نعمة الله ذكرى والذّكرى تنفع المؤمنين

سيأتي زمان، وقد يكون قريبا إن شاء الله تعالى، ليعلم العالم الكثير من حقيقة سيدي محمّد العلوي السليماني، رحمه الله تعالى ورضي عنه.

كان هو، رحمه الله تعالى ورضي عنه، كرامة من الله. وكان، رحمه الله تعالى ورضي عنه، لا يحبّ أن يشغل الناس ولا أن يشتغل المؤمنون والمؤمنات بالحديث عن الكرامات والالتفات إليها والتّعلق بها. كان نبويا؛ فهو رحمه الله تعالى ورضي عنه يعلم علم اليقين ما فعل هذا النوع من السّلوك بالأمّة وكم كان بسببه من طريح وجريح وقتيل في الطريق إلى الله.

ولكن بما هو كرامة من الله ونعمة منه سبحانه علينا، ليست من قبيل تلك التي لا يحبّ الحديث عنها ولا حكايتها إلاّ لحكمة، وقد عاش الكثير منها، كان لزاما الحديث عن هذه الكرامة والبوح بهذه النّعمة لأنّها ببساطة نعمة عامّة.

كان، رحمه الله تعالى ورضي عنه، يحرّض المؤمنين والمؤمنات على التّعلق الدّائم بالله تعالى والتقرّب إليه سبحانه بالاتّباع الكامل لرسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم.

كان إذا قرئ القرآن بين يديه أو تلاه فاضت عيناه وبكى حتى تبتلّ لحيته، وإذا ذكر رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم، أو كلامه بين يديه بكى بكاء شديدا.

أمّا إذا أقبل عليه شابّ وحكى له رؤيا رأى فيها رسول الله، صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم، قبل أن يعبرها له تراه يحني رأسه إلى الأرض وتشخص عيناه إليها ويبكي بكاء، وغالبا مايقول: سبحانك ربّي ما أعظم شأنك.

أنّى للزّمان ولمثلي أن يحيط ببحر من العلم والمعرفة بالله تعالى.

سيدي محمّد العلوي السّليماني، رحمه الله تعالى ورضي عنه، لا يعرف قدره إلا الله سبحانه ورسوله ومن شاء من عباده.

ففي هذه الذّكرى نقف بإجلال وخشوع أمام لحظة الفراق لرجل أعطانا كلّ حياته، ويعلم من شهد اللّحظات الأخيرة من عمره من الحياة الدّنيا، رحمه الله تعالى ورضي عنه، أنّه وهو يفارقها بجسده الطّاهر بقي على العهد الّذي عاهد الله عليه ورسوله والمؤمنين: الدّعوة إلى الله والدّلالة عليه سبحانه والصّبر مع المؤمنين والصّبر عليهم وحمل همّ أمّة رسول الله الّتي كانت خير أمّة أخرجت للنّاس حتّى لقاء الله.

ففي ذروة مرضه إذا أتيحت فرصة طلب وألحّ أن يحمل حملا إلى مجالس المؤمنين، ومن عاده في مرضه يسأله عن أحواله وعن المؤمنين والمؤمنات بتفاصيل ربّما لا ينتبه إليها الأصحّاء.

ذلك العهد سيدي محمّد وذلك الوفاء منك، والعهد باق سيّدي. فنسأل الله جلّت عظمته أن نلحق بك، متى شاء المولى عزّ وجلّ، ونحن على العهد غير مبدّلين ولا مغيّرين. آمين.

إنّ العهد كان مسؤولا؛ فلا قعود لا قعود، ولا رجوع لا رجوع سيدي محمّد.

يا من كنت رحمة فينا ورحمة لنا في الدّنيا ونعمة الله علينا ستبقى بيننا حاضرا بروحك الطّاهرة، وبأعمالك الجليلة، وبصنيعك النّبوي فينا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

إيه، كم الحمل ثقيل سيّدي، والله المستعان، وعزاؤنا ما خلّفت من رجال جبال شامخات في زمن الغفلة والعجز. وليبقى الموعد الله.

عناية الله جلّ وعلا ورعاية سيدي محمّد

ستتناثر مقالات وكتابات كثيرة تتحدّث عن سيدي محمّد العلوي، رحمه الله تعالى ورضي عنه، لتظهر مناقبه العديدة، وهذه المقالة الشّهادة ستركّز إن شاء الله تعالى على موضوع خاصّ: رعاية سيدي محمّد للمعتقلين في السّجن.

