انتقل إلى جوار ربه العلي الرحيم رجل من رجال الدعوة والتربية بالمغرب. إنه أخونا وسيدنا وحبيبنا الأستاذ محمد العلوي السليماني عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان رحمة الله عليه. انتقل الرجل إلى حضرة مولاه الكريم يوم الاثنين 02 ذو الحجة 1429 هـ عن عمر تجاوز 77 سنة. سنوات صنع فيها الرجل تاريخا حافلا بمنجزات عظام، نحتها على جدران الوجود البشري بمبضع المواقف الجهادية الناصعة، والإرادة الإحسانية الماضية. وأعوام أثل فيها سجلا مليئا ببطولات جسام، كتبها على صفحات الخلود الإنساني بمداد الصدق مع الله، والإخلاص التام لدعوة الله، والاستجابة الكاملة لنداء الله ورسوله.

صادف يوم وفاته رحمه الله زمنا مباركا ميمونا. فقد اختاره الله تعالى لجواره يوم الاثنين من شهر ذي الحجة الحرام، وفي العشر الأوائل منه، التي أقسم الله تعالى بها في سورة الفجر تعظيما لها وتبجيلا. فاضت الروح لباريها والحجاج يطوفون بيت الله الحرام مهللين ومكبرين ومسبحين. وأسلم الرجل نفسه إلى خالقها فاستقبلته أمطار الخير، وكأنها تقول لهذا الجسد الطاهر وهذا القلب السليم أن قد رضي عنهما ساكن الأرض وساكن السماء. وشيعه الوجود إلى مثواه مرددا قول الله تعالى يأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي.

لقد جرت سنة الله تعالى بين الأنام أن تتولى يد العناية اختيار أولي الفضل العظيم منهم ليكونوا للدين رؤوسا، وللدعوة منارا، وللإسلام حماة، وللإنسانية هداة. ومع الاصطفاء، يسخر المولى سبحانه عالم الأسباب، يتولاهم فيه بالرعاية حتى تنصهر القوالب الخوالي، فتذوب في بوتقة المشيئة الربانية، لتشرع القدرة الإلهية في إعادة الصناعة الكاملة للنفوس والصياغة المثلى لها وفق مقاس النموذج النبوي الخالد. وعن مثل هذا حكى الله تعالى مخبرا عن سيدنا موسى عليه السلام فقال: وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني.

قاعدة كونية جليلة لم تتخلف عنها جماعة العدل والإحسان، ولم يشذ عنها منهاجها النبوي. فالأستاذ محمد العلوي السليماني كان أنصع مثال لهذا الاجتباء. كان رحمه الله غرة على جبين أجيال الدعاة، وقمة سامقة بين أفواج المصلحين. لقد كان صناعة خالصة على عين منهاج النبوة في التربية والتنظيم والزحف.

كان الرجل في “أرض الصحبة” الفسيلة الغضة التي خرجت بإذن الله، وكان من “زرع الجماعة” الغرس الأصيل الذي أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه، وكان من “شجرة الذكر” الثمرة الطيبة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء.

لم يكن لاسم الرجل رنين ولا لجهاده طنين في دنيا الناس، فهو لم يكن صاحب قلم سيال، ولا عقل في المعارف والعلوم يختال. ولكن عنوانه في عالم تنوير القلوب وتحرير النفوس كان مشهورا، ومقامه بين خبرائها معروفا وبالتميز موصوفا. كان الرجل مقوما للنفوس يقوم اعوجاجها على الجادة من أمر الله، والمستقيم من شرعه. وكان طبيبا للقلوب يدلها على قبلة الكمال، ويرشدها إلى منتهى الآمال بمعرفة الله. كان رحمه الله خبيرا في بناء الإنسان المؤمن السالك إلى الله، لذا كان اسمه منقوشا في جذر القلوب ورسمه محفورا في عمق النفوس.

وليس ينبئك بحقيقة حاله وعظيم مقامه غير العارف له الخبير به. فأما إخوانه من أهل العدل والإحسان فيكبرون سهمه في الدعوة والتربية والجهاد في سبيل الله، يشهد على ذلك ما يدينون به له من الفضل محبة وتعظيما. وأما عالم الغيب فقد تساقطت فيه الرؤى والمشاهدات رطبا جنيا تزكيه وتبوؤه مكانا عليا. وأما ثناء الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين حفظه الله عليه فهو من المعلوم ضرورة، والمجمع عليه تأكيدا. وأما عالم الشهادة فما يزيد عن أربعين سنة من حياة الرجل في كبد المجاهدة ومسغبة الجهاد أفصح دليل وأصدق شاهد وأنصع برهان على بلوغه منتهى السمو البشري والكمال الإنساني.

بلغ رحمه الله هذه المنزلة العظمى لأنه كان طلابا للمعالي من الأمور، متجافيا عن سفسافها. كان هم معرفة الله باعثا له على أن وقف مشمرا عن سواعد الجد في طلب وجه الله، وكان اهتمامه بأمر أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم حافزا له على أن نذر حياته نصرة للحق وعونا للمستضعفين. وكانت له لكل ذلك همة الأكابر من الأولياء الصالحين، وعزيمة العظام من القادة المجاهدين. قال ابن تيمية رحمة الله عليه تقول العامة: قيمة كل امرئ ما يُحسن، والخاصة تقول: قيمة كل امرئ ما يطلب).

