شح الماء وقل الغذاء، نفذ الدواء وانقطع الكهرباء… الإنسانية مشغولة مع جديد أوباما ونووي إيران وتوأمة الباندا!

دمع الطفل وصاح الشيخ، ولولت الثكلى واستغاثت الأونروا… العالم منهمك مع حوار الأديان في نيويورك ومأسور مع عالم السينما في مراكش!!

خيم الموت وحصد الأرواح، ساد الجوع وأنهك الأجساد، اشتد الحصار وقتل المئات… المنتظم الدولي يفكر في الأزمة الاقتصادية وتداعياتها المالية!!!

مليون ونصف مليون إنسان في غزة المحاصرة يموتون ببطء شديد على مرأى ومسمع من العالم المنشغل بقضايا أكبر وأهم وأخطر من الإنسان.

وحشية الإنسانية الجديدة.. عله الوصف التقريبي لهذا العقاب الجماعي لشعب أعزل ارتكب “جرائم” كثيرة، بدأت مع صموده الأسطوري طيلة 60 سنة ضد الاحتلال الصهيوني ووصلت إلى اختياره الديمقراطي حركة حماس لقيادته.

وحشية فاقت كل تصور وخيال، يحار فيها الإنسان ويطرح معها ببساطة سؤالا ساذجا: هل من يحكم هذا العالم أناس أم أننا أمام وحوش حقيقية لاحمة ومفترسة، لا رحمة فيها ولا قلب لها، ولا حس ولا لين ولا معنى؟.

لا أظن أن وصف الإنسانية الجديدة بالوحشية مبالغ فيه، ولا مجرد توظيف لفظي لا دلالة له، ولا نابع عن انفعال عاطفي في لحظة غضبية، بل هو توصيف حقيقي لواقعها الغريب. فأن ترعى المنظمات الدولية تجارة الأطفال وتفتح سوق نخاسة النساء والعبيد وتتاجر في السلاح والمخدرات وتقود الجريمة المنظمة واحتلال الشعوب وتبارك القتل والدمار فإننا أمام وحوش حقيقية في صورة آدمية.

بل إنني أدعي أن وحشية الإنسانية اليوم هي أشد فتكا من وحشية الحيوان نفسه، إذ المعروف أن الحاجة للغذاء هي التي تدفع الأسد والنمر إلى الافتراس وهي حاجة خلقية وضعها الخالق في طبيعة هذا الحيوان، أما إنسان اليوم فقد مسخ فطرته الآدمية بالجشع والطمع والسيطرة والقتل والتدمير. بل إن مقطع الفيديو المنتشر على شبكة الإنترنت للفهد الذي رحم صغير القرد واحتضنه وحن عليه بعد فقد الأخير لأمه، لتؤكد تفوق وحشية إنسانية القرن الواحد والعشرين.

كلمة إلى “الإنسانية”

لن نطلب منك أيها المنتظم الدولي التدخل لرفع الحصار، وهل يطلب من الذئب رعاية الغنم؟!، بل حافظ على تفوقك الوحشي هذا وأحكم جيدا حلقات الحصار على غزة العزة، ولكن من فضلك لا تتشدق بعد اليوم بحديثك المكرور المهجور عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، ولا تنبس ببنت شفة عن التعايش والحوار والإخاء. فأنى لرعاة الوحشية أن يرعوا حقوق الإنسان.

كلمة إلى حكام العرب والمسلمين

ولرأس بلائنا ووصمة العار فينا، استمروا في تخاذلكم وابحثوا عن الحلول السهلة والوسطية والواقعية، استجدوا عطف الصهاينة والأمريكان وحملوا المسؤولية للاتحاد الأوروبي كي ينهض، أما أنتم فحافظوا على جلستكم المريحة على كراسي الحكم الدافئة، لا أدري في أي كتاب قرأتم ولا مدرسة تعلمتم إدارة الحكم وصناعة الحياة. فأنى لحكام الهزيمة أن يقودوا قافلة النصر والتحرر.

كلمة إلى الشعوب المسلمة

سجل جميع المتتبعين تراجع التأييد والدعم والاحتجاج وسرعة التفاعل وفاعلية الضغط الشعبي. الضغط لا يفيد.. من قال ذلك؟ اسألوا الفلسطينيين. الإكراه الاجتماعي يشغلنا.. نعم ولكن، لك لقمة خبز وجرعة ماء ومصباح إضاءة، أما إخوانك في غزة فلا. والتخويف الأمني يرهبنا.. أكيد، وأكيد أيضا أنك لن تًقتل وأكيد أن ضربة الجلاد غير قاصمة لأن يده ترتعش، وأكيد أن لك في كل ذلك أجرا وكل ذلك عليك واجب. وأنى تكون للأخوة حقيقة دون التضامن الفعلي.

كلمة من غزة

والله إن المرء ليخجل أن يقول كلمة بين يدي جهادكم وصمودكم ورجولتكم وشهامتكم وكبريائكم، فمنكم نتعلم الكلمات ومنكم نتربى على الثبات ومنكم نستمد الصمود.

دمعتُك يا أم الشهيد زخمنا الجهادي والنضالي، وآهاتُك يا شيخنا في القطاع تحفزنا لإعداد أدوات النصر، وأنينُك يا طفل غزة يحملنا مسؤولية كل فلسطين، ومقاومتُك يا فصائل التحرير تعلمنا فن تحويل موازين القوة.

ظلام ليلكم ونور وجوهكم، صمودكم وآهاتكم، صبركم ودموعكم، أفراحكم وآلامكم، كل ذلك منه نتعلم وبه نعتز وعنه نتحدث. حقا إنكم شعب عظيم لا يتلقى الكلمات بل يرسم على الصخر معنى الحياة ومعادلة الكرامة.

لكم الله يا أهل غزة فهو خير الناصرين، وأنى للنصر أن يولد دون آلام المخاض.