الحدث

بمبادرة من الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز انطلقت يوم الأربعاء 12 نونبر2008 في الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك أعمال مؤتمر دولي لحوار الأديان والذي يندرج في مسلسل مؤتمرات “ثقافة السلام”، والذي شارك فيه إلى جانب الملك السعودي عدد من القادة العرب وشمعون بيريز بالإضافة إلى الرئيس الأميركي جورج بوش ورئيس الوزراء البريطاني غوردون براون ورئيسا باكستان آصف علي زرداري وأفغانستان حامد كرزاي، وممثل أكثر من 80 دولة.

رسائل مؤتمر حوار الأديان

(1) رسائل العرب إلى الغرب من مؤتمر حوار الأديان:

• رسالة خادم الحرمين:

المملكة العربية السعودية التي قاطعت إسرائيل كثيرا، وراعية – حسب الرجل الغربي- الفكر السلفي التقليدي الذي أنتج بدوره فكرا سلفيا جهاديا رمزه أسامة بن لادن، صدرت الإرهاب للعالم مضطرة اليوم لتصحيح مسارها. لذلك كانت صاحبة مبادرة “حوار الأديان” لتبعث بالرسائل التالية:

1. رسالة إلى الخارج: على العالم الغربي أن يغير نظرته عن كون الإسلام دين حرب وإرهاب.

2. رسالة إلى الداخل، على معارضي الإصلاحات في الداخل أن يؤمنوا بمبدأ التغيير وضرورة تطوير المؤسسات الدينية. “فالإصلاح آت، لكن لابد من التدرج حيث لا يمكن للملك أن يغير عقلية الناس أو المؤسسة الدينية بسرعة.” 1

• رسالة ملك الأردن:

الرسالة الأردنية تتلخص في كون الوئام بين الأديان من دون حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، من المستحيلات. كما تدع إلى “إنهاء هذا الصراع الذي يزرع بذور الفرقة والانقسام من خلال إيجاد سلام مبني على القيم العميقة المشتركة التي تشمل قيم العدالة واحترام القانون الدولي وحق الشعوب في العيش بكرامة”…

لا يتسع المجال للوقوف عند كل الرسائل العربية، لكن الأدوار توزعت بين الزعماء العرب على المنصة الأممية لإعلان هدف واحد: “تأسيس جبهة موحدة لمحاربة الإرهاب وتعزيز ثقافة التسامح”.

(2) رسائل الغرب إلى العرب من مؤتمر حوار الأديان:

• رسالة الاتحاد الأوربي:

إن حرية التعبير شرط ضروري للحوار. ويبدو أن “آلان جوبيه” 2 يشير بذلك إلى ما حدث عام 2005 عقب نشر صحيفة دانماركية رسوما كاريكاتيرية تسخر من النبي محمد صلى الله عليه وسلم فجرت احتجاجات عنيفة في العالم الإسلامي.

• رسالة جورج بوش:

دافع الرئيس الأميركي جورج بوش عن حق أي شخص في تغيير دينه. فحماية الحرية الدينية كانت الدافع وراء الحروب التي خاضتها بلاده في كوسوفو وأفغانستان والعراق وأنها وفرت حماية للمسلمين هناك.

وفي هذا السياق قال “أنشأنا لجنة لمراقبة الحريات الدينية حول العالم، ونشجّع الدول على فهم أن الحرية الدينية هي أساس المجتمعات الصحية، ونحن لا نخشى الوقوف مع المنشقين والمؤمنين، ولو لم يلق ذلك ترحيباً”.

بذلك كانت رسالة بوش للعالم العربي والإسلامي واضحة فحدد بوصلتها التي تشير إلى أن السبيل الأفضل لصون الحريات الدينية هو السعي لإقامة حكم ديمقراطي، وأن “الدولة الديمقراطية هي تلك التي تفسح المجال أمام الناس أيا كانت خلفياتهم الدينية وأيا كان إيمانهم”.

• رسالة شمعون بيريز:

تركزت كلمة الرئيس الصهيوني شمعون بيريز على إبداء موقف إيجابي من المبادرة العربية، الذي طرحتها الرياض في الأساس قبل اعتمادها سنة 2002 في مؤتمر القمة العربي المنعقد في بيروت.

