لا شكّ أن استمرار سياسة التّيه في ميدان التّعليم مؤشّر واضح على ضياع بوصلة هذا الوطن، وفي غياب إرادة حقيقية للعبور إلى المستقبل، تتقاذفنا أمواج الفوضى المدمّرة، وتلقي بنا في مجتمع بائس متخلف مفكك الأواصر، هذه ليست رؤية عدمية أو خطابا شعبويا، فالتعليم يحتلّ مكان الصدارة في أولويات البناء، وفساد السياسة التعليمية أصبح أمرا مسلّما به لدى الجميع، وهذا ما صرّح به الوزير الوصيّ على التعليم السيد أحمد اخشيشن حينما قال: “لقد كسبنا معركة الاعتراف بالفشل”. 1 ومن ثمّ فإنّ أحدا لم يعد يسأل عن وجود الفساد من عدمه، الكلام بات منصبّا على مظاهره ونطاقه والسبل الكفيلة لتحجيم أضراره.

حاولت جهات عدة الإجابة عن الأسئلة التي تثيرها القضية، من ومتى وكيف وأين، لكن يبقى السؤال الكبير عالقا وهو لماذا وصل بنا الحال إلى هذا الدرك المشين؟

أقرّ الجميع بالكارثة وبالهزيمة النكراء في ميدان التعليم، وأخطر ما في الأمر أن الهزيمة في هذا الميدان الحيوي هو عنوان عريض لهزيمة الوطن في حاضره ومستقبله، ومخطئ من ظنّ أنه بالإمكان التعافي من هذا الجرح في الأجل القريب، حتى المخطط الاستعجالي الذي يراهن عليه المخزن للخروج من الوضع المتعفّن، مخطّط علينا الانتظار ما يقرب من عقدين من الزمن لنرى نتائجه. هكذا غدا حقل التعليم، حقل تجارب متضاربة، ينسف بعضها بعضا.

عندما يطالع المرء المخطط الاستعجالي لمعالجة أزمة التعليم، يجد نفسه وكأنّه أمام برنامج انتخابي يضع أسئلة الحال وهو سائر مع المدّ الهائم الجارف. برنامج استعجالي لا علاقة له بالإجراءات الاستعجالية. يتعلّق الأمر ب 23 مشروعا تنفيذها كلها خارج الزمن الحكومي.

يقول السيد الوزير أحمد اخشيشن:” إنّ تقييم نتائج المخطّط الاستعجالي لا يمكن أن يتمّ في غضون أشهر أو سنوات، على اعتبار محاسبة نجاح أو فشل العمليات الإصلاحية يتعدّى الزمن السياسي والحكومي، بل إن النتائج لن تظهر إلا بعد 10 أو 15 سنة” 2 ؟؟؟؟؟؟…لا تسأل بعد هذا عن طبيعة النتائج، ما لونها؟ وما طعمها؟ ألم تكن المراهنة من قبل على الميثاق الوطني لمعالجة الخلل انطلاقا من إصلاح المنظومة برمّتها؟ وكانت النتيجة ما يشيب له الولدان: تشويه في ثقافتنا وهويّتنا وتجريف لعقل الأمة وإضعاف للروح الإسلامية لدى الناشئة، ناهيك عن أنّ مدارسنا وجامعاتنا مؤسسات تفرّخ شبابا تسلّمهم للشارع والبطالة، إنّنا أمام وضع لا نظير له في العالم برمّته، إنّه الانهيار شبه التّامّ للتعليم مادام عدد الذين يغادرون المدرسة في جميع المستويات يقدّر بحوالي 370000 تلميذ سنويا.

يقرّ السّيد الوزير “أنّ المدرّس هو المحرّك الأساسي للمخطط لاستعجالي” 3 ويضع بين أيدينا أرقاما مفزعة عن الغيابات المبرّرة بشواهد طبّية تصل إلى 1.880.000 يوم في السنة.

تلامذة بدون أساتذة طيلة الموسم الدراسي، والأدهى والأمرّ قيام الإدارة بتنقيط هؤلاء التّلاميذ في هذه الموادّ التي لم يروا فيها أساتذتهم ولو يوما واحدا، توزّع عليهم نقطا تتراوح مابين 13 و14 نقطة. وبما أن الوزارة عازمة على حلّ هذه المعضلة من خلال برنامجها الاستعجالي، وبما أنّ “المدرّس هو المحرّك الأساسي لهذا المخطّط، فإنّها اهتدت إلى إسناد موادّ إلى أساتذة لا علاقة لهم بهذه الموادّ، فأسندت مادّة الفيزياء إلى أساتذة الإعلاميات، والفلسفة إلى أساتذة اللغة العربية وهكذا ..، فأصبح المدرّس ملزما بتدريس مادّتين، وفي كلّ مادّة مستويات مختلفة. فلمّا احتجّ الأساتذة، وأخبروا المندوب أنّ هذا الأمر لا يستقيم، وسيكون التّلاميذ هم الضّحية الأولى لهذه القرارات غير المسؤولة، كان الجواب “ليس المطلوب تدريس التلاميذ، بل إدخالهم إلى القسم وإغلاق الباب!!!!!

هذه هي بداية هذا المسلسل الإصلاحي، وهي مجرّد قطرة في بحر العبث المخزني الذي لا نهاية له. قلّة الكفاءة، انعدام الباعث القوي عند رجل التعليم والتلميذ، أضف إلى ذلك وضعية رجل التّعليم الاجتماعية غير المريحة والتي لا حديث حولها تماما في مشروع الإنقاذ…. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: ” المعلّم هو واسطة عقد المنظومة التعليمية التربوية، ولئن وسّطنا بين التربية والتعليم الوعاء اللغوي الحامل للمعنى، فإنّ المعلم المربّي القدوة هو الواسطة الحيّة في عملية التربية والتعليم. إن لم تكن هذه الواسطة على القدر الكبير من الكفاءة وعلوّ الباعث والكرامة والرّخاء في المجتمع فالعملية كلها تنفسخ”ً. 4

بقي الإشارة إلى أنّ كلفة هذا الإصلاح “مجهول المصير” تتجاوز أربعين مليار درهم، وهو مبلغ يتجاوز بكثير الميزانية المخصّصة لوزارة التربية الوطنية والمقدّرة بـ26 في المائة من الميزانية العامة.

أموال باهظة تنفق والحصيلة الفشل الذريع. كيف نعالج الخيانة والمؤامرة؟ وكيف نعالج هذا النهب المتواصل لأموال الشعب؟

“…..إن إصلاح هياكل التعليم، وهياكل الحكم، وإصلاح البرامج والأساليب والمقادير والكيفيات جهود ضائعة وضربات بالسيف في الماء ما لم يطهّر الجوّ العامّ والخاصّ”. 5


[1] جريدة الشروق العدد 25.\
[2] جريدة الشروق العدد 25.\
[3] جريدة الشروق العدد 25.\
[4] حوار مع الفضلاء الديمقراطيين ص 168.\
[5] حوار مع الفضلاء الديمقراطيين ص 181.\