الباب الأول: ظهير 25 فبراير 1975: السياق والمضامين والتطبيق المعاق

يشكل ظهير 25 فبراير 1975 أول تنظيم شامل للتعليم العالي 1 ، بعد الحصول على الاستقلال؛ حيث لم تسبقه إلا بعض النصوص الجزئية المنظمة للدراسة ببعض المؤسسات الجامعية المحدثة في

فترة الحماية، أو بعض الكليات والمعاهد التي أحدثت بعد نهاية الاستعمار؛ خاصة بعد إنشاء جامعة

محمد الخامس بالرباط سنة 1957.

وظهير 25 فبراير لم يشذ هو الآخر عن التبعية لفرنسا، بحيث كان التأثر واضحا بقانون توجيه التعليم العالي الذي ظهر بفرنسا سنة 1968؛ خاصة فيما يرتبط باللامركزية الجامعية؛ بحيث أشار الظهير، في هذا السياق، إلى منح نوع من الاستقلالية للجامعات، وللمؤسسات الجامعية، لكن يبدو أن الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية المحيطة جعلت ذلك يتسم بنوع من الشكلية، في غياب جوهر حقيقي للامركزية التعليم العالي، بل إن بعض الجوانب المضيئة في ظهير 1975 لم تعرف طريقها إلى التطبيق إلا بعد اثنتي عشرة سنة من وقت إصداره، وذلك بعد أن أصبحت تلك الجوانب نفسها في حاجة إلى تجديد جوهري يتناسب مع التطور الكمي والكيفي لمؤسسات التعليم العالي.

سيعرف الظهير عند تطبيقه تعثرا كبيرا وستظهر بعض المحاولات لتصحيح تلك الاختلالات الناجمة عن شكلية المضامين من جهة أولى، وعن التأخر في التطبيق من جهة ثانية، لكنها لم تف بالغرض؛ نظرا لطابعها الجزئي.

وكانت نتيجة كل ذلك أن عرف التعليم العالي بعض الإيجابيات المحدودة، تمثلت أساسا في تخريج العديد من الأطر في مختلف المجالات، لكنه في نفس الآن غرق في وحل من السلبيات، التي ستتفاقم أكثر فأكثر بعد سياسة التقويم الهيكلي سنة 1983.

تماشيا مع الطرح أعلاه سنقسم هذا الباب إلى فصلين، الفصل الأول سنتطرق فيه إلى الإطار

التاريخي لظهير 25 فبراير 1975، وإلى مضامينه؛ حيث سنقسم ذلك الفصل بدوره إلى مبحثين؛ المبحث الأول حول الإطار التاريخي، والمبحث الثاني حول المضامين، أما الفصل الثاني فسنتتبع من خلاله تطبيق الظهير بالوقوف على بعض الاختلالات، وبرصد بعض محاولات التصحيح، مقسمين هذا الفصل هو الآخر إلى مبحثين؛ المبحث الأول نتتبع عبره تطبيق الظهير قبل سنة 1983، والمبحث الثاني نتتبع من خلاله تطبيق الظهير انطلاقا من سنة 1983.

الفصل الأول: ظهير 1975، الإطار التاريخي والمضامين

إن التغيرات الاجتماعية في مختلف المجالات تتأثر بشكل مباشر أو غير مباشر بظروفها التاريخية. وإذا كان المغرب قد عرف منذ القدم تعليما عاليا أصيلا، تمثل أساسا في جامعة القرويين التي أحدثت سنة 859 ميلادية، فإنه وجد نفسه إبان الحصول على الاستقلال أمام معطيات جديدة، تفرض عليه تطوير تعليمه العالي الأصيل من جهة أولى، وتدعوه إلى تبني تعليم عال عصري من جهة ثانية، وذلك من خلال ظهير 1975، فماذا عن الإطار التاريخي لهذا الأخير؟ وماذا عن مضامينه؟

المبحث الأول: الإطار التاريخي لظهير 1975

لقد تعرض ظهير 25 فبراير 1975، بالإضافة إلى التأثر بقانون توجيه التعليم العالي الفرنسي، لنوعين من التأثير، أولهما تأثير غير مباشر تمثل في الظرفية العامة التي عرفتها البلاد آنذاك سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي (المطلب الأول)، وثانيهما تأثير مباشر تمثل في الوضعية التي كانت تعرفها مؤسسات التعليم العالي (المطلب الثاني).

