في عالم القرن الواحد والعشرين تكثر التّحليلات عن العمالقة الذين سيرثون الولايات المتّحدة الأمريكية في زعامة الوجود البشري بتطوّراته المنقطعة النظير، لذلك يضع المجتهدون في هذا المجال معايير يقيّمون بها العوامل التي تجعل دولة أو تكتّلا بشريا ما يتجاوز الزعامة الأمريكية الحالية بما لها وما عليها، وأغلب التحليلات تجمع على أنّ الاتحاد الأوروبي والصّين والهند من أقوى المرشّحين لخلافة شرطيّ العالم، وبالتّالي قيادة هذا الأخير على مقاسات محكومة بين استمرار واقع تبدّلت شخوص وجغرافيا اللاّعبين فيه، أو إبداع واقع جديد نضجت شروط ظهوره، كانت أهمّ الأماني فيه أن يكون لصالح البشرية لا ضدّا عليها. هنا يطرح السؤال الجوهري: هل سقوط الولايات المتّحدة بات وشيكا؟ أم أنّ الحديث عن ذلك مجرد أحلام لن تصمد أمام قوّة الفعل الأمريكي المترسّخ في الواقع العالمي؟ مضافا إلى ذلك سؤال تقصّي المعيار الأساسي لتقدّم الأمم وتجاوز بعضها للبعض الآخر. إذا بحثنا في الأجوبة الجاهزة للسّؤال السابق مسلّحين بفكرة نسبية الجواب من مطلقيته تستوقفنا أجوبة مقنعة شيئا ما في جانب، ونفس الشيء يحدث في الجانب المقابل. بمعنى أنّ سقوط الولايات المتّحدة مرهون بتخبّطها في الوحل العراقي والأفغاني، ذلك التخبط يستغلّه خصومها بتسريع وتيرة النّمو والتطوّر الاقتصاديين، والعمل على إغراق الزعيم العالمي أكثر فأكثر متوسّلين بسياسة الاستقطاب المفتوح الموازي لضخامة الإنتاج من حيث المنافسة الاقتصادية، ودبلوماسية التعاون في محاربة عدوّ الإنسانية المشترك ممثّلا بالإرهاب، مقابل اقتسام كعكة الخام المبحوث عنه عملا بقولة “المقربّون أولى بالمعروف”. وهنا تخسر أمريكا لأنّ التّحدّي من جانبين قويّين: محارب ومسالم. ومن ثمّة يخلو الجوّ للخصوم ليفرضوا تصوّراتهم عليها وبالتّالي التّحكم في استراتيجيتها ومخطّطاتها رويدا رويدا إلى أن يُنتزع الكرسي من شرطيّ طال به أمد الزّعامة.

أمّا الجواب المناقض للجواب السّابق -كما سبقت الإشارة لا يقل إقناعا من سابقه- يرى أن قدرة الحضارة الغربية -ممثّلة بأمريكا- على نقد ذاتها ومساءلة نفسها يعطيها نفسا متجدّدا من أجل الاستمرار في الزّعامة على عكس العملاقين الصين والاتحاد الهندي اللذين لم تثبت التّجربة بعد مرونتهما وتكيّفهما المستمرّ أمام إكراهات المنافسة العالمية الشّرسة الّتي لا ترحم الأنظمة المغلقة، والحديث عن الاتحاد الأوروبي لا يعدو حديثا عن قطب يحاول انتزاع المكانة التّاريخية المفقودة من أمريكا، مادام هذا الغرب لا تحكمه إلاّ لغة المصالح وبالتالي لا مانع من تبادل الأدوار.

ممّا سبق يتبيّن لنا أنّ المعيار الاقتصادي هو عنوان تقّدم الأمم والناتج عن استغلال كافّة الطّاقات البشرية والطّبيعية. ما يهمّ في هذا التحليل للواقع الإنساني هو مساءلة إنساننا المسلم عن سرّ انحطاطنا المستمرّ الذي طال عليه الأمد، وهنا أطرح أسئلة لعلّي أجد إجابات شافية لها في تأمّلاتي لواقع غير مرغوب فيه:

ـ ما هي العوامل التّاريخية لانحطاط المسلمين؟

ـ لماذا تعطّلت طاقاتنا البشرية؟ لفشل السياسات التعليمية للدول الإسلامية؟ أم لحبّنا المترسّخ للكسل؟

