في الأنظمة الديمقراطية -حيث تقوم ممارسة السلطة على التعاقد بين الحكام والمحكومين- تحظى ثقة الشعب بحكامه باهتمام كبير من خلال استطلاعات الرأي باعتبارها مؤشرا على مدى تأييد الشعب لأنماط تدبير شؤونه العامة وقياسا لمستوى شعبية الحاكم أو حزبه كلما جد في الساحة جديد أو طرأ طارئ.

أما في الأنظمة الشمولية فالسياسة رشيدة والمبادرات حكيمة والشعب ممتن يبارك المبادرات ويثمن المخططات، وعليه فلا حاجة لاستطلاع رأيه أو جس نبضه. وفي الحالة المغربية نختار لرصد مواقف الشعب ومدى ثقته في شكل تدبير شأنه العام ثلاثة وقائع في مجالات مختلفة.

الواقعة الأولى: زلزال 7 شتنبر 2007

أبانت استحقاقات 7 شتنبر2007 أن المشهد السياسي المغربي يعاني من هشاشة فظيعة بحيث لم يعد يغري المواطن للتوجه إلى صناديق الاقتراع رغم الإنزالات المكثفة للدولة وإخراج كل أوراقها من أجل مشاركة مكثفة في التصويت راهن عليها النظام السياسي تجديدا لشرعيته، مثلما راهنت عليها الأحزاب لتحسين وضعيتها ودعم شعبيتها ورفع أسهمها تقوية لحضورها السياسي؛ غير أن نسبة المقاطعة التي بلغت 63% -وفق الأرقام الرسمية- أكدت بما لا يدع مجالا للشك أن الشعب فقد الثقة في ساسته، ومل لعبة تصدير الوهم، الأمر الذي فرض على النظام السياسي إقحام عنصر بديل خبير بمنعرجات المشهد السياسي في محاولة لضخ دماء جديدة في جسم سياسي شاخ وترهل، غير أن محطة الانتخابات الجزئية أكدت أن هشاشة المشهد والممارسة السياسية أعمق من أن يفيد معها منعش، وهيهات هيهات أن يصلح العطار ما أفسدته عقود التزوير من خلال هندسة التقطيع الانتخابي والتلاعب بمصالح الشعب.

“إن الدولة المغربية تجد نفسها اليوم في مأزق غير مسبوق فيما يتعلق بالانتخابات، فالعجز عن تعبئة الناخبين للمشاركة في انتخابات “العهد الجديد” لا يضر فقط بالأحزاب السياسية، وإنما يمس أيضا بشكل أبلغ وأكبر، بـ”المؤسسة الملكية”، لأن هذه الأخيرة تحرص على الظهور بالمظهر الديمقراطي، ومن أهمّ مقومات الديمقراطية المشاركة الانتخابية..” 1 . مأزق حقيقي -والانتخابات الجماعية بعد شهور- يقتضي جرأة سياسية وأخلاقية إنقاذا لما يمكن إنقاذه تفاديا لتسونامي سياسي جديد عشية 12 يونيو2009 موعد الانتخابات الجماعية.

الواقعة الثانية: كارثة المخطط الاستعجالي للتعليم

تحولت معضلة التعليم إلى غول -نقصد الحيوان الأسطوري وليس الرئيس التركي عبد الله غول- فبعد التقارير الدولية دخل المجلس الأعلى للتعليم على الخط من خلال مخطط استعجالي ادعى تجاوز العثرات وتوفير شروط دخول مدرسي نموذجي يقطع دابر التسيب والارتجال الذي طبع سير قطاع يشكل عبئا على خزينة الدولة، غير أن واقع الدخول المدرسي: (08/2009) كان كارثيا وبكل المقاييس، لتتأكد هشاشة قطاع التعليم وتتعمق أزمته، ومن تجلياتها:

– الانقطاع عن الدراسة تعبيرا عن عدم ثقة الأسر المغربية في المدرسة العمومية.

– اكتظاظ الفصول الدراسية بشكل يتنافى مع شعار الجودة.

– تدهور البنيات التحتية للمؤسسات وغياب المرافق الحيوية وعلى رأسها الداخليات والمختبرات والقاعات العلمية.

– خصاص مهول في هيئة التدريس مما دفع بعض النيابات الإقليمية لإلغاء بعض المواد: الفلسفة، وتقليص حصص مواد أخرى: الاجتماعيات..

– خصاص في هيئة الإدارة لاسيما في الوسط القروي.

– هشاشة في تكوين رجال ونساء التعليم بسبب إلغاء التكوين المستمر.

