ما يشهده العالم مند عقود من أزمات اقتصادية كبرى متكررة يطرح سؤالا جوهريا هل هذه الأزمات ظرفية طارئة أم أنها نتيجة حتمية بالنظر إلى طبيعة النظام الاقتصادي العالمي؟ وبالتالي فما يعرفه العالم مرارا من ركود اقتصادي وبطء في النمو أو غلاء في الأسعار وتضخم وعدم استقرار على كافة المؤشرات، هل هو أزمات حقيقية فعلا يجتهد البعض دائما في إيجاد تبريرات وتفسيرات اقتصادية وسياسية لها، من قبيل ارتفاع أسعار الطاقة أو انخفاض قيمة الدولار أو الظروف المناخية أو أزمة الرهن العقاري أو المضاربات في البورصة أو حتى بعض التوترات السياسية هنا وهناك؟ أم أن كل ذلك في حقيقة الأمر هو فقاعات مصطنعة ومظاهر وتجليات تخفي جوهر ولب المشكل الذي هو أزمة هيكلية ملازمة لبنية الاقتصاد الرأسمالي الغربي المهيمن على العالم منذ بدايات القرن الماضي، نبه إليها مجموعة من الباحثين مند أزمة “ولت ستريت” الكبرى سنة 1929. وتتمثل بالأساس في عاملين رئيسين:

أولهما: هيمنة الرأسمال بواسطة الشركات العابرة للقارات وسيطرتها على مراكز القرار السياسي.

وثانيهما: تخلي الدولة عن مراقبة الاقتصاد وتوجيهه.

الشركات المتعددة الجنسية: السيطرة الصامتة

يربط بعض المحللين بداية تغول الشركات المتعددة الجنسية إلى فترة وصول “ريغان” و”تاتشر” إلى الحكم في كل من أمريكا وبريطانيا إذ أنه في هذه الفترة تخلص الرأسمال من رقابة الدولة بشكل واسع، وبدأ يعيش طفرة نوعية تفاقمت بشكل سريع بسقوط حائط برلين في بدايات التسعينات.

فبعد انهيار الاتحاد السوفياتي ومنظوماته الاقتصادية تحرر المارد الرأسمالي من كل القيود وخرج من قمقمه ليدوس على كل القيم والأخلاق والاعتبارات الاجتماعية والإنسانية، فانتقل العالم من رأسمالية الدول إلى “رأسمالية مالكي أسهم الشركات” كما سماها الوزير الفرنسي ميشيل روكار. حيث إن التناقض الإيديولوجي بين الرأسمالية والشيوعية بطأ إلى حد كبير من توسع الرأسمالية في العالم وحد من نفوذها في فترات معينة، فالشيوعية أجبرت دول الغرب على تبني اقتصادية أكثر اجتماعية وأخلاقية وعدالة ولو مرحليا.

لكن بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ومعه أوروبا الشرقية وانغماس الصين في الاقتصاد العالمي بعد تبنيها خطة بلد واحد بنظامين اقتصاديين، صار الرأسمال المتنقل العابر للقارات يملك من الإمكانات الاقتصادية والقوة السياسية ما يجعله يملي اختياراته وشروطه على الدولة الوطنية وهكذا تقلص القرار الاقتصادي داخل الدولة الوطنية وصار ملكا للشركات المتعددة الجنسية. 1

عالم بلا دول

صارت الدولة الوطنية غير قادرة على انتهاج سياسة حمائية محلية في ظل انفتاح السوق وعولمة الاقتصاد-بسبب اتفاقيات المنظمة العالمية للتجارة الحرة وإملاءات الجهات المانحة دوليا-، فالأخطبوط الاقتصادي صار يملك أذرعا سياسية ودبلوماسية وإعلامية وحقوقية قادرة على خنق كل من يريد أن يتحرر من سطوة هذه الشركات العملاقة، وليس من المستبعد أن الدفع بإصلاحات سياسية واقتصادية في دول العالم الثالث، من قبيل إصلاح القضاء وتأهيل الإدارة وتعميم ثقافة الديمقراطية وحقوق الإنسان والانفتاح أكثر على السوق العالمي، هو إحدى وسائل الإدماج القسري لاقتصاديات هذه الدول في اقتصاد عالمي ظلت عصية عليه مدة طويلة بسبب تخلفها عن المواكبة، مما هيئها الآن للوقوع تحت سيطرة الشركات المتعددة الجنسية وأخضعها خضوعا تاما لمعاييرها وميكانيزماتها.

