أجرى موقع الجماعة حوارا مطولا مع الخبير الإعلامي المغربي الدكتور “يحيى اليحياوي” حول المشهد الإعلامي بالمغرب، تطرق فيها للعديد من القضايا الجوهرية المرتبطة بالفضاء السمعي البصري والصحافة المكتوبة الورقية والإلكترونية ودور وسائل الإعلام ورسالتها… فيما يلي نص الحوار:

بداية أستاذ اليحياوي، لو تعطينا ملامح كبرى عن المشهد الإعلامي في المغرب؟

المجال هنا لربما لا يسمح للحديث في الملامح الكبرى لهذا المشهد، لكن العناوين الكبرى لذلك يمكن حصرها في ثلاث نقط تبدو لي أساسية:

– الأولى أن هذا المشهد، على الأقل بمظهره العام، هو مشهد غني بعدد المنابر الإعلامية، سواء تعلق الأمر بالصحافة المكتوبة، أو بالمحطات الإذاعية، أو بالقنوات التي بات بإمكان المغاربة التقاطها عبر السواتل والأقمار الصناعية وما سوى ذلك. هذا الغنى والتنوع يرجعه البعض لمسار التعددية الذي اختاره المغرب منذ البدء، ويرجعه البعض الآخر للطفرة التكنولوجية في ميدان الإعلام والاتصال، والتي كسرت الحواجز، وتجاوزت واقع الاحتكارات الرسمية لوسائل الإعلام، فيما يرجعه طرف ثالث لحركية اجتماعية وثقافية عرفها المغرب، خلال العقود الأخيرة، وكان من شأنها التعجيل بهذا الغنى والتنوع.

– الثانية، أن هذا المشهد، على الأقل وفق ما يروج، هو وليد مرحلة جديدة، برزت بأعقاب وصول ملك شاب، منفتح، لا عقدة له مع الرأي المخالف، عكس ما كان سائدا مثلا أيام الحسن الثاني، حيث كان الرأي مصادرا إلى حد بعيد، والرقابة، المباشرة أو المضمرة، مفعلة، والإعلاميون غير قادرين على تجاوز خطوط حمر محددة. بالتالي، فالقائم، وفق هذا التصور، أن المشهد الإعلامي يحمل، بتحصيل حاصل، ملامح المرحلة الجديدة، في شكله كما على مستوى المضامين المثارة. ويستدلون على ذلك، بتزايد عدد المنابر “المستقلة”، وانفتاح السوق الإعلامي، وإنشاء مستويات مؤسساتية لتقنين ذلك وتنظيمه، وهكذا.

– النقطة الثالثة، وتكمن في رأي العديدين، في انفراج أفق هذا المشهد، سواء في الجانب المتعلق بالتشريع بالنسبة لقانون الصحافة، أو في الجانب المرتبط بالتقنين؛ فيما يخص إنشاء الهيئة العليا للاتصال السمعي/البصري، وتحديد قواعد اللعبة فيما بين الفاعلين داخل الفضاء الإعلامي، دونما تفريط في حرية الرأي والتعبير، ودونما تجاوز على المسؤولية التي يقتضيها كل عمل إعلامي، بل ويشترطها.

قد يكون بكل ما سبق بعض من الصواب، على الأقل من زاوية أن هذا المشهد حمل ملامح السياق والمرحلة. إلا أنه ليس بالدقة التي تفترضها قراءة متأنية لهذا المشهد. أنا أزعم أنه بقدر الانفتاح النسبي لهذا المشهد، بقدر تزايد الارتداد والاحتقان من بين ظهرانيه، سواء بجانب استمرار القوانين السالبة للحريات، أو الغرامات المحيلة على الإفلاس، أو بجانب جمود وتردي الأداء الإعلامي، سواء داخل القطب العمومي، أو على مستوى المحطات الإذاعية المرخص لها من مدة، أو على مستوى المضايقات التي يتعرض لها الإعلامي، في البحث والحصول على الخبر.

