قال الله تعالى إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.

ورد في المادة السادسة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان “يحق لكل إنسان التمتع بحق الحياة والحرية والأمن”.

قبل أيام عشنا العاشر من دجنبر 2008، وهو اليوم العالمي لحقوق الإنسان، والذي يتزامن هذه السنة مع الذكرى الستين لإقرار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فبعد الحرب العالمية الثانية وجحيمها وما ارتكب فيها من انتهاكات فظيعة لحقوق البشر، بذلت “الأمم المتحدة” جهودا كبيرة للحد من هذه الانتهاكات، ليتوج بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان بعد ثلاثة سنوات من انتهاء الحرب، مؤكدا على أن “العدل والحرية والكرامة هم أساس العيش الكريم، والعدالة والسلام في العالم”.

في العام 1950 ناشدت الجمعية العمومية للأمم المتحدة جميع الدول والمنظمات لاعتبار العاشر من دجنبر من كل سنة يوما لحقوق الإنسان، وفقا للقرار 423، الذي أصبح في السنوات اللاحقة مرجعية للمنظمات الحقوقية والنشطاء، وبدأ عهد جديد من الاهتمام الدولي المتميز بهذا الجانب من الحياة الإنسانية، بهدف منع انتهاك تلك الحقوق.

ستون عاما مرت على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ولكن ما تزال التساؤلات تطرح بشكل متواصل حول مدى وفاء الدول التي صادقت على ذلك الإعلان بالتزاماتها، أمام واقع الانتهاكات في فلسطين والعراق وأفغانستان، وفي جميع الدول العربية، حيث يتصدر الكيان الصهيوني قائمة المنتهكين لحقوق الإنسان في منطقة الشرق الأوسط وما غزة اليوم عنا ببعيد، تليه الانتهاكات الجسيمة للأنظمة العربية في حق شعوبها.

ممارسات لا إنسانية يحرمها الإسلام الذي راعى في تشريعاته وتوجيهاته الحفاظ على حقوق الإنسان ومنع انتهاكها جملة وتفصيلا.

غزة والحكومات العربية

عندما تمارس الحكومات العربية القمع ضد مواطنيها فهذا معروف ولا يتضمن أي جديد، ولكن أن تصدّره إلى العالم الخارجي والمنظمات الدولية، فهذا أمر يفوق كل التصورات، ويتطلب وقفة من جمعيات حقوق الإنسان في العالم بأسره، وكل الغيورين على قضايا أمتنا العادلة، لوضع حد لهذه الظاهرة المخجلة والمهينة التي باتت تشكل وصمة عار عربية بامتياز.

التقارير الصادرة عن المراكز التي تعنى بحقوق الإنسان، تضمنت حقائق مؤلمة عن تدهور أوضاع حقوق الإنسان في جميع الدول العربية، كما تضمنت الأساليب القمعية التي تواجه بها الدول العربية معارضيها، وما يتعرضون إليه من أنواع التعذيب والاضطهاد، وتشويه السمعة، لكن أخطر ما تضمنته تلك التقارير هو تصدير الانتهاكات إلى المنظمات الدولية كالأمم المتحدة والشراكة الأورومتوسطية، وذلك بممارسة الضغوط عليها للجم أصوات المنظمات غير الحكومية، بهدف إقصائها كلياً عن المنابر الدولية.

هنا نقف وقفة تأمل، فربما نفهم الصمت المريب للجامعة العربية على انتهاكات حقوق الإنسان في العالم العربي، باعتبارها جامعة للأنظمة وليست جامعة للشعوب، ولكن ما لا نفهمه هو صمتها المخجل على ما تتعرض له الشعوب العربية من مجازر وانتهاكات تحت الاحتلالات الأجنبية في فلسطين والعراق خاصة.

غزة والحكومة المصرية

يعيش سكان قطاع غزة منذ نحو سنتين في ظل حصار همجي من طرفين رئيسيين، ألهما الأول هو الكيان الصهيوني الذي يحتل كل فلسطين ويتمنى القضاء على كل الفلسطينيين، والثاني النظام المصري الذي يمارس ابتزازاً غير مسبوق على كل الفصائل الفلسطينية وعلى رأسها حركة حماس، فالنظام المصري يعرف أنه لا متنفس لغزة وسكانها إلا عبر معبر رفح الذي يربطها بمصر. فسكان غزة يقفون بين المطرقة والسندان، حيث في الجهة الأخرى تقف الدبابات الإسرائيلية وطائرات الاباتشي على أهبة الاستعداد لإبادة أي تحرك فلسطيني حتى من أجل الدواء والغذاء والماء والكهرباء. وكم من المساكين المرضى لقوا حتفهم على حواجز ومعابر الصهاينة بين غزة وبقية أراضي فلسطين المحتلة.