وقال بيريز في خطابه الذي ألقاه في مقر الجمعية العامة للأمم المتحدة، إنّ الجانب الصهيوني “يوافق على ما جاء في مبادرة السلام العربية، من أنّ “الخيار العسكري لا يمكنه أن يحقق الأمن والسلام”، معوِّلاً على ما جاء في المبادرة من السعي لإنهاء الصراع العربي-الصهيوني، وتطبيع العلاقات الصهيونية مع كافة الدول العربية لتسود “علاقات حسن جوار”.

وتطرّق بيريز إلى المسارات التفاوضية، فقال “إنّ إسرائيل مستمرة في التفاوض مع جناح السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس، وأنها تختبر حالياً فرص تحقيق السلام مع سورية”، وفق تعبيره.

وتوجّه بيريز إلى رجال الدين المشاركين، ومن بينهم مسلمون، وطالبهم بأن يناشدوا أتباعهم “أن يعملوا من أجل السلام”.

اعتبر رئيس الوزراء الصهيوني “مؤتمر حوار الأديان” المنعقد بنيويورك الفرصة النادرة التي جمعته بالملك عبد الله الذي عبر له عن رغبته بأن يصبح صوته الصوت الغالب في المنطقة بأسرها ولكل الشعوب، ذاك الصوت الذي ينادي بتأسيس جبهة موحدة لمحاربة الإرهاب وتعزيز ثقافة التسامح، إنه الصوت الصائب، إنه مطلوب ملهم وواعد واستهلال جاد لإحراز تقدم حقيقي.

كما شاركت في المؤتمر وزيرة الخارجية الصهيونية تسيبي ليفني، وتوعّدت في مؤتمر صحفي عقدته على هامش المؤتمر، من سمتهم “المتطرفين في الشرق الأوسط” بالمواجهة والحرب، ناعتة إياهم بالإرهاب، وشنّت في الوقت ذاته هجوماً على المساجد في المنطقة، وطالبت بوجوب “تغيير الفكر المتطرف في المساجد والمدارس”، محذرة من مغبة “تساهل” عدد من زعماء “دول الجوار” مع المتطرفين. ومضت ليفني إلى القول “إنّ من يتجاهل العداوة التي يؤججها المتطرفون في المساجد سيعاني منها في نهاية المطاف”، على حد تعبيرها.

توضيحات ضرورية

أعلم جيدا أن هناك من يكتفي بقراءة الديباجة ليكتشف نبرة صوتك ومنحى خطابك ليصنفك في خانة الرافضين وظلام المتلبسين وزاوية في أقصى الرقعة لا يصلك فيها ضوء ولا ريح.. بل يقذفك من ساحته بشتى النعوتات السلبية والشتائم غير المنتهية مسخرا لذلك مختلف سلطه المادية والمعنوية. ورغم ذلك نسعى لإخراج صوت الحق وإسماع صوت الفطرة بالحكمة والصبر والمصابرة.

قبل القيام بقراءة لخلفيات وأبعاد هذا الحوار اللامع شعاره والبعيدة أهدافه والواضحة أدواته وكراكيزه… لابد من أن نوضح ما يلي:

1. الحوار مبدأ لا يرفضه إلا متنطع أو قصير نظر أو جاهل بالدين ورسالته، بل الحوار من صميم مبادئ الدين وأصوله.

2. مفهوم “حوار الأديان” مفهوم قديم، ربما قِدم الأديان نفسها، ولكنه اكتسب زخمًا أكبر في العقود الأخيرة، أما “حوار الحضارات” فهو جديد نسبيًا، وربما جاء الاهتمام الواسع به في عقد التسعينيات ردًا على أطروحة “صامويل هنتنجتون” (صدام الحضارات) وما أثارته من جدل.

3. “حوار الأديان” عالم واسع ومتنوع الأهداف والمستويات، والمبادرة إلى رفضه أو قبوله مبدئيًا تعتبر مغامرة غير محسوبة تختصر واسعًا، وتنتقي وجهًا واحدًا تحكم عليه بالسلب أو بالإيجاب وسط ظاهرة متعددة الوجوه.

