من يكتب؟

الذي يكتب هو من له قضية يريد أن تصل إلى الناس، له رسالة يسعى لتبلُغ إلى من يرغب في بلوغها لهم، يكتب من وُفق ليُدون اسمه في ديوان الخالدين.

لماذا نكتب؟

– نكتب لنبلغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم النبأ العظيم. ولا نكتب ليقال كتبوا. وقد قيل.

– نكتب استجابة للنداء الرباني يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط، ولا تجتمع القومة لله والشهادة بالقسط إلا فيمن كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. و”الشاهد هو المُخبر، فإن أخبر بحق فهو شاهد عدل مقبول، وإن أخبر بباطل فهو شاهد زور” 1 .

– نكتب لندعو الناس إلى الله، ولا ننسى أن الدعوة إلى الله أشرف وظيفة على الإطلاق. كيف وقد اختار لها الحق سبحانه أفضل خلقه. ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله….

– نكتب لنذكر أنفسنا وغيرنا بالله وبأمر الله وبوعده ووعيده، قال الله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ.

– نكتب من الحاضر، حاضر الابتلاء والبناء، إلى المستقبل، غد العزة والتمكين.

– نكتب لنحارب العجز والقعود والانحطاط واليأس والتأفف والعنف ودين الانقياد.

– نكتب في “الطريق المؤدية إلى الله عز وجل في سياج الشريعة المطهرة” 2 بالرفق والرحمة والمحجة اللاحبة.

– نكتب لتنفعنا الكتابة في الآخرة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته، علما علمه ونشره” 3 .

قال الشاعر:وما من كاتبٍ إلا ستبـقى ***كتابتـه وإن فنيت يــداه
فلا تكتب بكَفك غير شيءٍ ***يسُرك في القيامة أن تراه

كيف نكتب؟

– نكتب بنية التقرب إلى الله ونيل رضاه وطلب وجهه الكريم. ذكر الإمام أحمد رضي الله عنه في مسنده أن أم سفيان الثوري رضي الله عنه قالت له (أي لابنها سفيان): “يا بني إذا كتبت عشرة أحرف فانظر هل ترى في نفسك زيادة في خشيتك وحِلمك ووقارك، فإن لم تر ذلك، فاعلم أنها لا تنفعك ولا تضرك”. 4

– نكتب بأسلوب قرآني نبوي جامع بين المبتدأ والخبر: الله والآخرة، من هنا إلى هناك، نخاطب الإنسان المخلوق وهو سائر إلى مولاه لا محالة {ثم إلينا ترجعون}

– نكتب بأسلوب مُشوق مُشرق لا تكلف فيه ولا تَصنع، ونخاطب الناس بما يفهمون.

– نكتب الكتابة الهادفة القاصدة بعد المطالعة والتدوين والمحاضرة والمذاكرة والمحاورة، (تجنب الرأي الفطير).

– نختار موضوعات مناسبة لما نحن فيه، تنسج على منوال نظريتنا في التربية والتغيير. ولا نعيش عالة عل من سبقنا، فلهم ظروفهم ولهم قضاياهم.

– قال الأخ المرشد: “نعلم ونتعلم، نربي ونتربى، نخطب ونكتب بكلمة الحق، بكلمة القرآن، ببيان النبوة بالترجمة البليغة المؤدية إلى المقصود القرآني النبوي.

تكتب وتخطب بماذا؟ تترجم عن ماذا أيها المتكلم؟ تردد كلام السابقين بغير فقه؟ تعيش عالة على موائدهم؟ تفكر بعقولهم لزمان غير زمانهم؟” 5 .

– الكاتب منا مفهِمٌ لغيره، مفحِمٌ لأعدائه، محاجِجٌ بقوة البيان وجمال البلاغ وحسن الخُلق ودوام البِشر. “إن المتكلم إذا أراد أن يخبر المخاطَبَ بأمر عجيب ينبغي الاعتناء به وإحضار الذهن له” 6 .

– نكتب بعد الاستخارة والاستشارة، حتى لا نكتب من أجل الكتابة، حتى لا تزل بنا الأقدام فنتحول قوالين مرائين. دُنياويين ليس إلا.

– يكتب أحدنا وهو يحذر من حظ نفسه وهواه، ويستعيذ بالله من شر قلمه وجوارحه وعمله. روى أبو داود والترمذي رحمهما الله عن شكل بن حُميد رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله: علمني دعاء، قال: “قل: اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي، ومن شر بصري، ومن شر لساني، ومن شر قلمي، ومن شر منيي”.

– نكتب من محراب العبودية والدعاء وطلب الزلفى عند المولى جل وعلا، حتى يكتبنا عنده من المحسنين المجاهدين. ذكر ابن كثير رحمه الله عن ابن قيم الجوزية رحمه الله أنه “كان ملازما للاشتغال بالعلم ليلا ونهارا، كثير الصلاة والتلاوة، حسن الخلق، كثير التودد، لا يحسد ولا يحقد” 7 .

