ترك إمام الوفاء والثبات الشهيد حسن البنا رحمه الله وصفا دقيقا للدولة المعاصرة، كان يسميها بالدولة الصماء. كلام هذا الرجل العظيم الذي عاش بسيطا ومات على بساطة وتواضع في قوة كان موصولا بالقرآن الكريم. فيه وجد مغتسله الروحي البارد، وشرابه القلبي الصافي، وسكونه الكلي. وهذا دأب الصالحين الموفقين، وخلق أهل الله المهديين الذين ملك حب الله ورسوله مشاعرهم وساروا في مُلك الله مِلْكًا له وحده فاعتقهم وحررهم من غيره، غيرة ودفاعا وتفضلا.

ولقد وضعت هذا الوصف ميزانا للاحتكام في حق النظام المغربي الهجين فوجدته ملائماً. نظام انفرط أمره وتفككت أوصاله وانحط شأنه. ما أسرع الخراب إلى بنيانه، والفساد إلى أعماله، والقسوة إلى قلبه!!!. فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ وهذا في سنن الله عقاب لكل من أغلق سمعه لكي لا يلجه بلاغ القرآن وبيانه.

كنا بنات وأبناء، بل بُناة العدل والإحسان، في هذا القطر المسلم العزيز نعتقد أن النظام المغربي يحاصر دعوتنا في المساجد والمرافق والمؤسسات العمومية، بل وداخل بيوتنا، ويمنعنا من ذكر الله والتناصح والتزاور والتجالس في الله، والاجتماع على تلاوة القرآن ومدارسته وحفظه وتحقيق معانيه، والتهمم بهموم المسلمين والمذاكرة في قضاياهم وأحوالهم تفقها في الدين ومعذرة إلى ربنا، كنا نعتقد أن الأمر لا يتجاوزنا ما دمنا الوحيدين الذين استعصوا على الترويض والتدجين، وامتنعوا عن “اللعب” لعب دور المعارضة، وركنوا إلى صدق هممهم وفروا إلى ملاذ وحصن وكفالة ربهم، وحشدوا العزم على تمثل المعارضة كما أرادها الإسلام في شموليته ودعت إليها أصوله ومعالمه الكبرى وما تفرع عنها من أحكام، تساق إليها الأمة بالتدرج والحكمة والحلم والرفق والتلطف والانتظار التربوي اللازم والواجب إلى أن يبسط الله من خزائن رحمته ما يُتم به عافية الدين والدنيا والآخرة.

يبدو أن اعتقادنا كان اعتقاد القاصرين لأن النظام المغربي لم تشبع جوعته ولم تسع يداه المعاصي الويلات التي اقترفها في حق أبرياء العدل والإحسان يقولون ربنا الله، ولا ملأت جوفه الموبقات والمحارم والآثام والكبائر التي اكتسبها في حر الصيف وليالي رمضان الكريمة المضيئة. مهرجانات ونوادي ومؤتمرات تصيب كل ذي مروءة بالصدمة، لا يدعى لها إلا من أعطوا الدليل بعد الدليل على سقوط نفوسهم وخرابها وبلوغها منتهى الرذالة والسفاهة في مناصرة الباطل ونشر الخلاعة.

في الأيام القليلة الماضية صنع النظام المغربي فصلاً جديداً “مجيدا” من تاريخه حيث دخل دخول الفاتحين أزكى قلاع الدين رفعة ومهابة فأعلن عن إغلاق أكثر من ستين مدرسة لتحفيظ القرآن الكريم.

لم يكتف بما منع وضيق على العلماء الأحرار ورجال الدعوة، واغتال واغتصب، ونفى وشرد، وأهلك وأفسد في حق المغاربة المسلمين عامة، بل امتدت يداه لأقدس ما تملكه الأمة وتتعزز به وتتشفع: القرآن الكريم.

صبغ الله به ذات المصطفى المجتبى صلى الله عليه وسلم عملا عملا، حركة حركة، فكرة فكرة، خاطرة خاطرة، بل ذرة ذرة. أحاط به وغمره، وانفتحت له منابعه وعيونه، ووجد فيه فؤادُه منتهى لذته وانشراحه، وامتزجت بروح القرآن روحه الطاهرة العلية وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا. فتمثله حسنا وبهاء وجمالا، وتدفقت عليه وأسرعت إليه أنوار الدرجات والرحمات والكمالات. صلى الله عليك يا من زين المبدع الخبير بك دينه ودنياه وآخرته وجميع خلقه.