بعد اعتقالنا بتاريخ 16/11/1991 بمرّاكش والحكم على بعضنا بسنتين وعلى واحد منّا بخمس سنوات سجنا نافذا، كان يومها إخواننا في مجلس الإرشاد رهن الاعتقال حيث يقضون حكما بسنتين نافذتين في سجن سلا، ساعتها كاتبنا الحبيب المرشد حفظه الله تعالى برسالة من ثلاث فقرات بخطّ يده الكريمة في صفحة واحدة.

فبعد السّلام، ذكّرنا الحبيب المرشد بأنّنا نؤدّي ثمن عدم خضوع الجماعة للضّغوط، إذ لمّا لم تقدّم الجماعة أيّة تنازلات بسبب ما تعرّضت له من ضغوط على مجلس الإرشاد، خلا اعتقاله، كان جواب النّظام حملة اعتقالات في كثير من مناطق المغرب.

ثمّ بعد ذلك قال حفظه الله تعالى، إنّ هذا حظّ التّحليل السياسي، أمّا حقيقة الأمر فهي أنّ الله تعالى اختارنا ليفرّغنا إليه، فأوصانا بكتاب الله تعالى والاعتكاف عليه حفظا وتلاوة وتدبّرا.

ثمّ دعا لنا حفظه الله تعالى.

كانت هذه الرّسالة نورا ومرشدا ومحفّزا، ومازالت، وسيصبح الأمر رعاية مباشرة في الباب عند خروج الأحباب في مجلس الإرشاد من السّجن وقدوم سيدي محمّد العلوي السليماني إلى مرّاكش؛ إذ حرص بعد خروجه من السّجن على زيارتنا في السّجن وتكثيف الزّيارة مرّة في الأسبوع أولا ثم مرّة أو مرّتين خلال نصف شهر مع متابعته الدّقيقة لكلّ أحوالنا وحياتنا السّجنية.

1. هديّة سيدي محمّد العلوي عند أوّل زيارة له لنا في السّجن

بعد أخذ وردّ مع السّلطات المعنية ووقوفه رحمه الله تعالى بنفسه على فرض زيارته لنا، كان اللّقاء، كانت اللّّحظة ولو من وراء القضبان مفعمة بالفرح والسرور حين التقت العيون مع حبيب لطالما اشتقنا إلى رؤيته والسّماع لنصائحه وتوجيهاته.

أخبرنا، رحمه الله تعالى ورضي عنه، بأنّ جميع الأحباب يسألون عنّا، وخاصّة الإخوة في مجلس الإرشاد والحبيب المرشد. وذكّرنا رحمه الله بأنّ ما نحن فيه منحة وليس محنة، فالله سبحانه وتعالى شاء أن يفرّغنا من كلّ ما يشغل عنه ليفردنا إليه سبحانه، فنصحنا بالإقبال الكلّي عليه سبحانه والاعتكاف على كتاب الله تعالى حفظا ومدارسة.

ولمّا انتهت أوّل زيارة، والّتي كانت قصيرة مع مراقبة السّجّانين لها، عدنا إلى زنازيننا نتداول في ما قاله لنا سيدي محمّد، وعند تفحّصنا ما أرسله لنا من المؤونة وجدنا مصحفا صغير الحجم جميل الطّباعة هدية لأحدنا، فكانت الإشارة واضحة.

كلّما زارنا، رحمه الله تعالى ورضي عنه، يسأل كلّ واحد منا عن حاله وأحواله وعن أهله وأقاربه.

وقد شدّ الرّحال إلى بيوت الأقارب والأهل، رحمه الله تعالى ورضي عنه، يواسيهم ويذكّرهم بالله تعالى.

كان يسأل عن كلّ ما يحتاجه كلّ واحد منّا حتّى لا يبقى مشغول البال ليصرف همّته لذكر الله تعالى وحفظ كتابه والدّراسة والمدارسة.

كان رحمه الله تعالى ورضي عنه، شديد الحرص على العلاقات الأخوية بين المؤمنين المعتقلين.

2. سؤال سيدي محمّد العلوي عن الغيب

ممّا كان يحرص عليه، رحمه الله تعالى ورضي عنه، أن يسأل كلّ واحد منّا عن القرآن الكريم، ولا يفتأ يذكّرنا بقصّة الحبيب المرشد مع مجلس الإرشاد لمّا زارهم في السّجن، إذ كان أوّل سؤال سألهم عن حالهم مع القرآن الكريم، فلمّا بلغه أن سيدي عبد الواحد المتوكل أتمّ حفظه ما كان منه إلاّ أن طلب منه أن يسمح له بتقبيل رأسه.

