الفصل الثالث: في بناء المستقبل

في البناء

التربية الإيمانية

غايتها إخراج الإنسان من ظلمات المسخ الثلاث: ظلمة الأنانية المستعلية على العباد، وعلى رب العباد. وظلمة العقلانية المتألهة المكذبة بالدين. وظلمة العادة الجارفة لمكارم الأخلاق.

وفي أرض الأنانية تنبت عادة الغرائز والأهواء الفاسدة، وما العقلانية سوى وسيلة لخدمة الأم الأنانية، والبنات الغرائز والشهوة. هي المحراث. عقلانية أنانية، وأخرى شهوية.

أما إنسان الفطرة فيولد لما يخرج عن أنانيته ويتحرر منها. وبدل أن يقول “أنا ربكم الأعلى” يقول “ربي الله”.

هو يشعر أنه مخلوق، وأن الأحق بالخدمة والطاعة هو خالقه وليس أناه. أناه هي هواه. وهو إلهه الله، وليس هواه. قصده الله، ويقينه الله. يتطهر بالتوبة الدائمة، ودوام اللجا إلى الله. عار من حوله وقوته، عسى ربه أن يكسوه لباس التقوى. ولباس التقوى خير.

لا يؤله عقله يخدم أناه وهواه، فهو فصل عنها إلى نهر وحي الله ورحمة الله، والعقل خادم خاضع لجلال الله.

خروج من ظلمة الأنانية إلى نور العبودية لله عز وجل، ومن ظلمة العقلانية إلى نور الوحي الإلهي. وحي إلهي في خدمة العبودية لله، وابتغاء مرضاته. لا يكون في خدمة الأهواء.

كيف التحرر من المسخ؟ كيف التنور بالفطرة؟

الصحبة طريق. هي الحب. والحب المحرر هو حب الله. إذ هو حب بلا شرط ولا حاجة. لا يكون هذا إلا لله. فمن أحب لحاجة فهو في قيدها. الحرية الكاملة في العبودية الكاملة. والعبودية الكاملة، هي العبودية بلا حاجة ولا إرادة؛ عبودية التسليم المطلق فيما يريد ويفعل. علامتها الطاعة الكاملة للوحي باطنا وظاهرا.

والذكر طريق. بالفرض والنفل يزيد الحب. وليس شيء من هذا إلا بصحبة ربانية، استكملت الإيمان، وترقت في ذرى الإحسان.

هذا تدل عليه التجربة في التربية والسلوك على المنهاج النبوي. ويدل عليه الحديث القدسي:

‏ ‏عن ‏ ‏أبي هريرة ‏‏قال: ‏قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم: ‏ “إن الله قال من عادى لي وليا فقد ‏آذنته ‏ ‏بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وماترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته.” 1

التربية الجهادية

عواملها ثلاثة: هي الصحبة والجماعة والذكر والصدق. بيئة جماعية، وتعليم، واستعداد للتلقي والتأثير.

طالع أيضا  من كتاب معالم التغيير في نظام الإسلام (15)

للتربية الجهادية هدفان هما التربية والتعليم. التربية تنصب على الباعث النفسي، والولاء العاطفي. والتعليم يتوجه إلى العقل يرسخ فيه أفكارا ومبادئ وعقائد. تتجه التربية إلى القلب والعاطفة، ويتجه التعليم إلى العقل يرسم خط اقتناعاته.

التربية والتعليم ينشئان الظن الجماعي في مجتمع ما. هما يشكلان ثقافته. وعن الثقافة تتفرع الهياكل والمؤسسات في المجتمع. عن الثقافة يكون الحكم والسياسة والاقتصاد.

داخل مجتمع ما، نميز بين الثقافة والبنية. الثقافة تحدد البنية. هذا اتجاه، قال به عدد من الفلاسفة والمفكرين. وممن قاله أوكست كونت. علماء الاجتماع هذا ما يقولونه، قاله ماكس فيبر ، ورد على الماركسية القائلة بعكسه: فالبنية عندها هي مدار الأمر، والبنية هذه هي البنية الاقتصادية. الاقتصاد هو ملاك الحياة الفكرية، لا تفصل كلمتها إلا على شريطته.

وإنما الشأن في الثقافة فهي أشد وقعا في الحياة الاجتماعية وأبقى أثرا. وإنه لما رام الاستعمار تغيير نمط حياة المسلمين، واتته آلتها في المدرسة، وتصرفت معه أداتها في الجامعة، حتى صنع من ذراري المسلمين من يحكيه ولا يجاريه. لم يستأمن على رسالته وحملها سوى الذين رباهم في مدارسه، وعلمهم في جامعاته.

التعليم كان مدخل الاستعمار الأساسي. فطن المسلمون المجاهدون لمخطط الاستعمار، وأدركوا خطره. لكن ما الحيلة وقد تحول من كانوا بالأمس تلامذة في مدرسة الاستعمار، حكاما في بلاد المسلمين، ورؤساء جامعات ومعاهد، وأساتذة تعليم وتكوين وتدريب. التعليم تحت هيمنة الدولة، والدولة في أياد خادمة للاستعمار وثقافته.

الشأن في التعليم إذا. أمر ذو بال وجب العناية به، أثناء قيام دولة الإسلام.وإن من آكد واجباتها، وأول ترتيباتها، إصلاح التعليم وتعهده وتطهيره من رواد الفكر الاستعماري، وثقافة الأجنبي الصادة عن دين الأمة وشرع الأمة وتاريخ عز الأمة.