طالع أيضا  التعليم العالي بالمغرب (1975-2008) -24-

المطلب الأول: الظرفية العامة

تنقسم هذه الظرفية العامة إلى ظرفية سياسية (الفقرة الأولى) وأخرى اقتصادية واجتماعية (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: الظرفية السياسية

تميزت الفترة التي ظهر إبانها ظهير 25 فبراير 1975 بمجموعة من الوقائع السياسية، التي كان لها أثرها الواضح على إصلاح التعليم العالي آنذاك.

ففي بداية عقد السبعينات عرف المغرب من جهة أولى إصدار دستورين؛ كان الأول في 8 يوليوز 1970، وتمت المصادقة على الثاني في 10 مارس 1972 2 ، وذلك بعد أن رفضت أحزاب المعارضة 3 الدستور الأول، باعتباره يشكل “دسترة” لحالة الاستثناء. ومن جهة ثانية تم انتظام الحركة الماركسية اللينينية في تنظيمات مؤطرة إيديولوجيا 4 ، بعد أن عاشت لردح من الزمن في أحضان أحزاب المعارضة، مراهنة على ما يمكن أن يحدث من انشقاقات عمودية أو أفقية. ومن جهة ثالثة توالت محاولتان انقلابيتان استهدفتا المؤسسة الملكية، كانت الأولى في 10 يوليوز 1971، وكانت الثانية في 16 غشت 1972. فهذه الأحداث إن دلت على شيء إنما تدل على فشل الحكم في مغادرة حالة الاستثناء عبر هاجس أحادي يغلب آلية الضبط التشريعي، من خلال منح القانون الأسمى للأمة، مما اضطره إلى تحديد خصمه بدقة وتحديد آلياته، فتمثل الخصم بل العدو في الحركة الماركسية اللينينية، وكانت الآلية “إجماعا وطنيا” تُستدرج عبره فصائل من المعارضة، وتم التمهيد لكل ذلك عبر رد فعل عنيف على تلك المحاولات الانقلابية، الهدف منه كسر شوكة المعارضين في أفق الاستدراج المرسوم.

من هذا المنطلق ستعرف سنة 1973 ثلاثة أحداث أساسية:

أولها: منع نشاط الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في أبريل؛

ثانيها: تعديل قانون الحريات العامة؛ حيث تم التراجع على العديد من مكتسبات ظهير 1958؛

ثالثها: فرض الحظر على المنظمة الطلابية، الاتحاد الوطني لطلبة المغرب.

ومعلوم أن المنظمة الطلابية في مؤتمرها الخامس عشر 5 عرفت سيطرة واضحة للتيار اللينيني ممثلا في “الجبهة الموحدة للطلبة التقدميين”، وقد كان ذلك مناسبة لاتخاذ العديد من المواقف التصعيدية، عبرت عنها بعض الشعارات من مثل: “مساعدة شعبنا العربي في الصحراء على التحرير”! “من أجل ثقافة شعبية ثورية”!!. وصاحبت هذه الشعارات اضطرابات واسعة في الأوساط الطلابية والتعليمية بصفة خاصة، وفي مختلف أوساط المجتمع بصفة عامة.

ولم يكن من مخرج من حالة عدم الاستقرار هذه إلا برد فعل عنيف ضد المتورطين في تلك الاضطرابات؛ حيث شُنت حملة قمع واسعة ضد الحركة الماركسية الليينية سنة 1974، وبما أن منطق العقاب وحده غير كاف، فقد كانت الخطوة الحاسمة في محاولة وضع حد لتلك القلاقل هي “قضية استكمال الوحدة الترابية”. هذه القضية التي ستشكل مظهرا أساسيا للتعبير عن النزعة الإصلاحية لدى المعارضة؛ وذلك بتحولها من موقف المنافس للحكم والند له، إلى موقف المتصالح معه المؤيد لشرعيته، فاجتمع كل من الحكم والمعارضة الإصلاحية حول مجموعة من الشعارات من قبيل: “المسلسل الديمقراطي” “الولادة الجديدة … للمغرب الجديد”… وكان سبب ذلك الإجماع الوطني حسب الدكتور محمد ظريف: “إدراك الأحزاب الإصلاحية أن تناقضها الرئيس ليس مع القصر، ولكن مع الجيش من جهة، ومع الحركة الماركسية من جهة ثانية” 6 .

