنت مطمئنّ راض. إنّها ثنائية الأمر الشّرعي والأمر الكوني. إقامة الصّلاة أمر شرعي وتقسيم الأرزاق أمر كوني. الأمر الكوني واقع لا محالة والأمر الشّرعي متروك أمر تحقيقه للإنسانوَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَاۖ لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًاۖ نَحْنُ نَرْزُقُكَۗ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ.

نسجا على هذا المنوال، نرى بتدبّرنا كتاب الله أنّ التعاون على إقامة العدل في الأرض فريضة شرعية (أمر شرعي)، الإنسان مأمور بأدائها ومن شأن إهمال هذه الفريضة أن يحدث الاضطراب في المجتمع مع العقاب الشّديد بعد الموت لمن فرّط فيها وهو عليم بفرضيتها. بينما العدل المطلق أمر كوني، واقع لا محالة، جزء منه تشهده الدّار الدنيا وجزء منه يقع في الآخرة، لنقرأ مثلا قول الله سبحانهوَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ.

3- ضمانات قرآنية

الرَّحْمَٰنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ. نعمة تعليم الإنسان القرآن – أي نقل القرآن من حيّز المجهولات إلى حيّز المعلومات – ونعمة خلق الإنسان وجعله قادرا على التعبير عن أفكاره ومشاعره، ونعمة خلق الكواكب والنباتات المسخّرة لنفع هذا الإنسان، ونعمة تمكين الإنسان من التّمييز بعقله بين العدل والظلم، كلّ هذه النّعم أسبغها الرّحمن سبحانه على الإنسان وطلب إليه شيئا واحدا: أن يكون عادلا مقسطا ولم يكرهه على ذلك ما دام في دار الاختبار الفانيةوأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان. وقوله عزّ وجلّوأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزانفيه بشارة عظيمة تشحذ همّة المتدبّر وتعطيه دافعا قويّا: أيّها الإنسان إنّك قادر على أن تكون عادلا مقسطا… أنا الرّحمن الّذي علّمت القرآن، الّذي خلقت الإنسان فردا وجماعة وصنفا، الّذي خلقت كلّ ما قد يعظم في عينك، أقول لك كن عادلا مقسطا، فهل تخامرك ذرّة شكّ في قدرتك على أن تكون كذلك وأنا أعلم بك من نفسك؟ هل يمكن أن آمرك بشيء لا تقدر عليه؟ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيد. أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ. ثمّ تنبعث الأسئلة في الذّهن نتيجة طبيعية لما تصوّره الأنفس الخسّيسة وشياطين الإنس والجنّ في الأبصار، خاصّة إن كان في الدّين رقّة وفي القلب قسوة من ذكر الله فيقول المعرض عن هدي ربّه: إنّ للوقوف في صفّ العدل ثمنا باهظا لعلّي عاجز عن أدائه.. مخاصمة الباطل والانتصار للعدل – وإن خلا من العنف – قد يجنيان عليّ البلايا والويلات وأنا ليست لي قوّة الأنبياء وصبرهم ولا همّة الصّادقين وجلدهم والله أمرني أن لا ألقي بيدي إلى التّهلكة.. الباطل أوتي أسباب القوّة وأصناف المكر ووسائل التّضييق… فينبعث صوت القرآن قويّا مدويّا قاتلا كلّ شكّ وريبلَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِۖ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّۚ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انْفِصَامَ لَهَاۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ… وضوحك في مخاصمتك الباطل وكفرك بالطاغوت وإيمانك بالله ربّا واحدا فردا صمدا هو أقوى حبل تتعلّق به لا ينقطع ولا يضعف، تعلّق به ولا تخش شيئا فأنا – الخالق الرّازق – أطمئنك وسأكون سامعا شاهدا على كلّ ما قد تلقاهوالله سميع عليم. يا عبدي الضّعيف المستجيب لندائي مرحبا بك في ديوان الصّالحين الكافرين بالطّاغوت المؤمنين باللهوَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ. هو يتولّى تأمين طريقهم إلى القبر حتّى يلقوه وهم مؤمنون به ثابتون على أمرهم بالعدل ونهيهم عن المنكر. وإن شئت سأريك آياتي في الآفاق وفي الأنفس، بين يديك قصص الأنبياء وسير الصّالحين المصلحين ورّاث رسول الله صلّى الله عليه وسلّممِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِۖ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا. هل رأيت كيف خاصموا الباطل وتحقّقوا بالعدل وأمروا به فلم يضرّهم كيد الناس شيئا، منهم من عاش عزيزا في نفسه وأهله ودنياه، محفوظا من كلّ ضرر رغم ما ركب من الخطوب وما أصابه من أذى، ومنهم من برز للبلاء وتحمّله وصبر عليه وثبّته الله عزّ وجلّ حتى ختم له بالشهادة فغفر له مع أوّل قطرة من دمه ونقل روحه في رمشة عين إلى حواصل الطير في الجنة. ثمّ تدبّر أحوال من داهنوا الخلق وخافوهم هل جنوا من ذلك غير الصّغار والذّل وهل وصلهم من الدّنيا غير ما كتب لهم؟ ثمّ كيف تحسب حالهم بعد الموت عندما تتقطّع بهم الأسباب ويكون القصاص بين الخلق والدّية الحسنات والقاضي ربّ العالمين سبحانه؟.