4. “التنوع الثقافي” يتضمن الأطراف المتحاورة، من رجال دين، أو أكاديميين متخصصين في الأديان، أو ناشطين في العمل الخيري، أو المهتمين بتعظيم دور الأديان في نواحي الحياة المختلفة، أو خليط من هؤلاء وأولئك.

5. أهداف الحوار مستويات:

• حوارات تبحث عن تفاهم متبادل وتعارف أعمق.

• حوارات تبحث عن القيم المتفق عليها.

• حوارات تبحث عن موقف مشترك من قضية بعينها.

• حوارات ذات أغراض سياسية…

6. أساليب الحوار تختلف، وطريقة “استدعاء الدين” أيضًا تختلف؛ فهو يُستدعى كتجربة روحية أحيانًا، ويستدعى كتاريخ وممارسة أحيانًا أخرى، ويستدعى كنصوص مقدسة أحيانًا ثالثة، أو كقيم مجردة، أو كواقع حي يومي يتحرك على أرض الواقع.

7. يختلف الحوار في نطاقه واتساعه الجغرافي بين المحلي والإقليمي والدولي، وفي تحديده للأديان، فقد يقتصر على الأديان السماوية المسماة بـ”الإبراهيمية”، وقد يتضمن ديانات أخرى مثل: الهندوكية والبوذية وغيرها، وقد يكون داخل دين واحد بين مذاهب وطوائف شتى، أو بين دين وآخر، أو بين عدة أديان في وقت واحد.

أسئلة لابد من طرحها

وبناء عليه، فإن أسئلة كثيرة ومشروعة تطرح على حوار نيويورك نونبر 2008:

1. ظرفية الإعلان عن “حوار الأديان” تتزامن مع تغيير الإدارة الأمريكية ومسلسل الإخفاقات السياسية والاقتصادية.

2. صمود المقاومة أمام جموح الاحتلال ونهب ثروات الشعوب.

3. مدى جدوى نظريات الغرب المسطرة للمخططات الاستعمارية.

4. أزمة الثقة بين الشعوب والحكام، أفرزت واقعا عربيا متوترا له انعكاساته وآثاره على المجتمعات الغربية.

كل ذلك دفع بأصحاب القرار أن يضعوا الدين في قفص الاتهام، بل ليضعوا الإسلام والمسلمين تحت دائرة الضوء، ونقل “حوار الأديان” من الصالونات الثقافية إلى الدائرة السياسية تحت المظلة الأممية.

عرف التاريخ الحديث نماذج ومستويات من الحوار الأديان ثقافيا واجتماعيا قبل أن تلبس اليوم الجبة السياسية أوغدا البزة العسكرية – لا قدر الله-.

نذكر منها:

• تجربة اللجنة المصرية للعدالة والسلام / مصر

• تجربة الهيئة الإنجيلية – مصر

• تجربة الفريق العربي الإسلامي المسيحي للحوار

• تجربة المنتدى العالمي للدين والسلام WCRP “تجربة الحوار من أعلى”

• تجربة المجلس العالمي للمسيحيين واليهود ICCJ

• تجربة جمعية التسلح الخلقي

• تجربة الحوار العربي/الأوروبي الشعبي – “تجربة الحوار من أسفل”

تجارب اكتشف معها العقلاء زيفها وعقمها، عندما وجدوها لا تختلف كثيرا عن المؤسسات التنصيرية رغم التضليل الخارجي المتخفي خلف الشعارات، فالحوارات التي دارت وتدور بين علماء الإسلام ومفكريه وبين ممثلي كنائس النصرانية الغربية، تفتقد لشروط الحوار 3 :

1. الاعتراف المتبادل، فهو حوار الطرشان. موقف الآخرين من الإسلام والمسلمين هو موقف الإنكار، وعدم الاعتراف أو القبول، فلا الإسلام في عرفهم دين سماوي، ولا رسوله صادق في رسالته، ولا كتابه وحي من السماء، حتى لتصل المفارقة في عالم الإسلام إلى حيث تعترف الأكثرية المسلمة بالأقليات غير المسلمة، على حين لا تعترف الأقليات بالأغلبية!