فالدول في ظل منافستها المحمومة على استقطاب الاستثمار والخنوع لكافة شروط الشركات (تخفيض الضرائب، تخفيض الأجور، تخفيض التكاليف الاجتماعية والصحية، توفير اليد العاملة المؤهلة وتوفير التسهيلات الإدارية والقانونية والتساهل في قوانين البيئة) تحولت إلى واحات ضريبية تساهم عن غير عمد في تفجير أزمات عالمية دورية تتحايل الشركات المتعددة الجنسية على الدول كل مرة بنقلها من مكان إلى مكان. حيث إنه في غضون عقدين من الزمن فقط عرف العالم أزمات متتالية تم نقلها بذكاء بين أمريكا اللاتينية (المكسيك والأرجنتين) وآسيا (جنوب شرق أسيا) وأوروبا. فوضع “الاقتصاد المتشابك” الذي صار يعيشه العالم أدى إلى الرفع من سرعة انتقال الأزمة عبر العالم، فعلى سبيل المثال بعد هبوط قيم الأسهم في “ول ستريت” مؤخرا انخفض المؤشر العام للقيم بنسبة 7.1% في فرانكفورت و6.8% في باريس و5.4% في لندن و7.5% في مدريد و3.8% في طوكيو و5.1% في شنغهاي و6% في ساوباولو و9.8% في الرياض و9.4% في دبي و3% في بيروت و4.2% في القاهرة.

هذه القوة والقدرة على التنظيم والسرعة في المناورة والتكتل التي لا تملكها كيانات تقليدية كالدول، جعلت الرأسمال يتحكم في الأسعار وفي الإنتاج وفي الأجور وفي الاستثمار وحتى في القرارات السياسية المحلية والعالمية. وهذا كله بسبب أو (سبَّب) تخلي الدولة عن دورها في توجيه الاقتصاد خاصة في القطاعات التي تعتمد عليها الأغلبية العامة من الناس مما جعلها في الأخير رهينة للأطراف المتحكمة في قرارها السياسي رغم الاحتياطات السياسية والاحترازات القانونية. حيث لا يمكن للدولة -خاصة في الدول النامية- أن تعفي نفسها من تحمل المسؤولية كاملة للحفاظ على السلم الاجتماعي والاستقرار السياسي بتخلصها من أمرين: أولا التبعية الخارجية وثانيا نفوذ الشركات المتعددة الجنسية، في إطار اقتصاد عالمي عادل متكافل أو متضامن، يتشارك الجميع فيه في اقتسام التكاليف وفي توزيع الأرباح وفق نظرية المعايير “الاجتماعية الدولية” التي بدأت المطالبة بها دوليا، إذ أنه لابد من وضع اتفاقية دولية تضع شروطا للاستثمار في العالم معممة ومتطابقة بموجبها يتخلص الرأسمال من بعض جشعه ويتحمل جزء من تكاليف الأزمات التي يسببها.

فالدولة التي تعتبر أكبر مشغل في الدول النامية تتنازل كثيرا لصالح الشركات المحلية أو الدولية للحفاظ على السلم الاجتماعي سياسيا على حساب المصالح الكبرى للبلاد، في حين أن القطاع الخاص لا يقدم أي تنازلات عن أرباحه بل يفر إلى وجهات أخرى أو يعلن إفلاسه عند أدنى شعور بتهديد يمس هامش ربحه مما يجعل الحديث عن أي دور للقطاع الخاص في التنمية باعتباره شريكا أو مقاولة مواطنة هو حديث غير ذي جدوى لأن الرأسمال شريك في الغنم جبان عند الغرم.


[1] السيطرة الصامتة هو وصف استعملته الدكتورة نورينا هيرتس في كتاب بعنوان: السيطرة الصامتة.. الرأسمالية العالمية وموت الديمقراطية. صدر ضمن سلسلة عالم المعرفة – العدد (336).\