– نحاول أن نكتب، محاولة بعد محاولة، نتعلم ونتجاوز، علها تتداركنا العناية الربانية فنكون القطب الذي يستدير الرحى. ومما يذكر في هذا الباب أن الإمام الشوكاني رحمه الله لم يكن يكتب فألزمه شيخه وردا من الكتابة، يكتب خمسة أسطر كل يوم، فاستثقل ذلك في البداية، لكنه فيما بعد أصبح من أقلام الأمة الغزيرة، وإلا فانظر قيمة “نيل الأوطار” و”فتح القدير” و”إرشاد الفحول” و”البدر الطالع” وغيرها من المؤلفات.

لا بد أن نكتب:

مما لا يتم الواجب إلا به: الكتابة والتأليف. الكتابة من أجل البيان والبلاغ، نؤلف ما يُرضي الله تعالى ويُعز هذه الأمة، أن نؤلف لا أن نجمع ونرتب، نؤلف ونجدد ونجيد ونفيد، قال الوليد الحميري في مقدمة كتابه “البديع في وصف الربيع”: “فإن أحق الأشياء بالتأليف، وأولاها بالتصنيف؛ ما غَفَلَ عنه المؤلفون، ولم يُعْنَ به المُصنفون؛ مما تأنَسُ النفسُ إليه، وتلقاه بالحرص عليه” 8 .

ولا ينبغي أن نمتنع عن الكتابة بدعوى الضعف وعدم الكمال، فنقول مثلا: لا نكتب حتى تكون على أكمل وجه، متناسين أنهالا تصير كذلك إلا بعد أن تمر من مراحل، فلنبدأ الآن لتصير كما نريد في المستقبل إن شاء الله. ورد في “كشف الظنون” لحاجي خليفة مقتطف من رسالة للقاضي الفاضل (596 هـ) بعث بها إلى عماد الدين الأصفهاني، تقول: “إني رأيتُ أنه لا يَكتُبُ إنسانٌ كتاباً في يومه إلاَّ قال في غده: لو غُيِّرَ هذا لكان أحسن، ولو زِين كذا لكان يُستحسَن، ولو قُدِّمَ هذا لكان أفضلَ، ولو تُرِكَ هذا لكان أجمل، وهذا مِن أعظم العِبَرِ، وهو دليلٌ على استيلاء النقص على جُملة البشر” 9 .

ولا ينبغي أن ندع الكتابة مخافة لوم الناس، فما من كاتب إلا ويلام، ولا يزيد العاقل لوم لناس إلا إيمانا وتصديقا. كان عبد الله بن المقفع يردد: “من وضع كتابا فقد اسْتَهْدَفَ؛ فإن أجاد فقد استشرَفَ، وإن أساء فقد استُقذفَ”. 10

كلمة جامعة:

قال الحبيب المرشد حفظه الله: “في مدرسة القرآن وفي مجالس الإيمان والذكر وفي حِلق العلم نتعلم ونُعلم فنون الخطابة وبلاغ الوعظ وبلاغة الكلمة وتبليغ النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون. ونعلم ونتعلم في مدرسة القرآن فن الكتابة. ونتدرب على الكتابة، ونوصي بقراءة الكتب المفيدة، ونُغري بالقراءة مغالبين الميل العامي للقراءات الخفيفة الجرائدية، والمشاهدات المصورة الملهية على التلفزيون، واللهو العابث المبذر أوقاتَ الناس المضيع أعمار الناس اليومَ وغدا في إعلاميات إلكترونية طائرة.

نكتب إن شاء الله. ندعو ونكتب. نكتب لندعو. نُربي على ذلك ونتربى”. 11

والله الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل.

وصلى الله على سينا محمد وعلى له وصحبه ومن اهتدى بهديه.


[1] زاد المهاجر إلى ربه، لابن قيم الجوزية، مكتبة ابن القيم، دمشق-حلبوني، الطبعة الأولى 1423هـ/2002م ، ص44.\
[2] مجلة الجماعة 1979 عدد2.\
[3] أخرجه ابن ماجه وابن خزيمة عن أبي هريرة رضي الله عنه. \
[4] أئمة الحديث النبوي، محمد قطب، الدار الثقافية للنشر، ط1، 2002، القاهرة، مصر، ص11.\
[5] الرسالة العلمية، عبد السلام ياسين، الفقرة14، مطبوعات الهلال، وجدة، ط 1، 2001.\
[6] زاد المهاجر إلى ربه، ابن قيم الجوزية، مكتبة ابن القيم، دمشق-حلبوني، الطبعة الأولى 1423هـ/2002م، ص84.\
[7] نفس المرجع، من مقدمة الكتاب.\
[8] البديع في وصف الربيع، أبو الوليد إسماعيل بن عامر الحميري (نحو440 هـ)، اعتنى بنشره: هنري بيرس – ط1 [المغرب، دار الآفاق الجديدة، 1989]، ص 8.\
[9] كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، حاجي خليفة (1067هـ)، د.ط [بيروت، دار الفكر، د.ت]، ص: 1/18.\
[10] مروج الذهب ومعادن الجوهر، المسعودي (454 هـ)، تنقيح وتصحيح: شارل بلا – ط1 [بيروت، منشورات الجامعة اللبنانية قسم الدراسات التاريخية، 1965: 1/17.\
[11] الرسالة العلمية، عبد السلام ياسين، الفقرة13، مطبوعات الهلال، وجدة، ط 1، 2001.\