وقد يتراءى للباحث عن الحقيقة، والمنقب عن الشواهد أن يسأل عنه المنهاج النبوي إمعانا في التثبت والتيقن. ولمثل هذا يقال:

إنك إن سألت عنه منهاج التربية أنبأك أن الرجل كان أمة لله قانتا. حب الله قطب الرحى الذي يدور عليه عمود ظاهره وباطنه، ومحبة الرسول صلى الله عليه وسلم العروة الوثقى التي ينجمع عليها مئزر فؤاده، والمحبة والأدب عماد سلوكه وسمة تعامله مع كافة الخلق وعموم بني الإنسان.

استقر في وعي الرجل منذ غضاضة سنه أن معرفة الله سر الوجود، ونفذ إلى عمقه أن بلوغ مقام الإحسان هو غاية الغايات ومحط نظر ذوي الهمم العالية من الرجال) 1 . فتدثر بدثار الصدق، وافترش بساط الصحبة، ثم أقبل على مولاه في محراب التبتل والذكر بكلية التجرد بين يديه ومطلق العبودية له. حتى صار له حال مع الله لا تشغله عنه الشواغل، وحظ من الله لا ينكره الجهابذ والأفاضل. وأمسى الرجل قبسا متوهجا من مشكاة النبوة، وحلقة عظيمة في الموكب النوراني والركب الرباني.

وإن سألت عنه منهاج التنظيم أرشدك إلى أن الرجل كان نسيجا وحده. خلص بفضل سابقته في العمل الإسلامي، وبعمق تفكره في مستقبل الدعوة الإسلامية، إلى أن الانتظام في صف جماعة حاملة للرسالة القرآنية وسالكة للمنهاج النبوي، مطلب مصيري كي تستنقذ الأمة وجودها من مخالب الاستكبار وبراثن الاستعمار. واقتنع أن هذا لا يتم على الوجه الصحيح إلا حين … يتجمع ذوو الهمم العالية يريدون وجه الله، فتتكون النواة الحية لجماعة المسلمين المرتقبة لتعيد للمسلمين وللإنسانية الأمل في كرامة الإنسان) 2 .

وبهذا كان رحمه الله عضو الجماعة الحامل لأعباء التربية والجهاد، حوله تتألف الجماعة يشيع فيها بنورانية قلبه معاني الإيمان، وبلطف معشره ولين جانبه المحبة، وبصرامة إرادته وضبطه الثقة) 3 . أهله لذلك، بعد فضل الله، عمقه التربوي الذي أدرك به المعنى الكامل للتنظيم الدعوي المنهاجي. وعي كان سلوكه رحمه الله أظهر تجل له حين نسج مع إخوانه روابط روحها الولاية بين المؤمنين محبة وتناصحا وطاعة) 4 ، ولما أنجز مهاماته من منطلق سليم قوامه أن التنظيم ينبغي أن يكون نخبة خدمة لا نخبة استعلاء) 5 .

وأما منهاج الزحف فإنه يبصرك إلى أن الرجل كان مؤمنا قائما لله شاهدا بالقسط. نفذ بصفاء سريرته ونورانية بصيرته وعلو همته إلى أن غاية التربية أن تهيئ الجندي المجاهد في سبيل الله. وغاية التنظيم أن يعبأ جند الله ليكون قوة مجاهدة. وغاية التربية والتنظيم نصر دين الله) 6 .

فكسر رحمه الله قيود ذهنية القعود، وحطم أغلال عقلية خمول طالما جثمت على صدر الأمة لقرون خلت، وتحرر من أصفاد عافية الجبناء، ليقوم منتفضا ضد واقع الجمود والشلل، مزايلا عادات وأحوال من قال الله تعالى فيهم يأيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض . فقضى الرجل عمرا مديدا وهو يغشى معركة بناء الأمة دون أن تلين له قناة أو تفتر له عزيمة أو يعتريه شك في موعود الله تعالى وبشارة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.

بعد كل هذه الحقائق والشواهد، أليس الرجل حقا صناعة موفقة ونموذجا خالدا لبناء الإنسان في المنهاج النبوي. لسان حاله يقول إن وفقنا الله عز وجل ليتحول المنهاج طريقا مسلوكا مجسما في تربية وتنظيم، وحافظنا على شروط التربية والتنظيم، ومنها خصلتا الصحبة في الله والصدق مع الله، كان الفتح الفردي فتح معرفة بالله تعالى في حق المؤمن السالك، وكان الفتح للأمة فتح النصر الذي وعدت به العصبة المؤمنة المجاهدة) 7 .

ولله در الأستاذ منير الركراكي حين قال في قصيدته الرثائية:محمـد علـويّ ذِكـره رفـعا ***والنّور مـن وجهه بالبشر قد سطعا
حِبُّ القلوب وصَبُّ الخلّ صَنعَتُه ***أكرم بصَنعة مصحوب ومن صَنَعـا
فأنعم به من رجل وعضو وسالك وجندي هو الأستاذ محمد العلوي السليماني رحمه الله.

وأسعد به من عالم ومصحوب وقائد ومرشد هو الأستاذ عبد السلام ياسين حفظه الله.

وأكرم بها من جماعة ومدرسة ومحضن ودار هي جماعة العدل والإحسان حرسها الله.


[1] الأستاذ عبد السلام ياسين، كتاب “الإحسان” الجزء الأول ص 18.\
[2] الأستاذ عبد السلام ياسين، كتاب “الإسلام بين الدعوة والدولة” ص 71.\
[3] الأستاذ عبد السلام ياسين، كتاب “المنهاج النبوي” ص 42.\
[4] نفس المصدر، ص 99.\
[5] الأستاذ عبد السلام ياسين، كتاب “الإسلام غدا” ص 846.\
[6] الأستاذ عبد السلام ياسين، كتاب “المنهاج النبوي” ص 361.\
[7] نفس المصدر، ص 363.\