بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه وإخوانه وحزبه.

17 سنة سجنا: آلام وآمال

مضت سبعَ عشْرةَ سنةً من اعتقالنا على التمام والكمال، بعد أن مَسَّنا وأهلينا من بأساء المخزن وضرائه ما يضيق عن وصفه البيان، وعن تصديقه الخيال.

كنا يومئذ -01/11/1991م- فتية يافعين تفتحت أزهار أعمارنا بين أحضان الجامعة، طالبين علماً ومعرفة، وتفتَقَّت باكورة أفكارنا عن مشروع طلابي أصيل، فما إن بزغت في الأفق شارة فعل طلابي رشيد، وجذوة تغيير لاحب أكيد، حتى تلقفتنا الأيادي المخزنية الآثمة غدراً وتواطؤاً مع الوكلاء الأقزام، وضغطاً وجزاء على جماعة العدل والإحسان التي أبت أن تخنع أو تستكين، لتودعنا بعد تلفيق وتزوير أقبيتها المتهالكة. فكان الإيذان باعتقال شاق ومرير.

حقيق بنا ونحن نقلب سنوات اعتقالنا السبع عشرة أن نسترجع مع العهد البائد آهات الاعتقال السياسي في المغرب وآلامه، وأن نتفحص مع الحاضر الهابط الكئيب بطش السجان ونكاله، وسُعار المخزن وشراسته على أبناء جماعتنا ومؤسساتها، وعلى كل حرٍ أبي من أبناء هذا الوطن الغالي الحبيب (من أبناء صفرو وسيدي إفني وأفواج من المعطلين..)، ليعلم كل ذي مروءة حصيف وفاضل نزيه أن ملة الجبر المخزني واحدة مهما اختلفت الشعارات المعلَنة، والمشاريع المفلسة: دولة الحق والقانون، حقوق الإنسان، التنمية البشرية، طي صفحة الماضي..

غير أننا نحمد الله اللطيف الخبير، حمداً يُحصي نعمه ويُكافئ مزيده؛ إذ حوّل أصناف الظلم، وأعدادَ الاستثناءات من محطات العفو الهامل المائل التي جابهنا بها أهل البغي والجور من قومنا إلى فيض من العطايا والمنن. فكان القرآن الكريم عمارة الزنازن، وتحصيل العلم النافع سراج العنابر، والاستعداد لمستقبل الإسلام الديدن والرجاء.

فها نحن على الرغم من طول الاعتقال وضراوته لم يَسمع منا الداني الحميم اغتياظاً ولا ضجراً، كيف وجماعتنا المباركة قيادة وأعضاء، رجالاً ونساءً، شيباً وشباباً كانت نِعم المواسي النصير، والكافل المعين.

ولم يَر منا القاصي العنيد استكانة أو خنوعاً بله استجداء أو نكوصاً. كيف وهو الجامع مع بشاعة ظلمه عاراً وشناراً، والجالب بسوء تقديره حسرة وتباراً. يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ.

إنه الوهم البئيس يجتاح عقول الظلمة المفسدين، فيصور لهم الاختطاف والاعتقال والحصار والمحاكمات الصورية… سبيلاً ممهداً لاجتثاث حملة الحق والهدى، وحاشا لله أن يَكِل جند الله إلى مَن يستأصل شأفتهم، ويُشتت شملهم؛ ولكنه الإعداد الحقيقي لغد الإسلام الأغر، تتعرض له الجماعة الصادقة المُجددة فيشتد عودها ويصلب ويصقل. فلا يبقى صامداً في صفها المرصوص، ثابتاً على محجتها الناصعة إلا الأصلب عوداً، والأقوى شكيمة، والأشد اتصالاً بالله، وثقة فيما عنده من الحسنيين: النصر أو الأجر.

وحَسْب المؤمنين الذين يقع عليهم البلاء المبين في المغرب وفلسطين الصامدة والعراق المقاوم وأفغانستان والصومال …، أن يكونوا هم المجتابين من الله، القائمين اليوم بحق الله، الشهداء بالقسط غداً على عباد الله. جاء في الصحيح: “أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد له في البلاء”.

إن صدأ القيد، وصَلَف السجان لن يُثنينا عن مواصلة درب البناء، باذلين الغالي والنفيس في سبيل عزة أمتنا، وكرامة بلدنا. ثابتين في صف جماعتنا، حافظين عهد الطلبة الأشاوس الذين لم تزدهم سنون اعتقالنا إلا تألقاً ونُضْجاً، وسداداً وشموخاً. فحياهم الله من رجالٍ أفذاذ، كرامٍ أبرار.

وإنها لعقبة واقتحام حتى النصر

وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ

معتقلو العدل والإحسان الاثنا عشر بسجن بوركايز – فاس

بتاريخ: 24/10/2008