إن الحياة السياسية في المغرب يطبعها الانفصام الحاد بين الخطابات الرسمية المخزنية، وبين الممارسة والواقع العملي. فكثيرة هي الشعارات والخطابات والتحليلات والدعايات والأحلام والأوهام حول عهد التغيير وحقوق الإنسان ودولة الحق والقانون والديمقراطية…. وغير ذلك من مفردات القاموس الإشهاري الاستهلاكي المحفوظ عن ظهر قلب، إلا أن التجارب أثبتت زيف كل هذه الشعارات وفشلها، والواقع يكذب كل هذه الادعاءات، والممارسة تفضح المخبوء، وسرعان ما يسقط القناع بعد سدل الستار.

لقد نص الدستور في الفصل التاسع على مبدأ الحرية حيث جاء فيه: “يضمن الدستور لجميع المواطنين حرية التجول وحرية الاستقرار بجميع أرجاء المملكة وحرية الرأي و حرية التعبيـر بجميع أشكاله وحرية الاجتماع وحرية تأسيس الجمعيات وحرية الانخراط في أية منظمة نقابية وسياسية حسب اختيارهم”، إلا أن هذا الفصل أفرغ من مضمونه الحقيقي والعملي، وأصبح واضعوه يتفننون في خرقه في واضحة النهار وعلى مرأى ومسمع من الجميع.

إن مبدأ الحرية مبدأ أساسي في الممارسة الجمعوية، ويعتبر مبدأ دستوريا حيث ينص الفصل الثاني من ظهير الحريات العامة على حرية تأسيس الجمعيات، إلا أن صدر السلطات المخزنية بمدينة بركان لا يتسع لكل عمل جمعوي هادف، فهي لا تتوانى في حصار وتضييق الخناق على كل جمعية جادة ومسؤولة، وإسكات كل صوت حر صادق ينشد الحرية والعدل ويريد الانعتاق من ربقة الاستبداد وأهله. فالمخزن لا يسمح لمن ينغص عليه استبداده، وهذه هي طبيعته التسلطية.

إن المتابع للقضايا الجمعوية والمهتم بالشأن الجمعوي ببركان يصيبه الذهول والاستغراب لما يتعرض له حق ممارسة العمل الجمعوي من خنق وتضييق وحصار ومنع ومصادرة، وما تمارسه السلطات المخزنية المحلية من خرق سافر للقوانين المنظمة للعمل الجمعوي، فالعديد من الجمعيات رفضت السلطة تسلم ملفاتها القانونية، وأخرى حرمتها من وصل الإيداع رغم تسلم ملفاتها القانونية، وأخرى منعت أنشطتها رغم توفرها على الشروط اللازمة لقيامها، واستيفاء جميع المعايير القانونية. وتعاني الجمعيات من الحصار والمضايقات حتى في أبسط الحقوق المنصوص عليها في القانون، من بينها على سبيل المثال لا الحصر: “رابطة جمعيات آباء وأولياء التلاميذ، الرابطة السكنية، الجمعية السكنية بحي لعيون، الجمعية السكنية بحي السعادة، الجمعية السكنية بحي سيدي سليمان، جمعية مسجد بدر، جمعية الأمل، جمعية النهضة وبعض جمعيات آباء وأولياء التلاميذ ……..”.

ومن الصعب حصر كل العراقيل التي تعترض سبيل العمل الجمعوي والمتمثلة في الخروقات التي ترتكبها السلطة الإدارية في حق الجمعيات، بدعوى أن بعض أعضاءها ينتمون إلى جماعة العدل والإحسان. فكل جمعية خولت لها نفسها أن تؤسس بطريقة ديمقراطية فتفرز انتخاباتها عضوا بمكتبها المسير تشم فيه رائحة “العدل والإحسان” تمنع وتحاصر. هذا تطاول فظيع على القانون وانتهاك وتصرف سائب ضد الحقوق المدنية للمواطنين، بل يشكل جناية عظمى في حق ممارسة العمل الجمعوي من قبل سلطات التعليمات.

نداء للأحرار

أمام هذه الوضعية المزرية التي يعيشها العمل الجمعوي بسبب المضايقات والخرقات الخطيرة التي تطال الممارسة الجمعوية في كل مراحلها من قبل سلطات التعليمات، هذه مناشدة لكل حر غيور على حقوق الإنسان من أجل تجاوز هذه الإكراهات غير القانونية :

– أليس اليوم، وليس غدا، هو الوقت المناسب لفضح هذه الانتهاكات المخزنية، والاعتراض على هذه التعليمات الظالمة التي يراد بها التحايل على القانون وسلب حقوق الناس وتكريس دولة التعليمات والجبر والتهديدات والمنع والابتزازات.

– أليس هذا هو الوقت المناسب ليرتفع صوت الأحرار مدويا في كل مكان أن كفى من السياسات القائمة على استضعاف المواطنين والاستخفاف بهم، والسياسات الراسخة في أساليب المنع والقمع والتخويف والترهيب، والإجهاز على الحقوق ومصادرتها.