كما كان يسأل كلّ واحد منّا عمّا شاهده من الغيب: ويسأل رحمه الله تعالى بلغته اللّطيفة الرّحيمة المبتسمة: “احكي لينا آش شفتي من الغيب”. ويبشّر رحمه الله تعالى ورضي عنه ويدخل السّرور على القلب بكلامه كما أدخله عليه بمجرّد النّظرة.

ومع هذا كلّه كان يحدّثنا عن الحبيب المرشد وعن الجماعة وعن الأمّة وهمومها وما هو مطلوب من المؤمنين من واجب تجاهها. ويبيّن لنا نعمة الصّحبة وفضل الله علينا بها.

كان، رحمه الله تعالى ورضي عنه، جميل وشديد الاحتفال بالغيب ويطلب تدوين وكتابة ما يراه المؤمنون من رؤى.

كانت رعايته لنا وعنايته بنا داخل السّجن أمرا محيّرا لإدارة السّجن حتّى قال لنا مديره في جلسة حوار حول بعض المطالب: منذ السّبعينات وأنا موظّف بالسّجن ولم أر أيّة قيادة اعتنت بمعتقليها مثل ما تفعله معكم قيادتكم. خاصّة وأن في مناسبات عديدة زارنا فيها أحبّة من مجلس الإرشاد.

3. بعض مظاهر عناية سيدي محمّد العلوي

وقع في يوم أنّه لم تبعث إلينا مؤونة، فبلغه الأمر، وبلغنا بعد ذلك أنّه استدعى الإخوة الّذين كانوا معنيّين بإيصال المؤونة فعاتبهم، ومن بين ما قال لهم: إنّ مجرّد مشط يصل السّجين يدخل عليه السّرور.

رحمك الله سيدي، وجزاك عنّا وعن المسلمين خيرا. ما أرحمك، وما أشفقك!!!

إذا بلغه أنّ أحد الإخوة المعتقلين مريض يأتي ويسأل عنه وعن حاجاته.

كان يسأل، رحمه الله تعالى ورضي عنه، عن حاجات الإخوة المعتقلين الخاصّة ليلبّيها لهم كلّ واحد باسمه، ويجلس معنا أو مع بعضنا حتّى ينتهي وقت الزّيارة بالتمام والكمال.

ومن الحوادث الّتي لن أنساها أنّي كنت جالسا وإيّاه في زيارة، وجاءت امرأة تزور أحد أقاربها، لعلّه زوجها، ومعها ولدان صغيران، فلمّا جلست تنتظر قدوم زوجها صار ولداها يبكيان، فما كان من سيدي محمّد العلوي إلاّ أن نهض وربط عليهما وواساهما.

ويوم مغادرة آخر الإخوة المعتقلين العشرة للسّجن بقيت وحدي، حيث خرج الإخوة من المعتقل في الصّباح الباكر، وما كانت الّساعة العاشرة صباحا حتى زارني سيدي محمّد العلوي وقال لي: لمّا خرج جميع الإخوة من السّجن وبقيت وحدك ظننت أنّك “غدي تكون مقلّق”، ولكن الحمد لله وجدتك “ناشط”.

أحسن الله إليك سيّدي ووليّ نعمتي، فداك روحي سيّدي، اللّهمّ كما جمعتني معه في الدّنيا اجمعني معه في الآخرة. آمين.

4. 10 دجنبر 2000 وأيّام الاعتقال

في هذا التاريخ نظّمت الجماعة وقفة في كثير من مدن المغرب احتجاجا على الحصار المضروب عليها وعلى منع منابرها الإعلامية.

كان سيدي محمّد العلوي السّليماني أوّل من حضر بباب دكالة بمدينة مرّاكش بمشيته المعهودة: أنيقة ومتواضعة وقويّة: مشية أهل الحقّ لأجل الحقّ، لاحظت هذا وكرّرت المشاهدة للشّريط مرّات عديدة متأمّلا في تلك اللّقطة.

تمّت الإحاطة بسيدي محمّد من الأجهزة الأمنية وبدأ الرّفس والضّرب، وبدأ اعتقال الإخوة واقتيادهم إلى مخفر الشّرطة بمقاطعة جامع الفناء.

اعتقلتُ وبعض الإخوة قبل وصولنا إلى مكان الوقفة وقبل انطلاقتها، ثمّ بدأ إلحاق الأحبّة بنا فرادى وجماعات، لكنّ لحظة إحضار سيدي محمّد كانت لحظة خاصّة إذ تحول المكان إلى حال آخر لا أستطيع التّعبير عنه. رجل السّبعينات كلّه نور وعزيمة وقوّة وفتوّة يحضر مع عشرات الشّباب في مخفر ضيّق!!!!

