كثيرا ما يتندر عموم الأمريكيين برئيسهم “بوش الابن” ويعتبرونه أسوء رئيس في تاريخ الإمبراطورية الأمريكية، بل حتى إن أقرب مساعديه من موظفي البيت الأبيض وكبار السياسيين والمثقفين والسينمائيين يعدونه من أبلد وأغبى الرؤساء وأشدهم حماقة في سياساته وتصريحاته وخطبه ولا ينادونه دائما إلا “رأس القرنبيطة” لخواء رأسه. ولعل واحدة من علامات وأدلة هذا الغباء هو إقدامه في لحظاته الأخيرة على زيارة كل من العراق وأفغانستان اللتان يصر على أن الحرب عليهما مآثر ومفاخر يمكن أن تخلد في سجل خدماته الرئاسية، رغم أن أغلب المحللين يجزمون أن العراق وأفغانستان مستنقع آسن تورطت فيهما الإدارة الأمريكية وورطت حلفاءها، وجعلتهم رهينة لشركات صناعة البترول والأسلحة، ورغم أن العالم بأجمعه ينظر إليهما على أنهما وصمات عار لطخت جبين العالم الحر أكثر من جرائم “حرب الفيتنام” التي لم ينسها العالم حتى الآن.

ولأنه رأس أبلد من “جزمة” كما يقال استحق “الجزمة” لتكون آخر وسام يتقلده وتكون مسك الختام لفترة رئاسية داست فيها “جزمة” راعي البقر القادم من تكساس المستضعفين في العالم، وداست معهم كرامة الإنسانية وكل قيم الفضيلة والخير التي راكمتها البشرية على مدى عصور من التاريخ. وبما أننا ذكرنا التاريخ تحضرني واقعة تاريخية عن طاغوت من طواغيت الزمن الغابر لعله النمرود بن كنعان، الذي ملأ الأرض جورا وتكبرا وكفرا، فكان أن سلط الله عليه صداعا في رأسه -قيل تسببه بعوضة عرجاء- لا يهدأ إلا بعد أن يخفقه خدمه بالنعل على رأسه خفقا، فجعل الله رأس “صاحب العزة” مداسا للنعال.

وكذلك قضت حكمة الله تعالى في كل زمان ومكان، ما من ظالم متجبر إلا ويذله الله تعالى بأضعف خلقه، فعندما نتدبر آيات القرآن الكريم التي تضع بين أيدينا عبر التاريخ وتحدثنا عن أقوام “لم يخلق مثلها في البلاد” قوة وتجبرا وسطوة وإمكانات مادية “فصب عليها ربك سوط عذاب” من أمثال عاد وثمود وفراعنة مصر وغيرهم من الأقوام السابقين الذين بادوا بعد أن سادوا، وصاروا خبرا بعد عيان، وقد ملؤوا الأرض عتوا فما بكت عليهم هي ولا السماء. وللاحقين من فراعنة وجبابرة العالم في كل زمان ومكان “إن ربك لبالمرصاد” لعنة تطاردهم إلى أبد الآبدين، وسنة من سنن الله في خلقه خالدة تصيب كل من طغى وتجبر وترصده إمهالا لا إهمالا. ومن علامات إمهاله تعالى أن ختم لبوش بهذه الواقعة الخافضة، فلو أصيب بوش برصاصة مثلا لمات “شهيدا” ورمزا لمكافحة الإرهاب وصار بطلا قوميا وعالميا، ولكنها إصابة موفقة من حذاء اختزلت مرارة المهانة التي يتجرعها الملايين وانتقمت لكرامة الشعوب الذين داستهم جزم الكوباي الأمريكي وتدوسهم هذه “الجزم المتسلطة” على رقاب الشعوب من صنائع الأمريكان. “حذاء منتظر” أخزى الله به بوش وجعله أمسوخة وأضحوكة للعالمين؟ ما أغنى عنه سلطانه ولا رجاله ولا حرسه شيئا لأنه “من يهن الله فما له من مكرم” هوان في هوان في هوان.

ومع ذلك نقول في الأخير إن بوش محظوظ لأنه لم يعد من العراق بعد هذه الحروب، التي بدأها والده بوش بغزو العراق، “بخفي حنين” بل عاد بفردتي حذاء منتظر الزيدي ومعها ملايين الضحكات المتهكمة العريضة من أعماق قلوب أناس انتزعت المآسي والمآتم من شفاههم وقلوبهم كل فرحة طوال سنوات، ولعله ليس من المستبعد أن يضاف إلى مجامع الأمثال في المستقبل “رجع بفردتي منتظر” فتغطي بلادة “بوش” عن بلادة “حنين”، وتكون فاتحة لنباهة عربية يعود فيها كل غاز وظالم بحذاء، ورسالة إنذار لكل المنبطحين والمأجورين وقوات “المارينز المثقف” عندنا من إعلاميين وسياسين أن أحذية الشرفاء ستركلهم إلى مزبلة التاريخ كولي نعمتهم بوش، فتحية إلى منتظر والنصر مع أمثاله لا شك منتظر.