4- أمانة اجتماعية

لقد أنعم الله على الإنسان المعاصر بأن خلق رجالا ونساء أعطاهم ملكة الفهم والمثابرة على البحث والدّراسة مكّنتهم من دراسة المجتمعات بدقّة ومن سبر أسباب نشوء الحضارات والدول… حتى تشعّبت علوم التاريخ والاجتماع والسّياسة والاقتصاد إلى فروع ومدارس يستحيل على الفرد الواحد الإلمام بها… هكذا تسمع لقول ذي الثّقافة الواسعة العميقة في المجتمعات المتقدّمة صناعيا واقتصاديا فتقتنع أنّ المجتمعات لها قوانين دقيقة تضمن سلامتها وراحة أفرادها وإسهامهم في تحقيق الأهداف الكبرى لها وأنّ خرق هذه القوانين قرار نافذ بالتّراجع عن درجة الرّقي والتّحضّر المعيشين ليس إلاّ. من هذه القوانين – على سبيل المثال لا الحصر – أنّ الفرد الّذي يلمس أنّ قيمة حياِته وكرامِته غاليتان في مجتمعه ولا يحقّ لأحد الاعتداء عليهما، وأنّه إذا حدث وتجرّأ أحد على ذلك فالدّولة تحاكمه وتعاقبه، أنّ الفرد الّذي يلمس ذلك يكون حريصا على سلامة مجتمعه ومسهما في بنائه وتقويته. من تلك القوانين أيضا أنّ الفرد يجب أن ُينَشَّأَ تنشئة اجتماعية أي أن يربّى على نمط من العيش يعطيه توازنا في مجتمعه يمكّنه من قضاء أغراضه ومن أن يستفيد من وجوده في هذا المجتمع أكبر استفادة ممكنة. وإذا شئت اقرأ ما كتبه علماء التاريخ عن أسباب نشوء الحضارات وعن السّرّ الكامن وراء تمركز المدن العريقة في أمكنة لها مواصفات معيّنة إلى غير ذلك…

عندما نسقط الوحي المنزل من الاعتبار فإنّ فهمنا لنشوء المجتمعات والحضارات سيكون دون شكّ مطابقا لما نقرأ في الدّراسات العميقة الدّقيقة الّتي بيّنت أن حاجة الإنسان إلى الاجتماع طبيعة نفسية قبل أن تكون ضرورة تمليها مصالح الإنسان كالأمن والغذاء والصّنائع… سنردّد مع المثقّف المعاصر أنّ حياة الإنسان في سلام على الأرض وسعادته تقتضيان توفير العدل له وتربيته على هذه القيمة الرّاقية.. العدل مطلب ضروري لينشأ أطفال العالم في سلام ولترقى أذواق الناس وتسمو هممهم إلى معالي الأمور في كلّ المجالات.. لتكون المجتمعات قارئة نشيطة، منتجة في شتّى المجالات… وكفى…. ثمّ ماذا؟…ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (16)… خبر الآخرة الّذي في القرآن الكريم يقول إنّ الحكمة من نشوء المجتمع المسلم وتكوّنه هي التّعاون على الاستعداد لما بعد الموت… نعم نحرص على العدل والتّعليم والفنون والصّناعات والغذاء والتّنمية وكرامة الإنسان وغير ذلك حرصا شديدا لأنّ بها نستطيع أن نوفّر البيئة الّتي يستطيع فيها كلّ منّا أن يهيّئ مصيره الأخروي في ظروف أفضل… فالعدل فريضة خطيرة في المجتمع المسلم لارتباطها بالمصير الأخروي. المجتمع المفتقر للعدل يصعب فيه الاستعداد للآخرة.. هذا أمر مشاهد لا يستطيع أحد أن ينكره… لكنّ هذا المعنى تذوقته كثيرا في الأحاديث المخبرة عن الآخرة وعجبت كيف يغيب عن التّداول حتّى أيقنت أنّ تغييب بعد الآخرة عند طرح قضية العدل جناية على الأمّة تماثل جناية الفكر التّبسيطي المسطّح الّذي يدعو إلى ازدراء ما عند غير المسلمين من حكمة ظنّا منه أنّ الالتزام بالكتاب والسنّة يعني الخروج من التّاريخ والانغلاق على النّفس.