طالع أيضا  د. شكري: هذه أسباب حلول الجامعات المغربية في ذيل التصنيفات الدولية

ففيما يرتبط بالجيش، تمت إعادة تنظيمه من طرف الملك، حيث أُلغيت وزارة الدفاع، وحددت وظيفة الجيش في الذود عن الوحدة الترابية.

وفيما يتعلق بالحركة الماركسية، وبما أن هذه الأخيرة تراهن على الجامعة، فقد تم فرض الحظر على المنظمة الطلابية من جهة أولى. وانخرطت القوى الإصلاحية إلى جانب الدولة في فرض التنظيم الجامعي لسنة 1975 من جهة ثانية.

إلا أن هذه الخلفية السياسية لم تكن وحدها المتحكمة في إصلاح التعليم العالي آنذاك، بل كانت هناك خلفيات أخرى اقتصادية واجتماعية.

الفقرة الثانية: الظرفية الاقتصادية والاجتماعية

عرف الاقتصاد الوطني خلال فترة المخطط الخماسي (1968 – 1972) بعض النمو، وذلك راجع بالأساس إلى ارتفاع أثمان المواد المصدرة؛ خاصة مادة الفوسفاط. فالإنتاج الداخلي تزايد بمعدل 5,6 % سنويا، والمالية الخارجية للدولة عرفت فائضا منتظما. كما تميزت هذه الفترة بقوانين مهمة، منها مثلا قانون 16 يونيو 1971 المتعلق بإحداث المناطق، والذي انبثقت عنه سبع جهات بالمملكة، وقانون المغربة بتاريخ 2 مارس 1973. إلا أن هذا التطور على المستوى الاقتصادي، خلال هذه الفترة، لم يصحبه تطور على المستوى الاجتماعي، وبدا ذلك جليا من خلال تراكم وتفاقم العديد من المشاكل الاجتماعية، من قبيل البطالة والفقر والأمية. فالفئات الدنيا يظهر أنها لم تستفد من ذلك النمو الاقتصادي.

من هذا المنطلق أضاف المخطط الخماسي (1973 – 1977) إلى شعار التنمية الاقتصادية شعار التنمية الاجتماعية، هذه الأخيرة التي كان قد أهملها كل من المخططين السابقين (1965-1967) و(1968-1972).

ففي مجال التنمية الاقتصادية كانت الأولوية في مخطط (1973-1977) للصناعة التحويلية ذات الكثافة العمالية العالية، كما كان الاهتمام بالفلاحة خاصة السقوية، وكان الهدف المنشود سواء على المستوى الصناعي أو الفلاحي هو التصدير، كما تضمن المخطط توجهات عامة لتنمية السياحة والهجرة إلى الخارج من أجل جلب العملة الصعبة. أما فيما يرتبط بالتنمية الاجتماعية، فقد هدف المخطط إلى توزيع عائدات التنمية على جميع الجهات وجميع الفئات الاجتماعية، ووضع لذلك إجراءات منها: مساعدة الفلاحين الصغار، تأميم بعض القطاعات الصناعية والتجارية، تنمية التجهيزات الاجتماعية، والحث على الاستثمار الجهوي…