ـ لماذا لا نستفيد من ثرواتنا الطّبيعية الّتي حبانا الله بها؟ لسوء تدبيرنا لها؟ لسكوتنا عن حقّنا في ثرواتنا؟ أم للفساد الذي ينخر جسمنا السّياسي؟

ـ لماذا يكون المسلمون دائما ضحيّة للحضارة الغربية؟ لضعفنا وقوّتهم؟ أم لشيء فينا لا يريدون التّعايش معه؟

ـ أين تتجلّى أزمة الحضارة الغربية؟ وما هو البديل الذي يطرحه المسلمون كي تتجاوز الإنسانية أزماتها وويلاتها؟

انحطاط المسلمين: إفرازات التّاريخ

لم يكن الانحطاط الفظيع الذي يعيشه المسلمون اليوم وليد لحظته، بل هناك جذور تاريخية عميقة ترث الكسل والقعود والانتظارية المميتة أبا عن جد. ومن خلال استقرائنا للتّاريخ الإسلامي العامّ نجد تكامل ظروف ذاتية وموضوعية، داخلية وخارجية، حالت دون حفاظ المسلمين على مكانتهم الرّيادية بين أمم الأرض.

ـ الظروف الذاتية للانحطاط الإسلامي:

* ثقافة “انقيادية” تلقّن الاستسلام للأمر الواقع تجنّبا للفتن التي قد تنجم عن المطالبة بالحقوق الطبيعية للإنسان (الحق في التعلّم، الحقّ في ممارسة السلطة، حرّية الكتابة والتعبير…).

* ذات تتعامل في المحيط مع المشارك لنفس الأفكار والمعتقدات، وتعمّق الخلاف مع المخالف حتّى لو كان الخلاف حول الاقتناع بالنظام السّياسي القائم من عدمه. ونتيجة لذلك يستمرّ السّياسيون الحاكمون في بذخهم مع المناصرين لهم، ويولّد ذلك إحساس المعارضين لهم بالعزلة والتهميش ممّا يحدث انقسامات في مجتمعات دينها الإسلامي يحارب التّعصب للذات وللحكام.

* عدم الاهتمام بتعليم الفئات الشعبية الواسعة والعريضة والّتي ترزح تحت وطأة التّجهيل والتّفقير والتّهميش.

ـ الظروف الموضوعية لانحطاط المسلمين:

* بيئة بدوية يعتمد ازدهار فلاحتها على نزول الأمطار، وتوالي السنوات العجاف يحول دون تطوير القطاع الزراعي والحفاظ على التّماسك الاجتماعي المنشود.

* الإكراهات الخارجية المؤثرة على سياسات السلطة العلمية ( هجمات المغول، الحروب الصليبية، الاستعمار الحديث، الحرب على الإرهاب) حالت دون تحقيق المسلمين التكافؤ ضد الآخر القويّ ممّا يجعل الهاجس العسكري والأمني في سلّم أولويات الدول “الإسلامية”، مع غضّ الطرف عن المشاكل الاقتصادية والتّعليمية والثّقافية لتخسر الأمّة شخصيتها المستقلّة المشكّلة لوجودها ووحدتها.

كثير من الأسئلة بقيت عالقة حول موضوع انحطاط المسلمين والّتي ستكون موضوع كتاباتنا المقبلة بإذن الله سبحانه وتعالى، وأودّ القول بأنّ الحلّ الأنسب ليتجاوز المسلمون تخلّفهم وانحطاطهم يكون من مدخلين أساسين، بتفعيلهما ستحرّك الكثير من المياه الراكدة في واقع جامد، مدخل سياسي بتغيير الأنظمة القائمة في العالم الإسلامي بأنظمة حكم شرعية… من خلالها يعتبر الحكّام الحكم تكليفا وليس تشريفا، ومدخل تربوي تعليمي بإصلاح حال العلماء المسلمين لينطقوا بالحقّ ولا يبيعوا دينهم بدنياهم، وكذلك تعليم الفئات الشعبية الواسعة من أبناء المسلمين والّذين يغادرون الأقسام الدّراسية في سنّ مبكّرة.