ثمة إذن حركية بالمظهر، لكن ثمة مقابل ذلك وفي صلبه، تردي وتراجع على مستوى الجوهر، سواء تعلق الأمر بالنصوص المنظمة، أو على مستوى الأداء، الذي كنا نراهن عليه بقدوم ما يسمى بالعهد الجديد. لو أضفنا إلى ذلك المعطيات الموضوعية الملازمة لهذا المشهد (ضعف المقروئية، تدني نسب المشاهدة، تدهور البرامج بالتلفزة وبالإذاعات وقس على ذلك)، لو أضفنا ذلك لتبين لنا بالجلي الواضح، أن المشهد الإعلامي يعيش حالة خاصة، وأنا أستطيع القول بأنها بالعديد من ملامحها شاذة، أو لاستحضار غرامشي: القديم المتقادم من بين ظهرانيها لم يتراجع، والجديد المتجدد لم يتسن له أن يولد بعد.

قيل بأن الممارسة الإعلامية شهدت اتساعا في الهامش المتاح لها في ظل ما عرف بـ”العهد الجديد”، وذلك من خلال فتحها لعدد من الطابوهات، هل هذا التقدير سليم؟ وهل هو اتساع شامل في المواضيع والأشخاص؟

قد يكون ذلك صحيحا بمقياس ما فتح من ملفات، من قبيل الفساد بالمؤسسة العسكرية، أو المطالبة بمناقشة ميزانية البلاط الملكي، أو التطرق لمجال احتكار الحقل الديني، أو التعرض بجرأة لمرحلة ما يسمى بسنوات الرصاص، وما سوى ذلك. وقد يكون ذلك صحيحا أيضا، بمنطوق من يعتبر أن النبش في الحياة الخاصة للأمراء والأميرات، هو فتح مبين وفير مسبوق، قياسا إلى التحريم الذي كان يطاول هذه الجوانب في عهد الملك الراحل، ناهيك عن التشكيك في عنصر “المقدس” الذي كان مهيمنا، وأثث لوجه المغرب، لأكثر من خمسة عقود من الزمن.

إلا أنه، في مقابل ذلك، ازداد التحرش بحرية الرأي، سيما فيما يخص “الصحافة المستقلة”، فتعرض العديد من الإعلاميين إما للسجن أو للمنع من الكتابة، أو تعرضت منابرهم للمصادرة، أو حكم عليهم بغرامات لا تطاق، في إطار متابعات لا تبدو لنا إلا في كونها ضرب لحرية الرأي والفكر والتعبير، وتصفية حسابات مع منابر لم تمتثل للخطوط الموضوعة.

إن الأحكام السالبة للحريات (وللأرزاق أيضا) لم تضرب في الصميم خطاب “الهامش الواسع للحريات”، بل وضعت القضاء وجها لوجه مع العديد من المنابر، التي لم يرض خطها التحريري السلطة. لو علمنا مدى حجم ارتهان المؤسسة القضائية وعدم استقلاليتها، لتبين لنا أن الهامش المتحدث فيه هو قول حق أريد به باطل.

عرف المغرب نوعا من “التحرير السمعي البصري” وتدشين عدد من القنوات والإذاعات، هل هو تحرير فعلي وحقيقي، من شأنه عكس التعددية الموجودة في المجتمع، أم أنها تعددية شكلية مضبوطة من قبل الجهات الرسمية؟

كتبت الكثير حول هذا الجانب. وقلت إن التحرير مطلوب ومرغوب فيه، إن كان المراد منه تجاوز وضعيات الاحتكار، والدفع بالمنافسة المحيلة إلى الإبداع وتحسين الأداء والرفع من منسوب الجودة. وقلت بأن هذه العملية معقدة، ويجب أن تكون محكومة بقوانين واضحة ولينة، وبتقييم دوري لإصلاح المعيقات وتجاوز النواقص. وقلت أيضا بضرورة توضيح قواعد اللعبة بين الفاعلين بالسوق، على اعتبار أن المجال حساس للغاية، ويحيل على الثقافة والقيم والمشترك الجمعي، وبقدر ما قد يسهم في البناء، فإنه قادر في الآن ذاته على تدمير الناشئة والتشويش على قيمها.

