أن يتم إلقاء القبض على مواطن بتهمة الاعتداء على ممتلكات الدولة والسرقة مع سبق الإصرار والترصد فهذا ما يدخل ضمن مهام رجال الأمن في كافة أنحاء العالم.

وأن يتم إيداع هذا المواطن السجن بعد عرضه على القضاء ليقول كلمته فيه فهذه هي النتيجة الطبيعية لكل من زلت قدماه عن الصراط السوي أو دفعته الحاجة والضرورة لإباحة المحظور وارتكاب المحرم.

لكن أن يتم تجريد هذا المواطن من ثيابه بعد حبسه وسلخه ليجبر على الجلوس عاريا أمام زملائه بزنزانة شديدة القر وتقيد يده مع قضبان الحديد بعد أن يتناوب على تعذيبه عدد ليس بالهين من حراس السجن وموظفيه ليلفظ أنفاسه الأخيرة تحت وطأة الإحساس بالاحتقار والشعور بالذل والإهانة، فهذا ما لا يقبله عقل ولا يستسيغه فكر حر ولا يتسع له إلا خيال جلاد يحن إلى سنوات رصاص وعهود إبادة واختطاف يسعى الجميع لطي صفحاتها النتنة.

صورة سوداء لسجون مسودة

الصورة التي نشرتها “الجريدة الأولى” بالعدد 142 وتداولتها بعدها الصحف المغربية طوال الأسبوع الماضي لأحد سجناء الحق العام بالسجن المدني لمدينة فاس مجردا من كل ثيابه ومكبل اليدين قبل أن يرحل إلى عالم الموتى حركت منظمات وجمعيات وهيآت حقوقية وسياسية وأثارت حفيظة كل من سكت لشهور عدة عن أحوال السجون ووضعية السجناء بالمغرب، وفضحت الواقع المزري لمؤسسات سجنية تحبل بمشاكل لا تعد ولا تحصى.

فسجون المغرب لا تتعدى 60 سجنا، وهذا العدد الضئيل يحتضن حوالي 80 ألف سجين، يعانون حسب آخر تقرير لمرصد السجون المغربية من انعدام الرعاية الصحية وسوء التغذية وقساوة المعاملة وتفشي ظاهرة الرشوة والزبونية وباقي أنواع الفساد الإداري، وانتشار بيع المخدرات بكافة أنواعها، والجمع بين سجناء الرأي وسجناء الحق العام في زنزانة واحدة، وعدم احترام المساحة المخصصة لكل سجين إذ لا تتعدى هذه المساحة المتر ونصف المتر في أحسن الأحوال عكس ما تقتضيه المعايير الدولية التي تحدد المساحة في تسعة أمتار لكل سجين مما يعني اكتظاظا مخيفا. وهذه المشاكل وغيرها جعلت من سجون المغرب بؤرة سواد تعج بانتهاكات حقوق الإنسان، وخزان بؤس يقفز على كل ما هو قانوني ليعيد إنتاج الإجرام عوض إعادة تأهيل وإدماج السجين في المجتمع من جديد.

فرار وإصلاح وعقاب جماعي

أدى فرار تسعة من معتقلي ما يسمى بـ: “السلفية الجهادية” في أبريل الماضي من السجن المركزي بالقنيطرة إلى إحداث تغيير جذري بمديرية السجون في المغرب، فبعد أن كانت تابعة لوزارة العدل من الناحية التنظيمية والمالية أصبحت تتبع بشكل مباشر للوزير الأول، وتم تعيين المدير السابق للأمن الوطني -حفيظ بنهاشم- على رأسها، وهو ما قرأ فيه المتتبعون لهذا الشأن عودة قوية للمقاربة الأمنية في تسيير مرفق يحتاج لنجاح الإصلاح فيه إلى تغييب الهاجس الأمني والقمعي عنه وتغليب الجانب الحقوقي والإنساني به.

فرار تسعة سجناء من أحد أكبر سجون المملكة وتعيين رجل أمن على رأس المديرية المكلفة بإعادة تأهيل وإدماج السجناء سيخلف مع مرور الوقت وتوالي الأيام انتكاسة وتراجعا في كل المكتسبات التي حققها معتقلو الرأي على وجه الخصوص بفعل نضالاتهم السابقة وسيؤثر سلبا على حرية باقي المعتقلين، وسيجهز على آمال المتطلعين لرؤية سجون إنسانية بالمغرب، إذ شهدت هذه السنة موجة من عمليات تنقيل السجناء نحو السجون البعيدة عن مدنهم وذويهم، وعودة قوية لسياسة الزنازن الانفرادية التي تمارس فيها كل الوسائل التعذيبية، وتنامي ظاهرة الانتحار داخل أسوارها، وازدياد نسبة المختلين عقليا بين أركانها، وتوتر العلاقة المباشرة بين سجناء تشبعوا بأفكار حقوق الإنسان وبين حراس ومأمورين أمروا بالابتعاد عن لغة الحوار، وهو ما ترجمته وتترجمه كثرة الإضرابات عن الطعام وتنامي وتيرة الاحتجاج داخل هذه السجون.

كلمة لا بد منها

إن غياب المقاربة التأهيلية للسجناء وانغلاق مديرية السجون المغربية على نفسها، وإقصاء منظمات المجتمع المدني وكافة الهيآت الحقوقية والسياسية من الدلو بدلائها في عملية إصلاح المنظومة السجنية بالبلد، وإبعاد كل الفرقاء عن المشاركة في التأسيس الفعلي لهذا الإصلاح، لهو العنوان الأبرز لبركان غضب “سجني” تلوح حممه الحارقة في الأفق.

وإن قتل مواطن في غياهب السجون بعد تعذيبه وتجريده من ثيابه وكرامته وحريته لجريمة يندى لها الجبين فلا يستطيع معها اللسان إلا المطالبة بتقديم المسؤولين عنها إلى محاكمة عاجلة ليذوقوا وبال أمرهم.

وإن سجونا يدخل إليها النزلاء ليخرجوا منها بعد حين من الدهر خبراء في فنون الإجرام، أو حاملين لعاهات ترافقهم بقية العمر، لهي سجون تستحق لقب “أبو غريب” و”غوانتانامو” من غير منازع أو منافس.

تلك هي العبارات والآراء والتعليقات التي فجرتها صور سجين فاس المعذب، يتداولها الشارع المغربي بكثير من المرارة والاستياء.

مرارة مما آلت إليه أوضاع سجون العهد الجديد.

واستياء من كل الشعارات الفضفاضة المرافقة له.