2. معرفة الإسلام لا ليتعايشوا معه وفقاً لسنة التعددية في الملل والشرائع، وإنما ليحذفوه ويطووا صفحته بتنصير المسلمين!

3. وهم لا يريدون الحوار مع المسلمين بحثاً عن القواسم المشتركة حول القضايا الحياتية التي يمكن الاتفاق على حلول إيمانية لمشكلاتها، وإنما ليكرسوا –أو على الأقل يصمتوا- عن المظالم التي يكتوي المسلمون بنارها، والتي صنعتها وتصنعها الدوائر الاستعمارية التي كثيراً ما استخدمت هذا الآخر الديني في فرض هذه المظالم وتكريسها في عالم الإسلام. فحرمان كثير من الشعوب الإسلامية من حقها الفطري والطبيعي في تقرير المصير واغتصاب الأرض والسيادة في القدس وفلسطين والبوسنة والهرسك وكوسوفا والسنجق وكشمير والفلبين .. إلخ .. إلخ .. كلها أمور مسكوت عنها في مؤتمرات الحوار الديني.

مواقف

أما مؤتمر “حوار الأديان” سياسيا أفرز مواقف متعددة أهمها:

1. امتعاض في أوساط عربية وإسلامية لدى الإعلان عن مشاركة بيريز البارزة.

2. مقاطعة قيادات دينية وعلماء مسلمين أعمال الاجتماع رفيع المستوى ووجّهوا إليه انتقادات، بالأخص على خلفية ما تخلله من تطبيع غير مسبوق برأيهم مع الجانب الصهيوني.

3. إصدار المؤتمر القومي العربي والمؤتمر القومي- الإسلامي والمؤتمر العام للأحزاب العربية بيانا ندد فيه بمؤتمر “حوار الأديان” ومما جاء فيه: “نطالب الأنظمة العربية والإسلامية بمقاطعة لقاء حوار الأديان الذي لا يهدف إلا إلى تمكين أحد قادة الكيان الصهيوني من الظهور بمظهر المحاور والمتسامح إمعاناً في التطبيع معه. فما يجري في القدس الآن، وما يقوم به الجيش الصهيوني من إعداد لحروب عدوان جديدة أكبر وأخطر مما ينقله الإعلام ومما يصار إلى الرد عليه عربياً وإسلاميا ورأياً عاماً عالمياً.”

وبعد

مؤتمر مضمونه سياسي يحضره طرفان: طرف آمر وطرف منفذ، وإن اكتسى بالجبة الثقافية وظهر بسحنات الحوار الثقافي الهادئ… المبادر فيه الطرف المنفذ، بينما الآمر جلس مستمعا كالحمل الوديع (القزم الصهيوني) المتأذي من أنياب “الذئب الجريح” (العملاق العربي).

مؤتمر تبادل خلاله الطرفان رسائل تحت رعاية أممية، يهدف إلى إعطاء دفعة جديدة لحوار الأديان، اجتمع فيه مهندسو القرارات لإخراج أسطوانة جديدة يمارس تحت إيقاعها زعماؤنا العرب استبدادهم ويدقوا طبول حرب جديدة تحت مسميات جديدة كنظيراتها السابقة: مكافحة الإرهاب، الحكامة الراشدة… واليوم ثقافة التسامح وحوار الأديان.

مؤتمر أفرز من جديد توصيات ومقترحات القزم الصهيوني ملزمة للعملاق العربي: عالم عربي.. صاحب المواقف المترهلة والذرائع الواهية!!

وفي الختام فمؤتمر “حوار الأديان” هو مؤامرة على الأديان، صنعها الصمت العربي.


[1] حسب جمال خاشقجي رئيس تحرير صحيفة الوطن وعضو الوفد المرافق للملك السعودي.\
[2] رئيس الوزراء الفرنسي السابق المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي في مؤتمر نيويورك نونبر 2008.\
[3] كتاب “مأزق المسيحية والعلمانية في أوربا” (ص 5-14) للدكتور محمد عماره.\