بالمغرب، يبدو لي أن هذه المسائل لم تراع بما فيه الكفاية، لدرجة بدا أن التحرير كان غاية في حد ذاته، وليس وسيلة لإدراك العناصر التي ذكرت. والدليل على ذلك أن قنوات القطب العمومي (وضمنها “الفضائيات” الماسخة) لم يطلها التحول ولا نالت منها المنافسة، ولا خضعت لمتطلبات المشاهد، بل كرست الرداءة بكل عناوينها، وباتت تشتغل كما لو أن لا رقيب عليها ولا حسيب. ولنا أن نتذكر مأساة الشبكة البرامجية لرمضانات الماضية.

نفس الشيء بالنسبة للمحطات الإذاعية المرخص لها، فقد بقيت في معظمها محطات غناء هابط، وبرامج سطحية، وتنشيط يثير التقزز والاستنكار في البعض الكثير منه، فبقيت القيمة المضافة بالتالي دون ما تطلعنا إليه، عندما دفع بملف التحرير.

من جهة أخرى، فلو رأينا العروض المقدمة مؤخرا لنيل تراخيص فتح قنوات تلفزية، وأصحابها رجال مال وأعمال بامتياز، يتبين لنا بجلاء أن خلفيات ودوافع مشروع التحرير غير واضحة بالمرة.

بعض هذه الإذاعات أو القنوات تفتح نقاشات وبطرق معينة تدعو للتطبيع مع الانحرافات الأخلاقية، في رأيك هل الإعلام واجب عليه أن يراعي قيم المجتمع ودينه وثقافته، أم أن تلك البرامج تدخل في إطار الحرية الإعلامية للمؤسسات والحرية الشخصية للأفراد؟

الإعلام بات اليوم صناعة قائمة، لكنه في الآن ذاته رسالة، بقدر ما تستطيع استنبات قيم الجمال والفن والإبداع، بقدر ما تستطيع تدمير القائم منها، أو محاولة الترويج لقيم مناقضة لها ومناهضة، على خلفية من هذا المسوغ “الحداثي” أو ذاك. ثم إن الإعلام، سيما التلفزيون الذي يخترق العائلات دون استئذان، هو مسؤولية، لا تقل عن مسؤولية الوالدين أو المدرس أو ما سواهم. عندما تترك هذه الأداة لجهلة أو أميين أو لذوي التكوين المتوسط، فإن العواقب لن تكون سليمة بالمرة.

ثمة رأي رائج مفاده القول بأن المزيد من الحرية بالإعلام يقلص من حجم الانحراف، وفق منطق التمرس والتجربة. وهذا رأي خاطئ في اعتقادي، ليس فقط لأن الحقل الإعلامي لا يتساوق ومنطق التمرس الذاتي، بل يحتاج لتأطير وإشراف من شأنه أخذ الحد الأدنى من المشترك بعين الاعتبار، وإلا فالتسيب والتجاوز حتما وقطعا. وقد لاحظنا ذلك بإحدى المحطات الإذاعية المنشأة ضمن التراخيص الأولى.

على اعتبار أن الإعلام العمومي يمول من جيوب المغاربة والضرائب التي يؤدونها، هل الإعلام المغربي الرسمي يعكس تطلعات المواطنين؟

من المفارقات أن التلفزة بالمغرب، بقناتيها وأجرامها الماسخة، لا تزال تجتر نبرة الخطاب الرسمي، في الأخبار كما في البرامج، كما في طبيعة ما تقدم من ندوات ولقاءات، ولكأننا في زمن غوبلز حقا وحقيقة، حيث الرسالة عمودية، أبوية، غير قابلة للتأويل.

استمرارية هذا النهج يبين بقوة كيف أن التلفزة بالمغرب لم يطلها التحول، لا جراء الطفرة التكنولوجية، ولا جراء التحولات الثقافية والاجتماعية، ولا جراء مسلسل التحرير المتحدث فيه من قبل. هذه حالة شاذة لطالما كتبنا حولها وكتب حولها غيرنا، لكن الرسالة لا تصل. وقد نشرت كتابا أواخر التسعينات، قلت فيه بالواضح الصريح بأن الإعلام السمعي/البصري بالمغرب عصي على التحول، لأنه جزء من جهاز وليس جهازا قائما بذاته، أي أنه جزء من سلطة ولا سلطة له تذكر بالتالي.

