أدلى الأستاذ فتح الله أرسلان، الناطق الرسمي لجماعة العدل والإحسان، بتصريح صحفي لموقع الجماعة حول الخطوات والإجراءات التي تتعلق بما يعرف بـ”الإصلاح الديني في المغرب”، مؤكدا أن غايتها الأساسية هي استمرارية المخزن في ضبط وحصر هذا المجال وتقييد الفاعلين فيه.لا يمكن أن نقرأ هذا الإجراء المسمى إصلاحا دينيا إلا من داخل السياق العام الذي يحكمه، فالدولة مع كل إجراء في أي مجال إلا ويكون حرصها الأكبر هو الضبط والحصر والتسييج بالقدر الذي يضمن استمرار المخزن حتى وإن كانت التدابير المتخذة غير قادرة على تحقيق النمو والتطور الطبيعي الاستراتيجي الذي يحتاجه المجتمع وأبناؤه في صيرورة تقدمه. ولا أدل على ذلك من “السياسيات الدينية” السالفة طيلة العقود الماضية والتي اعتمد المخزن على نفس الأسلوب في بلورتها حيث كان يحكمها في كل مرة التوظيف السياسوي الضيق الأقرب إلى الإجراءات الأمنية والأبعد ما يكون عن السياسة المعقلنة الهادفة. وتندرج في هذا السياق مجموعة التدابير الأخرى في مختلف المجالات والتي عرفت طريقها إلى الفشل الذريع في التعليم والصحة والشغل والتنمية والاقتصاد… وغيرها، والتي تلتقي جميعها في تقديم الاعتبار السياسي الذي يعني مباشرة رأي المخزن ولا شيء سواه، والاعتبار الأمني الذي يعني فقط حماية المخزن ومصالحه على الاعتبارين الأساسيين وهما الاجتماعي والإنساني.

هذا الإطار الذي حكم هذه الإصلاحات أسقطها في عدة اختلالات ومزالق خطيرة على المجتمع؛ فإن كانت هيكلة الشأن الديني مطلبا موضوعيا وضروريا، فإن تكثيف الوسائط بين العلماء وأفراد الشعب وإخضاعها لتعقيدات أمنية أو سياسية لا يسعفها في مسايرة سرعة الحياة اليومية وما يرافقها من احتياجات آنية ودائمة. كما أن سكوت الهيئات الرسمية المحتكرة لهذا الحق عن القضايا الملحة سواء المتعلقة بالأفراد أو بالشأن العام ثبت أنه لا يثني المواطن عن البحث عن أجوبة وفتاوى تشبع نهمه الديني والروحي والمعاملاتي من أقصر الطرق وأيسرها خاصة مع تنامي وسائل الاتصال والإعلام وأمام عجز الآليات المخزنية عن التجاوب السريع مع هذه الحاجيات اليومية، ويكفي دليلا على ذلك الفتوى اليتيمة المتعلقة بواحدة من أكبر الهموم التي يعيشها الناس وهي المعاملات المالية السائدة رأينا كيف استغرقت سنة كاملة في دهاليز المخزن حتى تخرج مفصلة على مقاسه، وفي النهاية توجهت الفتوى إلى الأفراد وتناست الدولة الغارقة حتى أذنيها في هذا النوع من التعامل المالي بل إنه هو التعامل الوحيد الذي تسمح به الدولة. فهل هناك ما هو أكبر من هذا الجمود المناقض تماما لحيوية الإسلام وقضايا الناس والمجتمع.

من جهة أخرى فإنه لا يخفى أن من الأغراض الواضحة للإجراءات الجديدة هو الاستمرار في نهج محاصرة الحركة الإسلامية عموما والعلماء والدعاة والسعي لتأميم مجال غير قابل للتأميم، فدين الله واسع والاجتهاد فيه ينبغي أن يكون رحبا. ومخططات المخزن في هذا المجال دائما تصب في اتجاه إفراغه في قالب واحد منمط وإلغاء وتجريم الرأي المخالف حيث يتم استبعاد كل من يرفض التنميط والاحتواء والتدجين، وهذا الصنف الأخير هو الأكبر والأكثر انتشارا في المجتمع، فهل يطلب من هؤلاء التخلي عن دورهم في الدعوة والتوجيه والإرشاد؟ وأي منطق يبرر هذا؟