قمت مؤخرا بصياغة أرضية “جديدة” لإطلاق حوار إسلامي يساري (وصفتها أطراف أكاديمية
ومراقبون بالنغمة المغايرة)، هل هذا موقف يخصك وحدك أم موقف تداولته جماعة العدل والإحسان، واتفقت بشأنه؟

إذا كان المقصود أن ما أعبر عنه هو الموقف الرسمي للعدل والإحسان فهذا لا يمكن أن أدعيه لأن للجماعة مؤسساتها وناطقها الرسمي وطرقها لتصريف مواقفها، لكن حتما ما أعبر عنه لا يتعارض مع تصور الجماعة ومواقفها ومبادئها وتوابثها. وهذا من نقط قوة الجماعة أي أنها تفتح المجال لأعضائها للتعبير بكل حرية عن آرائهم. وحين تتداول المؤسسات في قضية معينة وتخرج بموقف معين يلتزم به الجميع.

إذا كان هناك فعلا تحول في نظرة جماعة العدل والإحسان للقوى اليسارية، فما هو سببه، وهل هذا التحول استراتيجي أم مرحلي؟

لا أفتأ أؤكد أن الحصار المضروب على الجماعة وأعضائها وحملة التشويه التي تطالها تجعل مواقف الجماعة أحيانا لا تصل بالصفاء والوضوح المطلوبين. العدل والإحسان تؤكد منذ بداياتها أنها تدعو إلى ميثاق جامع على أرضية جامعة وحل جماعي يوحد الجهود لما يخدم مصلحة البلاد والعباد، وهذا خيار استراتيجي لا مجال فيه للمناورة لأنه بني على تشخيص دقيق وعميق للوضع العام بالبلاد وأن حجم الكارثة أصعب من أن يتصدى له تيار واحد مهما بلغت قوته.

لكنكم في ما مضى كنتم تدعون إلى حوار تضعون قواعده أنتم، وهذا واضح في كتاب المرشد العام للجماعة، الشيخ عبد السلام ياسين (حوار مع الفضلاء الديمقراطيين)..

كنا في البداية. وسنظل دائما ندعو إلى الحوار من منطلق أننا قوة اقتراحية، فلا يمكن أن ندعو إلى حوار بدون اقتراحات، كما أننا لا نسعى إلى فرض اقتراحاتنا على أحد، والأساس في أي حوار حقيقي هو التوفر على اقتراحات ننقلها إلى الطرف الآخر. أما ما هو ملزم للجميع فهو ما تسفر عنه جلسات الحوار..

اليسار كتلة غير منسجمة كما أن الحركة الإسلامية لا تتفق بالكامل بخصوص مجموعة من القضايا. ومنها الموقف من النظام القائم، كيف تتصورون إمكانية إطلاق هذا الحوار مع وجود هذا الكم من الخلاف؟

أنا شخصيا أنطلق من فرضية مؤداها أن من مستلزمات انتمائنا لوطن واحد التعايش في ظل التنوع، وهذا أمر لن يتم إلا إذا توفقنا في تدبير الاختلاف بيننا كمكونات لهذا المجتمع. والآلية الحضارية الوحيدة لهذا الأمر هي الحوار. والحوار تزداد ملحاحيته كلما اتسعت هوة الاختلاف. لذلك لا مناص لنا من الحوار.

المشكل، اليوم في المغرب، ليس في كون اليسار أو الإسلاميين ليسوا كتلة منسجمة ولكنه بالأساس في الهدف المنشود من أي حوار وطني. فحتما سيكون مخطئا من يتصور أن غاية الحوار توحيد المواقف أو المطالب أو البرامج أو الرؤى ولكن الهدف منه هو البحث عن آليات تشكل ضمانات لتجنب اللجوء إلى العنف وإقصاء الرأي الآخر كيفما كان والاستئتار بالسلطة وتسخير إمكانيات البلاد لخدمة جهة ضد أخرى. وهذا ما نعبر عنه بضرورة الميثاق لأنه يشكل الضمانة الأخلاقية والقانونية والسياسية والمؤسساتية التي تجنبنا مزالق الاقتتال الداخلي والصراع الدموي وتنظم العمل في المجتمع بناء على قاعدة التنوع والحق في الاختلاف والتنافس لخدمة المصلحة العامة. وإذا بني الميثاق على هذه الأسس فلا مشكل فيمن يتولى السلطة طالما يتم الأمر بالاختيار الشعبي بناء على تعاقد برنامجي والباب مفتوح للرأي الآخر للمراقبة والمعارضة والانتخابات محطة دورية منتظمة للمكافأة أو المعاقبة.

