“أكتب..”

أن تكتب عن رجل خلَّف من الكتب تصانيف منها ما يُطوى ومنها ما يُروى فذاك أقرب إلى النّقد والتّقويم أو الّتقريظ.

وأن تكتب عن رجل رَحَل عنّا من الزّمن ردحا وترك ما يُذكر به صرحاً فذاك أقرب إلى التأريخ.

أمّا أن تكتب عن رجل لا كالرجال، بل رجل هو بين أسياد الرّجال شامة، وفي صفحة الأعلام علامة، فذلك أقرب إلى الشهادة.

شهادة تنفعك أنت بخاصّة قبل أن ينتفع بها غيرك.

شهادة في رجل عاصرتَه وجلستَ إليه وما أكثر ما سمعتَ منه وعنه، وما أعذب وأطيب ما سمعتَ منه وعنه، فعرفتَ أنّ مثله من الأكابر لا يقاس بما كَتَب بل بما تكتب الملائكة له.

وأنّ مثله لا يوزن بِكَمْ من الحطام ترك بل بكم من القلوب ملك.

أن تكتب عن سيدي محمّد العلوي السليماني خادم دعوة العدل والإحسان وتَذْكُرَ مناقبه فكأنك ترنو إلى مواقع النجوم. يا ليت!

أن تكتب عنه وهو من هو في طبقات الرّجال فتَمنَّ أن تكون قد أضفت إلى البحر قطرة!

أن تكتب عنه وأنت من أنت؟ فكأنّك توقّع لنفسك شهادة العدم لولا فضل الله تعالى ورحمته وهو الحليم الكريم الوهّاب. ثم أكتب.

“سنابل خضر.. وأخر يابسات”

لقد كان سيدي محمّد العلوي من أوائل من لبّوا النداء أن قوموا لله قانتينوكان من أوائل من رفع اللّواء، مسطَّراً فيه إنّ فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبّح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنّه كان من المفسدين، ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمّة ونجعلهم الوارثين.

استمعَ وصدَّقَ واستنصح.

فاتّبعَ وصدَق ونصح.

آنئذ كان الزّمن زمن قوّة، وكان المغرب على شفير انقلاب أو ثورة وللظّلم سطوة وصولة.

فجاءت الرسالة/النّصيحة “الإسلام أو الطوفان” لتقول للتّاريخ قف وأفرد صفحات أُخَر: هذا تاريخ جديد يبدأ.

كانت كلمة الأستاذ المرشد عبد السّلام ياسين حفظه الله، قالها والعدل عزيز.. والنصير مفقود.. واليقين موجود.

كانت بليغة ولكن الحقّ يبغي ذلك.

كانت ليّنة والأدب يقتضي ذلك.

كانت تعارفا والواجب كذلك.

كانت دعوة ونصيحة وشهادة وبرنامجا وأمانة ثقيلة.

فأيّ رواسٍ لا تنوء بحملها؟ وأَلْسُنُ تلك الفترة لا تحكي عمَّن غَبَر إلا الخبر: خبر القتل والتعذيب والقهر.

سمّوها، بعدُ، سنوات رصاص وجمر، نعم وهي سنوات ظلام وظلم، و”تيه وفيه”.

وكما الإقدام من شيم الرّجال أقدم كل من سيدي أحمد الملاخ شافاه الله وسيدي محمّد العلوي رحمه الله على نصرة الأستاذ المرشد في عزمته والمشاركة في نشر رسالته.

تطبع الرّسالة وتوزّع، ويأتي الرّدّ حيران مرتبكا، فيؤخذ الأستاذ عبد السّلام ياسين إلى مصحّ عقلي “للعلاج”.

ويأتي على الصّاحبين حينُ الامتحان ليصبرا على صنوف الامتهان، شهور سبعة لم يفرِّقا فيها بين ليل ونهار ولا بين طعام وحجر ولا بين بشر وأشباه بشر..!

فيأذن الله تعالى برفع البلاء وكشف المحنة ليخرج الجميع منها أعزّة كما دخلوها، بل أعزّ.

“رجل.. أي رجل”

ومذَّاك الوقت والرّجل واهب نفسه لله ولدين الله لا يترك أثرا من النّبوّة إلا اقتفاه، ولا حلقة من سلسلتها إلاّ وتمسّك بها، ولا لبنة في صرح الدّعوة إلا وثبّتها، ولا مجلسا إلاّ والتمسه لا ينظر إلى عديده كم هو ولا يسأل عن حضوره من هم بل يسرع إليه ويتعرّض لنفحاته كأنّه يرى فيه ما لا يراه غيره.. (كأنّه؟ !!).

ووالله إنّ القلم يجف مداده قبل أن تُحيط الكلمات بأفضاله، وإنّ خصاله يَتسابق بعضها مع بعضٍ طمعا أن تشرُف بالانتساب إليه، لا ليُعرف بها بل لتُعرف به!..

سل عنه اللّيل وآخره، سل عنه القرآن وسوره، سل عنه الطّعام وصومه عنه..!

سل عنه الحبّ يذوب.

سل عنه الصّدق يصْدُقك.

سل عنه الوفاء يسْتَحِ.

سل عنه الصّبر يئنْ.

سل عنه الكرم يحن.

سل عنه التواضع يُطرِق.

سل عنه الحلم، والحكمة، والرّحمة، والأدب، والجهاد… وحين تنتهي سل نفسك أيّ رجل فقدنا؟.

“رزئنا في رجل أي رجل” كلمات قالها الأستاذ عبد السّلام ياسين في تأبينه وهو أوّل من عرفه، وأكثر من خبره وأعدل من يشهد فيه وأحق من يعزّى فيه.

إنّ لله ما أخذ وله ما أعطى، وكلّ شيء عنده بأجل مسمّى.

اللّهمّ زد مقامه عندك قربا، ومقعده علوّا ومكانته سموّا.

ورقِّه يا ربّي في مدارج الرّفعة والسّموّ مع النّبيئين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين.

واخلفنا وأهله فيه بما يُسعد القلب ويُقرّ العين، ويُفيض اللسان بالحمد آمين. وما مات من ورَّث ما لا يموت، وصلّ اللّهمّ وسلّم على سيّد الخلق أجمعين والحمد لله ربّ العالمين.