ما يمنعنا أن نعيش في مغرب أفضل؛ مغرب ينعم بالخير، والعدل، والأمن، والعيش الكريم، والعمران الأخوي، والاستقرار الاجتماعي، والحياة المتخلقة، والعدالة الاجتماعية، والتقدم الحضاري..؟

هل السبب كون المغرب منطقة بركانية؟ أم هو صحراء فقيرة؟ أم هو معدوم الطاقات البشرية، أم هو منغمس في الصراعات القبلية والعصبيات المقيتة؟ أم ماذا؟

من اطلع على تقارير الخبراء عن ثروات المغرب وموقعه الاستراتيجي وكفاءة رجاله سواء كانوا يداً عاملة أو عقولاً متفوقة، عَلم يقيناً أنّ ما يعيشه المغرب من بطالة، واحتقان اجتماعي، وفقدان أمل، واكتئاب أكثر من عشرة ملايين من المغاربة، وتقهقر على جميع المستويات، لا يتناسب مع حجم ثروات البلاد.

فأين تذهب إذن ثروات المغرب!!؟ وما سبب كلّ هذا الإخفاق!!؟

توسّعت وسائل الإعلام ـ المكتوبة منها خاصّة ـ في ذكر العلل على قدر ما تسمح به الخطوط الحمراء وعلى قدر حريتها وموضوعية تفكيرها، أذكر منها الآتي:

ـ حكومة موظّفة وبرلمان شكلي.

ـ تطويع الأحزاب وتوظيفها.

ـ عدم استقلالية القضاء.

ـ تغليب التعليمات على القوانين.

ـ تزوير الانتخابات.

ـ انتشار الرشوة والمحسوبية.

ـ الأنانيات والجشع.

ـ تبذير المال العام.

ـ سوء التدبير والإدارة في كثير من القطاعات.

ـ سوء توزيع الثروات.

ـ سرقة المال العام.

ـ التساهل مع التهريب بكل أنواعه.

ـ عقد الاتفاقيات التي لا تخدم الطبقة الضعيفة والمتوسطة على قدر ما تخدم

المستفيدين من الخزينة.

ـ غياب إرادة حقيقية وصادقة في التغيير والإصلاح.

ـ التخطيط بعيداً عن انشغالات المغاربة اليومية وأولوياتهم.

ـ الاستفراد بالرأي وعدم إشراك المغاربة في الاختيارات الكبرى.

ـ تقديم المصالح الشخصية على المصالح الجماعية.

ـ تقديم المصلحة الخاصة على المصلحة العامة.

ـ قمع المبادرات الحرّة.

ـ غياب سياسة متوازنة متناسقة بين القطاعات كقطاعي التعليم والتشغيل مثلاً.

ـ الاستخفاف بالمصالح الجماعية، وإهمال المؤسسات العمومية.

ـ الفشل في الحدّ من البطالة أو التقليص منها.

ـ ضعف المراقبة والمحاسبة لسير المؤسسات أمام أمواج الرشاوي والغش والنفوذ.

ـ كثرة الكلام وقلة العمل.

ـ تهاوي رمزية رجال الأمن لما ثبت في حقّ بعضهم من المخالفات.

ـ لا أخلاق للحياة السياسية.

ـ فقدان الثقة في الأحزاب يعكسه العزوف عن المشاركة السياسية.

ـ استياء المغاربة من الأداء الحكومي والبرلماني لعدم تحسّن الأحوال المعيشية

اليومية.

ـ نهج سياسة الترقيع والاقتصار على تزيين الواجهة دون الإصلاح الشامل

والعميق للأوضاع.

ـ التضييق على الحريات العامة.

ـ قمع القوى الاحتجاجية، كانت طلابية، أو عمالية، أو لأصحاب الشهادات.

ـ الانفلات الأمني.

ـ الفشل في قهر مهربي ومروجي المخدرات؛ بائعي السموم وقاتلي الشباب

رجال الغذ.

ـ فشل سياسات التعليم وتزايد العزوف عن الدراسة، مما ينبئ بمستقبل قاتم.

ـ فشل مشاريع التشغيل.

ـ الفشل في تأهيل كثير من القطاعات.

ـ الترويج للثقافة المصلحية والوصولية لا تقرير المبادئ والقيم.

ـ تهميش دور العلماء الحقيقي وإخضاعهم للوصاية المخزنية.

ـ نسج الديمقراطية على مقياس المستفيدين من الوضع الحالي.

ـ عدم تطبيق القانون على الجميع.

ـ اعتماد المقاربة الأمنية في حلّ أغلب المشاكل.

ـ فقدان الأمل في الإصلاح.