قال صلى الله عليه وسلم: “ما من كلام أعظم عند الله من كلامه، وما رد العباد إلى الله كلاما أحب إليه من كلامه” 1 . ودخل عليه سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه يوما فقال: “شبت يا رسول الله قبل المشيب” (صحابي يتمتع بالنظر إلى الوجه الغالي) فقال صلى الله عليه وسلم: “شيبتني هود وأخواتها قبل المشيب” 2 . قام ليلة كاملة يتلو آية واحدة من كتاب الله: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. فلما سأله سيدنا عبد الله بن مسعود وقد صلى معه رفقة سيدنا أبي ذر رضي الله عنهما: بأبي وأمي يا رسول الله قمت الليلة بآية واحدة بها تركع، وبها تسجد، وبها تدعو، وقد علمك الله القرآن كله، قال: “إني دعوت لأمتي” 3 .

ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من قول أو فعل إلا وصنعه ليرغب أصحابه وأمته في تعلم القرآن وحفظه وتدبره وتوقيره والعمل والاستمساك به والاستناد والاتكاء على دعوته وقيمه وأصوله لأنه “كتاب الله هو حبل الله الممدود بين السماء إلى الأرض” 4 . ووصفه ابن مسعود رضي الله عنه فقال: مأدبة الله عز وجل فمن دخل فيه فهو آمن.

فيه عز هذه الأمة وشفاؤها وصبغتها وروحها وشرفها، وهو وجودها ورفعتها وتميزها وشفيعها وجهادها ودنياها وآخرتها لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ. ومن هنا توجهت إليه سهام الأعداء والمنافقين في الداخل والخارج، وصوبوا نحوه خبثهم ومكرهم وكيدهم وحيلهم وأمراضهم واستفرغوا لذلك جهدهم وأنفقوا أموالهم. وكما توارث أولياء الله المجاهدون حب القرآن وخدمته ونشره وتعليمه ودعوة الناس كافة لاتخاذه منهـاج حيـاة وسبيل النـور والهدى والسلام، توارث المنافقـون الغيـظ والاشمـئزاز وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا.

لذر الرماد على العيون التي لا يتجاوز بصرها المظاهر تطبع نسخ القرآن الكريم في المطابع، وتدرس بعض آياته وسوره في المدارس والجامعات، وتعقد حلقات للمسابقات وتنشأ إذاعات حتى يأخذ الوهم العقول الساذجة أن الأمر جد وأن للقرآن مكانة وحرمة وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ، حتى إذا نظرت بعين الفاحص اليقظ إلى دنيا الناس وجدتها فسقا وفجورا وتدليسا وجشعا وبطرا وفحشا وترفا. إن القرآن الكريم ” لم ينزل من علياء السماء على قلب محمد صلى الله عليه وسلم ليكون تميمة يحتجب بها، أو أورادا تقرأ على المقابر وفي المآتم، أو ليكتب في السطور، ويحفظ في الصدور، أو ليحمل أوراقا ويهمل أخلاقا، أو ليحفظ كلاما ويهجر أحكاما… (حسن البنا رحمه الله)، بل ليصنع بتعاليمه أمة الرسالة.

قال الإمام القشيري رحمه الله يصف المفسدين في الأرض: أعرض الحق سبحانه وتعالى عن قلوب قوم فأعطاهم في الظاهر بسطة في اللسان (في الفرنسية يا مولاي)، ولكن ربط على قلوبهم الحرمان؛ فهم في غطاء جهلهم، ليس وراءهم معنى، ولا على قولهم اعتماد، ولا على إيمانهم اتكال، ولا بهم ثقة بوجه. هؤلاء أقوام استولى عليهم التكبر، وزال عنهم خضوع الإنصاف، فشمخت أنافهم عن قبول الحق فإذا أمرته بمعروف قال: ألمثلي يقال هذا ؟! وأنا كذا وكذا!. وعن الحسن البصري رضي الله عنه: ” إن المؤمن –والله- ما نراه إلا يلوم نفسه: ما أردت بكلمتي؟ ما أردت بأكلتي؟ ما أردت بحديث نفسي؟ وإن الفاجر يمضي قُدُما ما يعاتب نفسه”.

إن اعتداء وتعدي الظالمين على حدود وحرمات الله توجب مغالبتهم ومناصرة الحق وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا. وكفى فيهم قول الله سبحانه وتعالى القاهر فوق عباده الذي بيده ملكوت كل شيء الوكيل على كل شيء فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ.


[1] رواه الدارمي 3354\
[2] صحيح أخرجه ابن مردويه\
[3] أخرجه محمد بن نصر في قيام الليل\
[4] صحيح رواه ابن أبي شيبة\