شهدت أيضا السنوات الأخيرة تطورا في الصحافة المكتوبة من خلال الفاعلية التي خلقتها “الصحافة المستقلة”، وهو الأمر الذي قوبل بتحفظ رسمي تجسد في الأحكام والمنع من ممارسة المهنة والغرامات، في حق عدد من الصحفيين والمؤسسات الصحفية (المساء، لوجورنال، الوطن الآن…). ما تقييمك لأداء الصحافة المستقلة والتطور الذي عرفته؟ وكيف تفسرون هذا القمع والمنع الذي تتعرض له من قبل الدولة؟

ليس ثمة استقلالية في الإعلام. فإذا لم تدر في دائرة السلطة، فستدور حتما في دائرة المجموعات المالية والاقتصادية الكبرى (بجانب الإشهار والدعم تحديدا)، أو في أحسن الحالات ستكون منحازا لموقف ما، وهذا بحد ذاته أمر لا يحيل على الاستقلالية، حتى وإن كان الجانب المكرس للحد الأدنى من الاستقلالية، بالقياس إلى الحالتين السابقتين.

صحيح أن ظاهرة ما يسمى بالصحافة “المستقلة”، وهي صحافة غير متحزبة، قد أفرزت طفرة حقيقية بالمشهد الإعلامي المغربي، سيما في ظل تشظي الأحزاب، وتراجع مصداقية النقابات، ناهيك عن انصراف المثقفين إلى أهوائهم الذاتية. وصحيح أيضا أنها تميزت بنبرة جديدة لم يألفها المغاربة، وكان لها الفضل في تقريبه من أكثر من قضية (بجانب فساد الإدارة والقضاء مثلا)، واستطاعت تطوير صحافة رأي لا بأس بها، فأزعجت بذلك أكثر من جهة، سواء بمجال السياسة أو بمجال المال والاقتصاد.

بالتالي، فحالات المنع والمتابعة والسجن والغرامة التي تكبدها أكثر من منبر، إنما أتت من هذه الجبهات التي فتحت، والتي وظف لاغتيالها أو تقليم أظافرها أكثر من رافد، وكان أقواها رافد القضاء، من باب إعطاء الانطباع، بأن لا دخل للسلطة التنفيذية فيما يجري، وأن المسألة تعالج على مستوى القضاء، كما الحال بالدول المتقدمة. ولما كانت غياهب السجون قد أعطت نتائج عكسية في ردع هؤلاء، وكان من شأنها “تلطيخ” صورة المغرب بالعالم، فقد تم التبرم عنها لفائدة الغرامات الباهظة، المحيلة على الإفلاس مباشرة.

إن القضاء هنا لم يعد أداة للتظلم، إنه بات بحال الإعلام وسيلة ناجعة لتصفية الحسابات السياسية مع الإعلاميين، وبات حكما وخصما، يتنبأ المرء بأحكامه بمجرد أن يعلم بأنها بين يديه، وهذه وضعية مأساوية بكل المقاييس.

في ظل طفرة الإعلام الإلكتروني والتواصل عبر شبكة المعلوميات (الإنترنيت)، كيف هو حال الصحافة الإلكترونية المغربية؟

هناك العديد من المنابر المكتوبة (والمرئية والمسموعة أيضا) فتحت لها مواقع بشبكة الإنترنيت بهذا الشكل أو ذاك، أي إما بتفريغ ما توفر لديها بالصيغة المكتوبة بانتظام وعلى شكل أرشيفات، أو بوضع ذلك مع بعض الإضافات من قبيل المنتديات أو المدونات الجانبية أو ما سوى ذلك. التجربة لا تزال ببداياتها الأولى، وتستحق بعضا من التقييم. لكن الرهان القائم لدى هذه المنابر، لا يتجاوز مجاراة الموضة، أو بحثا عن انتشار إضافي بواسطة هذا الحامل الجديد، أو تجاوزا على تكاليف وتعذر التوزيع ببعض المناطق.