التعليم والتربية قواما بناء الشخصية الإسلامية. يكون الاستعداد للتلقي أشد في السنين المبكرة الأولى. فيكون مدار التعليم والتربية في السنين التسع الأولى هو القرآن. فهو في ذلك يكون الحفظ إليه أسرع، وآذان الفطرة لسماعه أنشط، وهو أحق بالتقييد وقلة التفلت.

طالع أيضا  من كتاب معالم التغيير في نظام الإسلام (6)

ولا يكون الظن في الإسلام ظن الحق، إلا إن كان القرآن معينه ومصبه. لا ينهل من ثقافة إلا والقرآن الحاكم والمقياس والمعيار. تعليم مضمونه القرآن. هذا ما يميز الإسلام وظن الإسلام وعلم الإسلام.

هذا، وإن التغيير لا يتم إلا وسط بيئة جماعية. محاضن التربية الأساسية هي الأسرة، والمسجد، والمدرسة، والجمعيات، والأحزاب. وجب العناية بكل هذه المحاضن. على صلاحها مدار صلاح التعليم، وتحقيق أهداف التربية. ليس تكون تربية، ولا يكون تعليم إلا بصحبة صالحة وجماعـة صالحة هم أهل القرآن في المسجد، والأب والأم في الأسرة، والمعلم في المدرسة، والأعضاء في الجمعية والحزب.

التعليم مشروع مجتمعي كامل. والذي يطمع في التغيير، دون تغيير هذه العوامل المحددة للتربية والتعليم، فهو يحاول ما لا يمكن، ويهم بما لا ينال، يدفعه منطق الواقع، وترده سنة الله فيه.

وفي المدرسة إنما الشأن في المعلم؛ في قوته وكفاءته وأمانته. المعلم القدوة الكفء هو ملاك التربية والتعليم في المدرسة، كما هو العالم في المسجد، والأبوان في البيت. بعضهم أولياء بعض يزكون النفوس أحسن ما تكون التزكية، ويهذبون الأخلاق غاية التهذيب، ويدققون في المعاني كل التدقيق، وينقحون الألفاظ كل التنقيح.

تعليم وتربية متحرران من هيمنة الدولة. أهل الدعوة، أحق بالتعليم والسهر عليه. أن يكون التعليم في كنف الدعوة، فهو قوة للأمة في وجه طغيان الدولة. وهو كذلك أفعل في التغيير المنشود، يصنع في القلوب والعقول صنع الغيث في التربة الكريمة؛ فيخرج الإنسان من مسخه إلى فطرته إنسانا ونظرة وموقفا.

التعليم من أقوى الآلات وأخطرها في توجيه الناشئة. وأشد وسائله في وقتنا الحاضر أجهزة الإعلام؛ تجالسها الناشئة فأكثر ما تجالس الجهال والنوكى، والسخفاء والحمقى، فلا تكاد تنقى من أوضار كلامهم، وخبال معانيهم. وإن الفساد لأسرع إلى الناس، وأشد التحاما بالطبائع. وعلى هذا يكون تطهير وسائل الإعلام حتى تواتي التربية القرآنية والتعليم القرآني وتتصرف معهما، من آكد الواجبات.

طالع أيضا  من كتاب معالم التغيير في نظام الإسلام (17)

ويبقى المسجد النواة ومصدر الإشعاع؛ يبصر الناس مواقع الرشد وعواقب الغي. وروحه تسكن كل مواطن التربية؛ فتحيا بذكر الله، ويجعل لها نورا تمشي به في الناس.

تكون العناية بالنشء إبان أوج الاستعداد وصونهم من الثقافة اللاييكية وسمومها. لا يلتمسون الحكمة بين ثنايا هريجها ومريجها، إلا بعد استكمال الشخصية، واستواء الزرع على سوقه. القرآن والقرآن وحده، حفظا وتلاوة وتجويدا وشرحا وفهما وتفسيرا، مضمون التعليم في السنوات التسع الأولى من عمر الدارس.

حديث الفطرة ووحيها، أول ما ينبغي أن يلامس الناشئة القريبة العهد بالفطرة. ثم يرسخ صوت الفطرة شيئا فشيئا، حتى يصبح دويا لا تكاد تسمع شيئا دونه، إلا وهو دونه. يعلو صوت القرآن فوق صوت الثقافة الخليط، من الأهواء والكفر والشرك والغفلة عن الله.

في حصانة وتماسك شخصية، تقبل الناشئة على علوم الغير تنهل، والقرآن حاذ والقرآن مقياس، والقرآن حاكم. تنهل من علوم الكون الخادمة لمقاصد القرآن دولة ودعوة، الدالة على الله واليوم الآخر.

واللغات الأجنبية ضرورة، تدرس في السنين الأولى، إن كان ولا بد، حاملة للمضمون القرآني. ثم بعد، تكتسب لمسايرة العلوم، لأن الغير لا يزال رائدا. ويعمل المسلمون في دولة الإسلام على مجاراة الركب العلومي التكنولوجي، حتى تكون اللغة العربية لغة العلوم والدين جميعا. والشأن أن تُكتسب اللغات الأجنبية للدعوة، دعوة العالمين إلى الله رب العالمين.


[1] رواه البخاري في صحيحه.\