الفصل الثالث: في بناء المستقبل

في البناء

1- بناء المجتمع

1-1- في تصور الخلاف والوفاق

1-1-1- كيف الخلاف؟

ثلاث إذا كنّ كان الخلاف:

(الأولى) أن يكون تفاوت في مدارك الناس وأفهامهم.

(الثانية) أن يكون تفاوت في مرجعيتهم، التي هي محط نظر عقولهم.

(الثالثة) أن يكون تفاوت في نياتهم وأهدافهم.

هكذا الخلاف بين طوائف المسلمين في العقل والنقل والإرادة.

2-1-1- كيف يفضي الخلاف إلى الوفاق؟

هذا الخلاف يقود إلى الصراع والعداوة، إذا كانت كل فرقة ترى الفرقة الأخرى مخرجتها من أرضها، أو ترغب أن تعلو عليها. الرغبة في الجاه والتعالي على الآخر، والخوف من هذا الآخر أن يهدد وجود الذات، هو ما يحول الخلاف إلى الصراع والعداوة.

وإنما يفضي الخلاف إلى الوفاق، إذا تأسس على دعامة أن تتميز الفرقة باختيار تراه أحسن، لا على عداوة للآخر. النظر إلى الآخر أنه العدو، وأن النصر والنجاح لا يكون للفرقة إلا إذا طوقت أختها الهزيمة، وأنها إنما تفوز إن خسرت أختها، هذا ما يورد الخلاف موارد الصراع والتطاحن.

الخلاف رحمة إذا كان سبيل الوفاق على التي هي أحسن. وجود اختيارات كثيرة، يمكن من الاجتماع على الخيار الأمثل. وما الشورى إلا آلة تنظر أيها أزكى. وقد أمرنا أن نتبع التي هي أحسن.

الفرق والجماعات الإسلامية إن نظرت إلى نفسها أنها اختيارات واجتهادات، قد تصيب وقد تخطئ، وأن الاختلاف في هذا كاختلاف ألواننا يفرش أرضا للوفاق على الأهداف الأساسية والاختيارات المثلى؛ فإنها توشك أن تجتمع على كلمة سواء.

وإما هي، وهذا حاصل ولا حول ولا قوة إلا بالله، تعصبت في خويصة مذاهبها، ورمت غيرها بالضلال، ورأت في هزيمته والقضاء عليه ربحها ونجاح رسالتها؛ فهذه نار الفتنة قد استعرت، ترمي بشرر كالشتات والفرقة، والضعف والغثائية؛ فعلا العدو الكافر والمنافق في الدين والبلاد، يعيث فسادا.

أن نرى في ما نحن عليه اختيارات، تقتضي حوارا فجمع كلمة، لا حمية كحمية الجاهلية توقد نار الحرب؛ هذا هو الطريق الأوحد إلى الوحدة فالقوة.

أمر الله عز وجل بالحوار والجدل بالتي هي أحسن حتى مع الكفار. يجب أن يكون همنا، أن نكون رحمة للعالمين، وأن نبلغ رسالة الله إلى الإنسان أنى كان، لا أن نتولى كبرنا، ونبغي بالحق الذي معنا علوا في الأرض وفسادا. إنا إذا لنقمة لا رحمة للعالمين. وهل يحبنا ربنا إلا ونحن رحمة للعالمين؟

مهمتنا أن نجعل الحق يزهق الباطل. هذا حرصنا. هكذا وجب أن يكون، لا أن نحرص على إبادة أهل الباطل في أشخاصهم. بل الحرص على هدايتهم بلسان الدعوة الواصل لا القاطع. ومعنى الدعوة وروح الدعوة رحمة. هكذا أمرنا مع الكفار فكيف مع المسلمين.

3-1-1- كيف الوفاق؟

وللجمع بين فرق المسلمين، يكون من الضروري أن ننطلق مما أشرنا إليه؛ أن نسعى للوحدة بالنظر إلى أن ما لدينا اختيارات.

نبدأ برسم الأهداف المشتركة العامة حيث لا خلاف. ورأس هذه الأهداف أن نكون عبيدا لله، مقيمين وجوهنا لدينه حنفاء، داعين إليه. فهو عز وجل الكفيل، إن توجهنا إليه بإخلاص وبقلوب منيبة، أن يجمعنا.

ثم نصوغ اجتهادا جامعا، وفقها شاملا. يستند إلى الشريعة واجتهادات الفقه فيها، راعيا ظروف الوقت، وما جد في العصر من قوى ووسائل وعقبات وأزمات وحاجات. اجتهاد يرسم سلم الأولويات، لبناء الأمة على منهاج النبوة الساعي أن يتنزل موعود الخلافة .

و إن ديننا لهو الإسلام. وهو سلام لنا وللعالم، وفيه كل مقومات السلام والجمع بيننا وبين بني الإنسان. وأملنا في الوحدة التي يكون الاختلاف فيها رحمة. وإن الوعد النبوي بتحققها خلافة على منهاج النبوة، لحادينا في السير والجهاد، حتى النصر إن شاء الله.

هذا وإن البر بغير المسلمين والقسط إليهم تبينه لنا السيرة النبوية، قائما على دعامتين:

(الأولى) حفظ التميز الإسلامي وسمته قياما على أمر الدين كله.

(الثانية) التعاون على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان. معهم فيما يخدم الدعوة ومصلحة المسلمين والناس أجمعين.

2-1- كيف جمع القرآن وفرقت النصرانية واليهودية؟

وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.

وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ .

وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ.

هكذا قالت اليهود وقالت النصارى، وكذلك قول الذين لا يعلمون، وهكذا فرقوا دينهم وكانوا شيعا.

ودعا القرآن إلى كلمة سواء هي توحيد الله واتباع ملة إبراهيم حنيفا. جاء القرآن مصدقا لما أنزل من قبل ومهيمنا عليه. وهكذا جمع.

وهكذا يجمع المنهاج النبوي القرآني بين طوائف المسلمين؛ يصدق ما معهم من الحق ويهيمن عليه. لا يتحيز إلى طائفة؛ فيلمز الطوائف الأخرى أنها “ليست على شيء”. الجامع مصدق ومهيمن. والهيمنة تقتضي العب من النبع الصافي؛ وهو النبوة. والنبوة فحواها ملة إبراهيم. وملة إبراهيم هي توحيد الله بالعبودية. هكذا يصدق ما جاء ويستصلح ويجمع تحت هيمنة المنهاج النبوي.