– دخول هيئة المراقبة التربوية -المفتشون- في طور الانقراض.

المحصلة مع الأسف، هشاشة بنيات تحتية ونقص في المؤسسات أو سوء توزيعها، وهشاشة برامج ومقررات لا تؤهل للعمل، وانسداد آفاق المستقبل أمام المتفوقين دراسيا وهيمنة شبح البطالة،.. أفقدت الأسر المغربية الثقة في التعليم العمومي وجدواه، مثلما كان المغاربة -خاصة الفئات الشعبية- لا يثقون في التعليم خلال عهد الاستعمار الفرنسي اعتقادا منهم أن فرنسا تسعى لتنصير أبناء المغاربة، فسارع الاستعمار لتوفير حاجيات التمدرس -ملابس، كتب، مطاعم مدرسية- لإغراء المغاربة بتعليم أبنائهم؛ وهو ما تسعى الدولة لتبنيه تجاوزا لمعضلة العزوف عن الدراسة بعد العزوف عن الانتخابات.

الواقعة الثالثة: هشاشة البنيات التحتية للبلاد

لقد أبانت الأمطار التي عرفها المغرب الخلل الكبير والمهول على مستويات عدة، ومنها:

– غياب التخطيط والرؤية المستقبلية، فقنوات صرف المياه كالقناطر والطرقات مصممة بتصور جفافي -نسبة للجفاف- ناهيك عما يتخلل الإنجاز -على قصوره- من غش وتلاعب بالمواد كما ونوعا.

– تغلغل الفساد في الإدارة المغربية بحيث يصادَق على المنجزات دون احترام المواصفات والشروط المنصوص عليها في دفتر التحملات، بل قد تصرف ميزانيات مشاريع دون ضربة واحدة بفأس.

– غزارة الأمطار حقيقة، ولكن ما يحز في قلوب المواطنين هو سلبية السلطة ومختلف المصالح التي تكتفي بتنقل مسؤول ترابي للمنطقة المتضررة على متن سيارة رباعية الدفع ليعاين الكارثة ويقف على حجمها ليحرر تقريرا في النازلة.

– التعامل مع مثل هذه الظواهر بهاجس أمني بحيث لا ينقل الخبر في حينه.

– عدم مراعاة مشاعر الشعب بحيث تقرن وسائل الإعلام الرسمية بين الصور البعدية لمخلفات الفيضانات بصور لمجلس إقليمي في قاعة اجتماعات عمالة معينة غاية في الأناقة: زرابي مزركشة وكراسي وثيرة ووجوه مشرقة مقابل عائلات غارقة قضت وستقضي ليالي في العراء، ولما تتحرك السلطات الترابية بعد لأي توزع على من فقد بيته ومتاعه وربما أحد أفراد أسرته “بطانية” وعلبتي سردين ليطير المسؤول بعد التقاط صور التدخل على متن طائرة مروحية ليواجه المواطن مصيره المجهول.

النتيجة مع كامل الأسف عدم ثقة الشعب في أجهزة دولة بدا عجزها وانفضح أمرها بمجرد تساقطات -مهما غزرت لا تصل لمستوى الأمطار الطوفانية والأعاصير العاتية التي تضرب بلدانا مصنفة دون المغرب- فانتظرت مساعدة مالية أجنبية لتعلن إنشاء صندوق الكوارث، نأمل أن لا يكون كصندوق دعم العالم القروي أو ما عرف وقتها بحساب: 111، أو كصندوق الزكاة الذي تم الإعلان عنه قبيل سنوات.

يبدو -والله أعلم- أن المغرب دخل مرحلة الهشاشة، وقد يؤسس في القريب المجلس الأعلى لمحاربة الهشاشة، وتكون لجان إقليمية لرصد مظاهر الهشاشة، وستعقد ندوات ولقاءات لتحديد مفهوم الهشاشة ومستويات الهشاشة، وسيدعى المجتمع المدني للانخراط في محاربة الهشاشة، وستفرض الهشاشة نفسها في برامج الانتخابات الجماعية الهشة، وستمل الأسماع فيما يستقبل من الأيام سماع عبارات من قبيل: عقد شراكات بين وزارات كذا وكذا لمحاربة الهشاشة، وتوقيع اتفاقيات بين المغرب والاتحاد الأوروبي للقضاء على الهشاشة، على غرار اتفاقيات محاربة الجراد والهجرة السرية.

ألا فأبشري أيتها الهشاشة، ومرحبا بك بين ظهرانينا.


[1] من مقال للأستاذ محمد منار نشر بالموقع.\