ما نقول به ليس جديدا ولكنه منطلق من دراسات قمنا بها لكيفية بناء مجتمعات قوية متماسكة يشكل الاختلاف فيها عامل إثراء وقوة وليس سبب ضعف. وهذا ما لخصناه في وثيقة “جميعا من أجل الخلاص” التي صدرت عن المجلس القطري.

الحوار الإسلامي اليساري سيؤدي حتما إلى ردة فعل قوية من طرف السلطة، إذا كنتم
مستعدين للتدافع هل تعتقد أن الآخرين مستعدين للمواجهة؟

هذا سؤال بديهي ولكنه مفتاح لكل ما سبق أن تحدثنا عنه، وهو الإرادة وهي مسألة ذاتية لا يمكن شق صدور الأغيار لمعرفة هل هي متوفرة أم منعدمة ولكن نخشى أن لا نصل إلى مرحلة الاضطرار حيث يصبح البعض مضطرا لركوب الموجة لأننا حينها سنكون خسرنا الزمن وضيعنا الفرصة الممكنة.

إذا كنتم في كل الأحوال مستعدين ومصرين على المواجهة، فما الفائدة من الحوار أساسا مع أطراف أثبتت في محطات كثيرة أنها غير مستعدة تماما للمواجهة، وتؤمن بأن التغيير لا محالة سيأتي من داخل المؤسسات؟

سؤالك يحيل إلى مسألة مرضية في المشهد السياسي المغربي غاية في الخطورة وهي أن بعض الفرقاء لا يملكون مواقفهم بأيديهم ولا يتحركون إلا بإشارات من فوق وطالما الأمر كذلك فالصعوبة تزداد حدة ولذلك فأولوية الأولويات في مرحلتنا الراهنة هي بناء جبهة موسعة تجمع في صفها دعاة التغيير والإصلاح والرافضين للفساد يكون هدفها العمل على تغيير ميزان القوى في المجتمع لفائدة هذا الاقتراح، وحتما ستتوسع هذه الجبهة كلما اشتغلت أكثر وحتما سيصبح مناهضو هذه الجبهة قلة قليلة لن تقاوم هذا المد وسيستجيب الجميع لمطلب التغيير والإصلاح طوعا أو كرها. قد يعتبر البعض هذا الكلام إنشائيا ولكنه جرب في أكثر من بلد على مراحل مختلفة وأثبت نجاعته وهو يبقى اقتراحا قابلا للنقاش المهم أن تتحرك قافلة المجتمع نحو العمل لإيقاف النزيف.

بعض مكونات اليسار حتى تلك التي كانت تحسب على اليسار الجذري قلصت المسافة بينها وبين الدولة. هل أنتم واثقون من المحافظة على المسافة، ألا تخشون أن يجرفكم الطوفان وتأكلكم استراتيجية النضال الديمقراطي كما أكلت من سبقكم؟

أعتقد أنني فهمت سؤالك جيدا وما طرحته يحيل على مشكل آخر في المشهد السياسي في بلادنا ويرتبط بالتصنيف أو التموقع السياسي وأظن أن التقسيمات التي كانت سائدة إلى فترة معينة استنفدت أغراضها وأصبح من الصعب اعتمادها لتحديد تموقع هذا الفريق أو ذاك اليوم فالتصنيف على أساس الإيديولوجية تجووز حيث أصبحنا نجد شيوعيين أصبحوا بورجوازيين وصار البعض منهم عدو الإعلام وحامي المخزن الذي كان يلعنه، كما أن التصنيف السياسي على أساس القرب أو البعد من الإدارة تجووز لذلك أعتقد بأنه يجب البحث عن معايير أخرى للتصنيف السياسي في بلادنا وهذا سيكون مفتاح الحل إن شاء الله. وما قلته في الجواب السابق يشكل ملامح الحل.

كثيرون غيركم كانوا مطمئنين إلى صلابتهم النضالية غير أن القرب من اللعبة أكلهم..

من جهة التخوف أطمئنك أن لا خوف ولا خشية على الجماعة لأنها تنطلق في مطالبها من منهاج واضح وتشاور وتداول في اتخاذ القرار واحترام لرأي المؤسسات ومعايشة لهموم الشعب ورغبة في البقاء في صفه. وهذه نقطة قوتها التي تميزها عن غيرها.

المصدر: الوطن الآن عدد 315- 27 نونبر 2008