لكن التحدي الحقيقي، بوجه الصحافة المكتوبة كما الإلكترونية، إنما يتمثل فيما أتصور، في نسبة الأمية التي تزال تضرب الأطناب، ثم تدني مستوى المقروئية الموجهة للصحف، أو ضعف الارتباط بشبكة الإنترنيت، بسبب التكاليف أو البعد الجغرافي أو ما سوى ذلك. صحيح أن الشبكة قد مكنت من إيصال العديد من المنابر لمناطق وقراء نائيين، لكنها لم تستطع لحد الساعة الرفع من منسوب الإقبال على الجرائد، أو التجاوز على حجم المبيعات.

لقد قدمت منذ بضع سنوات فرضية لا زلت أؤمن بها، مفادها أن المجتمع المغربي هو مجتمع شفوي بامتياز. ودفعت بحقيقة الانتشار الواسع للهاتف النقال، والضعف الشديد في الإقبال على شبكة الإنترنيت مثلا. أزعم أن هذه الفرضية ستحكم إلى حد بعيد، تعامل المغاربة مع التكنولوجيات التفاعلية، سواء في البحث عن المعلومة، أو في التواصل عن بعد.

من خلال بحثك واهتمامك كيف يمكن للصحافة الإسلامية (المحسوبة على الحركة الإسلامية) ورقية وإلكترونية، أن تطور أداءها وتوسع من نسب مقروئيتها؟

أتصور بوجه عام، أن المنابر الإعلامية ذات الصبغة الإسلامية، قد أفادت قبل غيرها من شبكة الإنترنيت، إما بسبب الحصار المفروض عليها بأرض الواقع، والمضايقات التي تعترض صحافتها الورقية على مستوى الطبع والتوزيع، أو جراء ضعف الإمكانيات والموارد التي غالبا ما لا تتوافر لدى الجماعات أو التنظيمات الثاوية خلف هذه المنابر، وهي غالبها تنظيمات على شكل جمعيات تطوعية، وذات غايات غير ربحية.

وأتصور أيضا أن هذه المنابر قد نجحت وإلى حد بعيد، في تطوير خطابها بما يتماشى وطبيعة الشبكة، بما هي مكمن ولوج لشرائح وأجناس وتيارات وحاجيات مختلفة.

لو كنت تقصد بسؤالك، التحدي المرفوع بوجه هذه الصحافة، لقلت لك إنه نفس التحدي الذي يرفع بوجه العمل الإسلامي عموما، على اعتبار أن الإعلام ما هو إلا رافدها على مستوى الخطاب والتواصل مع الآخرين.

ما هي الآفاق المستقبلية للواقع الإعلامي في المغرب؟

على المستوى العملي الصرف، يبدو لي أنه من الضروري المراهنة على المهنية والحرفية والمصداقية في الأداء. وهذا لن يتأتى إلا إذا تحول المنبر، مكتوبا كان أم مسموعا أم مرئيا، إلى وسيلة قرب، يجد القارئ فيها العناصر الكبرى لأي رسالة إعلامية، أعني الإخبار والتثقيف والترفيه. بالتالي، فعندما يكون الخط التحريري واضح والسياسة محددة والرسالة واضحة، أتصور أن المدخل سيكون سليما، ومن شأنه إفراز مشهد إعلامي سليم.

على مستوى المقاربة، يجب أن يتم “التوافق” حول دور ووظيفة الإعلام: هل المفروض فيه أن يكون عاكسا لواقع حال قائم، ومستنبتا لآفاق مستقبل، أم أداة لخدمة هذه الجهة أو تلك، والترويج لمنظومتها ظالمة أو مظلومة. الإعلام، بهذه النقطة، لا يجب أن يكون بكل الأحوال، منحازا لجهة، بقدر ما يجب أن ينحاز لوظيفته الأساس، وظيفة المزاوجة بموضوعية بين الإخبار والتثقيف والترفيه.

أما على المستوى العام، فيجب التجاوز على المعطى القائم الذي يجعل من القضاء سيفا مسلطا على رقاب الإعلاميين وأرزاقهم. أنا لا ألمح إلى إبعاد ما لسلطة القضاء في الإعلام، لكني أشدد على أن يكون هذا القضاء مستقلا وعادلا، لا قضاء يأتمر بالأوامر، ويصدر الأحكام بالتوجيه، ويجعل المغاربة، كل المغاربة ربما، يعتبرونه فاسدا وظالما.