تحققت فعلا بعض الإنجازات لكنها لم ترق إلى المطمح المطلوب، فقد تم استرجاع آخر الأراضي المستعمرة 7 ، وتمت مغربة 1500 مقاولة، وتم توزيع 16000 هكتار على 12000 فلاح، وتم إحداث صندوق خاص للتنمية الجهوية، كما تم توسيع مهام العمال الاقتصادية، وتكثيف تمثيل القطاعات الوزارية بالجهات، وتحقق نمو ملحوظ للإنتاج في مختلف القطاعات باستثناء الفلاحة 8 . ومع كل ذلك فإن مخطط (1973 – 1977) لم يحقق المأمول، فالاستهلاك لم ينم إلا بمعدل 0,6 % سنويا، بينما ارتفعت الأسعار بمعدل قدره 9,5 % سنويا، والعجز التجاري عرف تفاقما ملحوظا، وسُجل ارتفاع واضح في الدين الخارجي 9 . ترجع هذه الوضعية إلى عدة عوامل من أهمها: ضعف المحاصيل الزراعية خلال هذه الفترة بسبب الجفاف، تردي الأسعار العالمية للفوسفاط ابتداء من سنة 1975، صعود أسعار البترول، نمو السياسة الحمائية للسوق الأوربية اتجاه الصادرات المغربية، عدم استقرار نظام النقد الدولي، واسترجاع بعض الأقاليم الصحراوية..

طالع أيضا  التعليم العالي بالمغرب (1975 - 2008) -30-

لقد كان لهذا الوضع الاقتصادي انعكاسات سيئة على المسألة الاجتماعية؛ إذ استمرت مظاهر الفقر والبطالة والأمية في التفاقم، مما جعل المغرب يعيش حالة ضيق مزمن على المستوى الاجتماعي، وكانت الفئات الاجتماعية الدنيا هي الأكثر تضررا.

وإذا كان المخطط الخماسي (1973 – 1977) تضمن ضرورة إعادة النظر في النظام التعليمي بكامله، لربطه بتلك الأهداف الاقتصادية والاجتماعية المعلنة، فإن الواقع المعيش فرض إجراءات أخرى مناقضة لما تضمنه المخطط فيما يتعلق بالتعليم العالي، فقد توقع المخطط تزايد عدد الطلبة، وفي سبيل مواجهة ذلك أقر إعادة تنظيم الهياكل الجامعية، وألح على نقل فلسفة الجهوية التي أقرها قانون 1971 إلى مجال التعليم العالي، حتى يتسنى استقبال جميع الراغبين في متابعة تعليمهم الجامعي. وإذا كان ظهير 25 فبراير 1975 تضمن بعض تلك التوجهات، فإن الوضعية الاقتصادية فرضت إجراءات مالية لا تنسجم مع هدف استقبال “جميع الراغبين”، وتمثل ذلك أساسا في الفصل 14 من الظهير، الذي نص على تأهيل المؤسسات الجامعية لاستخلاص الواجبات المطابقة للخدمات التي تقدمها، ولاسيما منها واجبات التسجيل، إلا أن تزايد عدد الطلاب وتصاعد حركتهم الاحتجاجية سيجعل الفصل 14 حبرا على ورق.


[1] ظهير شريف بمثابة قانون رقم 102-75-1 بتاريخ 13 صفر 1395 (25 فبراير 1975) يتعلق بتنظيم الجامعات، الجريدة الرسمية عدد 3252 بتاريخ 26 فبراير 1975.\
[2] سيتم الإعلان عن تزويد البلاد بدستور جديد في خطاب الملك بتاريخ 17 أبريل 1972، وفي يوم 28 من نفس الشهر ستعلن “الكتلة الوطنية” موقفها بمقاطعة الاستفتاء.\
[3] تتمثل أهم المعارضة آنذاك في حزب الاستقلال وحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية.\
[4] كانت الحركة الماركسية اللينينية تتشكل من تنظيمين: – تنظيم 23 مارس وقد تأسس في مارس 1970. وقد انشق عنه تيار “لنخدم الشعب”. – تنظيم إلى الأمام الذي تأسس في غشت 1970.\
[5] انتهت أشغاله في 18 غشت 1972.\
[6] محمد (ضريف)، الحركة الطلابية المغربية، منشورات المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي، الطبعة الأولى، البيضاء 1996، ص 65.\
[7] باستنثناء المدينتين السليبتين سبتة ومليلية.\
[8] مكي (المروني) الإصلاح التعليمي بالمغرب، منشورات كلية الآداب بالرباط، الطبعة الأولى، البيضاء 1996، ص 105-106.\
[9] نفس المرجع السابق ص 106.\