الحكومة المصرية تبيع الغاز للصهاينة بأسعار زهيدة وأرخص من سعره في السوق المصرية، أطفال وعجزة ومرضى غزة يموتون لنقص وفقدان الغاز في القطاع، ولأن مصر ترفض إدخاله حتى ولو كان على شكل هبات مجانية ودون مقابل من الجزائر وإيران، اللتين عرضتا على مصر التبرع لغزة بكل المحروقات والطاقة، لكن مصر رفضت حتى مناقشة العرض.

يقف النظام المصري هذا الموقف السلبي بالرغم من موقف الشعب العربي المصري المشرف، الذي يتظاهر مثقفوه ونخبه الوطنية تضامناً مع سكان غزة، ويحاول هؤلاء إرسال المساعدات الإنسانية العاجلة وتسيير حملات لخرق الحصار وكسره.

إن الإغلاق الحالي لقطاع غزة، والذي لم يسبق له مثيل، يلحق أشد أنواع العقاب الجماعي بكافة السكان المدنيين، وهو ما يمثل انتهاكاً كلياً لأحكام القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان.

ورد في التقرير الصادر عن المركز الفلسطيني لحقوق الانسان بتاريخ 25/11/2008: “صعدت سلطات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، وعلى مدار 25 يوماً التي يغطيها هذا التقرير، من إجراءات الخنق الاقتصادي والاجتماعي ضد السكان المدنيين في قطاع غزة. وأحكمت إغلاق كافة معابر قطاع غزة الحدودية بشكل كامل، بما فيها المعابر التجارية وتلك المخصصة لحركة وتنقل سكان القطاع المدنيين. ورغم سماحها بدخول جزء يسير من إمدادات الوقود الصناعي والمساعدات الغذائية والأعلاف يوم أمس، فقد أصبح السكان المدنيين يعيشون على حافة أزمة إنسانية مستعصية، أبرز مظاهرها نفاذ الغذاء والدواء، والخشية بتعرض آلاف المدنيين لخطر الجوع والمرض والحرمان من الحصول على الاحتياجات الأساسية من الطاقة، في ظل رفض السلطات الحربية المحتلة السماح بوصول إمدادات ورسالات الأغذية والأدوية…”.

غزة والغرب

من المؤلم أن الدول الغربية التي تتباهى بالديمقراطية، واحترام حقوق الإنسان، هي الأكثر تأييدا للديكتاتوريات القمعية وانتهاكات حقوق الإنسان في الوطن العربي، لأنها تفضل التعامل مع أنظمة قمعية على التعامل مع أنظمة ديمقراطية منتخبة، فالديمقراطية التي يفضلها الغرب هي تلك التي تنتج حكام مستبدين، لا برلمانات تناقش وتحاسب وتراقب.

غزة والعالم

المفارقة الغريبة اليوم هي أن يتحالف العالم ضد السلام، وأن يدعم الغاصبين المحتلين والعنصرية الإسرائيلية، وأن يطلق العنان لـ”إسرائيل” لزج غزة في جحيم “إبادة جماعية” وإطلاق يدها في تصعيد حرب الإبادة والدمار التي لم تتوقف ضد كل الشعب الفلسطيني في غزة والضفة، خاصة بعد نجاح المشروع الإسلامي في الانتخابات الفلسطينية.

منذ فوز حركة المقاومة الإسلامية “حماس” بالانتخابات التشريعية الثانية سنة 2006، وحصولها على 74 مقعدا من مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني، فُرض حصار سياسي واقتصادي على الشعب الفلسطيني عامة وحركة حماس بشكل خاص، شاركت أطراف دولية وإقليمية ومحلية في صياغته وتطبيقه، وأخذ هذا الحصار ينتشر مثل مرض السرطان بجسم الإنسان، ولكن عناية الله ورحمته ستحول دون تحقق مايريد الظالمون المستكبرون.

“إسرائيل” إدن تريد أن تقضي على المقاومة والصمود حتى لا يكون لدى رجالها أية ورقة في معادلة موازين القوة والردع على طاولة المفاوضات وعلى الأرض كذلك.. والمقاومة الفلسطينية لها هدف تحرير الأرض الفلسطينية من يد الغاصبين، وهو الحق المشروع في كل الشرائع السماوية والقوانين الوضعية.

وختاما، نقول للعالم أين هي حقوق الإنسان في فلسطين والعراق وأفغانستان، أين هي المنظمات الحقوقية الدولية والعربية، أين هي الكرامة والحرية والعدل؟؟؟