في السّبعينات يقضي أكثر من خمس عشرة شهرا في درب مولاي الشّريف الرّهيب، وفي الثمانينات حصار واعتقالات ومداهمات ومتابعات، وفي التّسعينات أكثر من ذلك مع قضاء سنتين سجنا نافدا، وفي العشرية الأولى من القرن الواحد والعشرين نفس الأمر وزيادة في المضايقات، والرّجل مابدّل ولا غير، بل يقف متقدّما الشّباب في كلّ مناسبات ولحظات الوقوف مع الحقّ لأجل الحقّ.

بعد قضاء يوم كامل لإنجاز المحاضر من طرف الضّابطة القضائية يوم 10 دجنبر المذكور، تمّ إطلاق سراح جميع الإخوة والأخوات واحتفظ بتسعة عشر منهم على رأسهم سيدي محمّد العلوي رحمه الله تعالى ورضي عنه.

هؤلاء التّسعة عشر المحتفظ بهم سيوضعون أولا في قاعة مخصّصة للصّلاة، ثمّ في اليوم الموالي سيوضعون في مخفر ضيّق متّسخ متعفّن مع عدد كثير من معتقلي الحقّ العام. خاصّة بعد تقديمهم للوكيل وإرجاعهم قصد استكمال التّحقيق.

ما سألاحظه هو حرص سيدي محمّد على تفقّد الإخوة واحدا واحدا، يجمعنا للصّلاة ويذكّرنا بالله تعالى ويرفع هممنا.

كان قليل الكلام، وجيه النّصيحة، بالغ الملاحظة والتّوجيه يوقظنا لقيام الليل.

وقترح علينا اقتراحا تربويا هامّا وتعاهدنا عليه أن يدخل كلّ واحد منّا هؤلاء التّسعة عشر الذين جمعهم الله تعالى معه في هذه المناسبة في دعاء الرّابطة ويذكرهم بأسمائهم.

رحمك الله سيدي ورضي عنك، كنت من أعلم النّاس بمعنى الجماعة ومدى حاجة الأمّة إليها.

أوّل ما طلب سيدي محمّد من الإخوة أن يحضروا له مصحفه، فكان ذلك، ولكن ليس المهمّ هو حضور المصحف بل الاستفادة منه.

في مخفر الشّرطة وكذلك في مخفر المحكمة لاحظت ملاحظة، وهاهي اليوم شهادة للجميع: في هذه الظّروف من الاعتقال والوضع الاستثنائي من الانتظار، ومن المعلوم عند سجناء مرّاكش أنّ يوما في مخفر الشرطة يساوي ستّة أشهر في السّجن، في هذه الظّروف لم يفرّط سيدي محمّد في أوراده.

ومنها قراءة الورد القرآني، وقراءة القرآن، وخاصّة السّور والآيات الفاضلة.

لظروف صحّية بقيت وإيّاه في مكان في المخفر يسمح بشيء من التهوية، حيث تمّ إدخال باقي الإخوة المعتقلين إلى زنازن المخفر في انتظار الاستدعاء لدى الوكيل، لاحظت ساعتها أن سيدي محمّد بعد قراءته القرآن الكريم، يمرّ على السّورة والآية، حيث يقرأ واحدة ثمّ يقلب صفحات من المصحف ويقرأ أخرى، فعلمت رحمه الله تعالى ورضي عنه أنّه يقرأ السّور والآيات الفاضلة.

كان، رحمه الله تعالى ورضي عنه، حريصا على أخذ تعهّدات المؤمنين والمؤمنات على حفظ القرآن الكريم، ومنه الآيات والسّور الفاضلات.

أمّا خلال المحاكمات المتعلقة بهذا الملف، فقد كان سيدي العلوي صاحب كلمة الحقّ والرّفق.

وممّا سجّل في إحدى جلسات المحاكمة أن قال رحمه الله تعالى ورضي عنه: “احنا اتّمنعنا حتى من حقنا في البكاء”.

حكت لي والدتي أنّها لما سمعتها تأثّرت كثيرا وبكت، كما بكت وهي تحكيها إليّ بعدُ.

رحمك الله سيدي، يا من كنت نورا في حياتك، ونورا بعد مماتك، كنت عملا صالحا، وتركت أعمالا صالحات، نسأله تعالى أن يجمعنا وإياك في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله.