قال أبو الطيب الرندي:أعنـدكم نبـأ عن أهـل أنـدلس *** فقد سرى بحديث القوم ركبان
كم يستغيث بنا المستضعفون وهم *** أسـرى وقتلى فما يهتزّ إنسان
ونحن نقلّب صفحات تاريخ الأندلس، ونقرأ فيه آخر فصل من فصول القصّة، قصّة السّقوط والضّياع بجرم الّذين عاثوا في الأرض فسادا، وانشغلوا بالتواشيح والغرام والجواري الحسان، فسقطت كل الثغور الواحد تلوى الآخر بيد الصّليبيّين، وتغلّب عليهم أهل الباطل الذين كانوا سوط عذاب، نزل به قدر الله على الّذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم.

يستغرب المرء وهو يقرأ آخر فصل من فصول المأساة، إذ يرى واقعه ومجتمعه متجسّدا في تلك القصّة، وكأنّها تحكي قصّتنا نحن اليوم، كأنّنا نعيش معاهدة تسليم غرناطة بتفاصيلها وكل حيثياتها بعدما غدت بلاد المسلمين غرناطة كبيرة، والقشتاليون يحيطون بها من كل الجهات، وملوك بني الأحمر يتآمرون على شعوبهم ويمارسون كلّ أشكال الخيانة والغدر من أجل الحفاظ على عروشهم.

هادن ابن الأحمر مؤسّس مملكة غرناطة ملك قشتالة وعقد معه صلحا لمدّة عشرين سنة تنازل بموجبها عن عدد من الحصون والقلاع، وتعهّد بأداء ضريبة سنوية، وأن يكون عونا له ضدّ أعدائه “المسلمين”.-تذكّروا حريق العراق ومساهمة الدّول العربية بجيوشها وقواعدها وأموالها استجابة لنداء بوش-.

شارك ابن الأحمر في القضاء على ابن هود الّذي كان يمثل أملا في التّحرّر آنذاك، واشترك في سقوط إشبيلية بوضع فرقة من جيشه تحت إمرة فرناندو الثالث. وعمل ابن الأحمر على إقناع أصحاب الحصون والقلاع، وكافّة أمراء المدن بالتّسليم حقنا للدماء، وأنّ المقاومة عبث لا جدوى منها.- وهذا ما يقال تماما عن المقاومة في زمننا، ويوصف سلاحها بأبشع النّعوت من طرف بعض الزّعماء والحكّام-.

حوصرت إشبيلية من جميع الجهات بكتائب نصرانية، وأخرى يقودها ابن الأحمر، استغاث سكان إشبيلية بإخوانهم المغاربة لكن دون جدوى.. سقطت المدينة بعد سنة من صمود أهلها الشرفاء. وسقطت بعد ذلك غرناطة بشروط مذلّة ومهينة، لتنطلق بعد المعاهدة محاكم التفتيش وإبادة المسلمين في الأندلس.

دفع المسلمون بالأندلس ثمن أخطائهم، ودفع الحكّام الثّمن غاليا حين أذلّهم الله وسلب ممالكهم، وهل تنسى قولة ابن صادح حاكم”مرية” عند موته: “نُغّص علينا كلّ شيء حتّى الموت”، وكلمات أمّ عبد الله آخر ملوك غرناطة وهو يذرف الدّموع في سفينة الجلاء مودّعة آخر وجود إسلامي في أوروبا: “ابك مثل النّساء ملكا لم تحفظه حفظ الرّجال”.

ها هي قصص الإبادة تتكرّر وها نحن نعيش قصّة أسلافنا في عصر الضّعف والهزيمة، وها هم ملوك بني الأحمر الجدد يلعبون بمستقبل البلاد والعباد. القدس ترسل صيحاتها وتستغيث ولا مغيث، والسّلاح الصهيوني الصّليبي يحصد النساء والأطفال والشيوخ في الأرض المباركة وبلاد الرافدين والأفغان، وأنين المعذبين والمنكوبين في الصومال وغيرها من بلاد المسلمين.

لم يعد يستفزّنا حرمان فلسطينيي غزّة من الغذاء، والدّواء، والوقود، واعتدنا على مشاهدة عشرات الأشخاص يموتون بسبب نقص الدّواء، وما عدنا نكترث باحتشاد المرضى وذوي الحاجات العالقين عند حدود مصر الجارة المسلمة. وإن خرجت الشعوب في تظاهرة منددة بالمجازر جوبهت بالعصي ورصاص الأنظمة العربية كما حدث في المغرب وتونس ومصر.

قالت وكالة إغاثة تابعة للأمم المتحدة يوم 16/11/2008 أن إمدادات الغذاء المخصصة لنحو 750 ألف فلسطيني في قطاع غزة نفدت بعد أن منعت “إسرائيل” المنظمة الدولية من إدخال شحنات غذائية. وحسب المادة الثامنة من القانون الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في تعريفها لجرائم الحرب أنها تشمل تجويع البشر أو منع إيصال مواد الإغاثة إليهم.

ووصف جون كينغ وهو مسؤول كبير في وكالة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة (أونروا) الوضع في غزة بأنه كارثة. ووصفت أونروا الحصار المضروب على مليون ونصف من سكان غزة بأنه عقاب مادي ومعنوي. وحسب المادة السادسة من القانون الأساسي للمحكمة الجنائية فإن الإبادة هي كل تصرف من شأنه فرض أوضاع معيشية على جماعة من الناس تؤدي إلى تدمير حياتهم كليا أو جزئيا.

حصار بري وبحري وجوي لغزة المجاهدة يصيبها بشلل كامل، وتجويع لأهلها تنخرط فيه حكومة رام الله التي تلاحق المجاهدين، وتمنع الرواتب عن كل موظف يشتبه بأن له علاقة بالمقاومة.

حصار وتجويع لترضخ المقاومة للأمر الواقع، وتسلك هي الأخرى طريق معاهدة غرناطة وكامب ديفد، وأسلو، وأنابوليس.

حصار وتجويع لمليون ونصف من سكان غزة الشرفاء على مرآى ومسمع من العالم المتحضر، وملوك بني الأحمر يباركون سرا وجهرا الإعدام الجماعي لأهلنا في غزة.

لقد استغرقت الحروب الصليبية مائتين من السنين ولم يكن هذا المدى الطويل للعدوان سببا في إلقاء السلاح، والتفريط في أرض المسلمين، فراية الجهاد ظلت مرفوعة يستلمها جيل بعد جيل حتى أذن الله بالنصر وجلاء المحتل. فالاستعمار مهما طال به الأمد لن يكون أكثر من ظاهرة عرضية موقوتة، لن تقدر على البقاء، وليس أمام المسلمين من سبيل إلا التخلص من حكم بني الأحمر في كل بلاد المسلمين والقضاء على دول الطوائف رمز التشتت والانحطاط والخيانة.