…..

بمفهوم المخالفة يمكن أن يستشفّ ممّا أثير في وسائل الإعلام بشكل عام وما لم يثر أنّ المغاربة يطالبون بإصلاح حقيقي ملموس يرون أثره في حياتهم المعيشية، تتجلى معالمه في قضايا واضحة.

ومن بين هذه القضايا يمكن أن نعدّ الآتي:

ـ تنظيم الشأن العام.

ـ تطبيق القانون على الجميع.

ـ استقلال القضاء ونزاهته.

ـ تخليق الحياة العامة.

ـ التثبيت للمبادئ والقيم.

ـ التمكين للديمقراطية الحرة بدون قيد أو ليّ أو تهميش أو إقصاء.

ـ إيجاد مؤسسات حقيقية فاعلة مستقلة.

ـ عدم التضييق على الحريات العامة، سواء كانت فردية أو جماعية.

ـ تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.

ـ إعادة النظر في التدبير والتسيير والتوزيع والتنظيم والتخطيط والرقابة.

ـ إصلاح الجهاز الأمني.

ـ الاهتمام بانشغالات الشعب المغربي.

ـ الإرادة الصادقة والعزيمة النافذة على التغيير.

ـ إشراك المغاربة في الاختيارات الكبرى.

ـ اعتماد نظرة متكاملة وشاملة وعميقة لدراسة الأوضاع.

ـ الأمانة والنزاهة والوضوح والشفافية.

ـ محاربة الرشوة والمحسوبية وكلّ الانحرافات.

ـ العمل على توفير الشغل.

ـ تحرير العلماء من وصاية المخزن.

ـ إعادة تأهيل كلّ القطاعات…إلخ.

هذا من بين ما يطالب به الشعب المغربي، أمّا جماعة العدل والإحسان فإنّها تشارك المغاربة في كل تمنياتهم وتزيد على ذلك فتطمح إلى وضع أفضل؛ وضع يكرّم فيه الإنسان من الناحية العدلية بتسخير الدنيا وخيراتها له، كما أرادها الله عزّ وجل، دون أن تحجبه من الناحية الإحسانية عن الحكمة الربانية والمقصد الأسنى الذي خلق من أجله وهو عبادة الله تعالى والتقرب إليه، قال الله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِي، إذن فهي سعادة الدنيا والآخرة؛ سعادة دنيوية وضرورة معاش تستوجب بذل الجهد للكشف عن ثروات البلاد وحسن استعمالها و استغلالها، وسعادة أخروية تستوجب طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، عملاً بقوله تعالى: وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا.

وهي سعادة لا يمكن تصورها على المستوى العدلي دون العمل على المستوى الإحساني، وإلاّ لجعلنا سعادة الجسد والنفس بمعزل عن سعادة القلب والروح. وقد يكون الإحسان شرطاً لتحقيق العدل كما جاء في الآيات الكريمات الآتية: قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ، وقال سبحانه وتعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ، وقال عزّ وجلّ: وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ، وقال الله تعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. كما أنّ العدل هو شرط لتحقيق الإحسان؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كاد الفقر أن يكون كفرا وكاد الحسد أن يغلب القدر” 1 .

هذه سنة الله في الذين آمنوا، أمّا سنته عزّ وجل في الذين كفروا فإن الله يوسعوا لهم في الرزق إلى حين. قال الله تعالى: وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِي(52)فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ(53)فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ(54)أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ(55)نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ(56)قال الإمام قتادة رحمه الله في تفسير الآية 56: “مكر والله بالقوم في أموالهم وأولادهم، يا ابن آدم فلا تعتبر الناس بأموالهم وأولادهم ولكن اعتبرهم بالإيمان والعمل الصالح” 2 ، وقال عز وجل: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَقال الإمام ابن جرير رحمه الله في سياق معنى هذه الآية؛ أي: نزيدهم على وجه الإملاء والترك لهم في عتوهم وتمردهم 3 . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، و إن الله يعطي الدنيا من يحب و من لا يحب، و لا يعطي الإيمان إلا من يحب” 4 .

وللقارئ في أدبيات جماعة العدل والإحسان ما يحلّ إشكالاته حول حسن الجمع بين الدنيا والآخرة، وبين العدل والإحسان، ويشبع رغبته في البحث عن الأمل وعما يريحه ويبشره بغد أفضل.


[1] شعب الإيمان، باب في الحث على ترك الغل والحسد، رقم 6612.\
[2] تفسير ابن كثير 3/330.\
[3] جامع البيان عن تأويل آي القرآن 1/165.\
[4] المستدرك على الصحيحين، كتاب الإيمان، رقم 94.\