السنة والشيعة: جولات حوار.. وسجال

قبل أشهر، عندما بثت قناة الجزيرة الفضائية حوارا حيا بين فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، والشيخ علي أكبر هاشمي رفسنجاني رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام بالجمهورية الإسلامية الإيرانية، ظهر لمن تتبع الحوار آنذاك أن الدكتور القرضاوي قد نبه على ذات الخطرين اللذين ذكرهما في الحوار الذي أجرته معه صحيفة “المصري اليوم”، ورأى أن الشيعة تقع فيهما وهما: “سب الصحابة، وغزو المجتمع السني بنشر المذهب الشيعي فيه”، وصاغ حينها تنبيهه المذكور بلغة مخففة إلا أنها واضحة وصريحة بحكم أنه يتكلم من موقع رجل الدعوة، بينما عبر الشيخ هاشمي عن آرائه بلغة دبلوماسية بحكم أنه يتكلم من موقع رجل الدولة، ورأى في تنبيه الشيخ القرضاوي المتكرر على ذانك الأمرين “يصب في مصلحة أعداء الإسلام (الصهاينة والأمريكيين)”.

وانتهى الحوار الذي اعتبر سابقة في مسار الحوار الشيعي-السني، ولم يثر جدالا واسعا كالذي أثاره الحوار الذي أجراه الشيخ القرضاوي مع صحيفة “المصري اليوم” ونسب فيه الشيعة إلى الابتداع والبدعة، مما حدا بوكالة الأنباء الإيرانية (مهر) لأن تشن علية هجوما عنيفا وصل إلى حد الاتهام بالعمالة للصهاينة والحاخامات اليهود، وأحرج حتى بعض علماء الشيعة المنسوبين إلى تيار التعقل والاعتدال فأحوجهم إلى الرد على الشيخ القرضاوي، لكن بنبرة فيها الكثير من الأدب والاحترام، كما صدر أقوى رأي مساند للدكتور القرضاوي عن زعيم حركة النهضة الدكتور راشد الغنوشي الذي تساءل “فماذا أتى الشيخ القرضاوي حتى يستحق كل هذه الصواعق والقذائف، هل كفر بالله ورسوله؟ أم هل تعاون مع جيوش الكفر وسهل عملها في احتلال بلاد إسلامية وأغراها بذلك وامتن به عليها؟ هل جعل دينا له يتعبد به ربه لعنَ أحب وأقرب الرجال والنساء إلى قلب صاحب الدعوة ممن مات وهو عنهم راض، وكيف يأتي القرضاوي شيئا من ذلك، وهو رأس مذهب جمهور المسلمين الذين يترضون عن كل صحب محمد وبالخصوص آل بيته عليه وعليهم صلوات ربي وسلامه؟”. وأنه” غير مقبول بحال الأسلوب السافل الذي تحدث به محرر وكالة الأنباء الإيرانية عن العلامة القرضاوي لدرجة رميه بالعمالة لأعداء الإسلام وبالعداء لآل محمد عليه وعليهم السلام، بما يطرح السؤال عن مدى تمثيل محرر الوكالة المتعجرف للموقف الإيراني الرسمي” وأن “الشيخ القرضاوي عبر عن شعور عام في عالم السنة بالسخط على اختراقات حتى إن كانت محدودة قد فتحها بعض دعاة التشيع في جسم الوحدة الوطنية لأكثر من قطر من الأقطار السنية، خصوصا تلك التي برئت من الصراعات المذهبية. ولذلك فنحن في هذا الصدد كلنا قرضاويون. “وأن الإبداع في ميادين العلم والمقاومة ليس مقصورا على مذهب دون آخر بل إن” الأمة بكل مذاهبها تبدع عندما تتخفف من رهق الدولة”.

الشيخ القرضاوي: هذا بيان للناس

وقد أصدر الشيخ القرضاوي بيانا رد فيه على ما وجهته إليه وكالة الأنباء الإيرانية (مهر) من انتقادات واتهامات، وعلى السيد محمد حسين فضل الله والشيخ محمد علي التسخيري الأمين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية، ونجمل ما ورد في البيان من أفكار في:

1. تمة أمران خطيران يقع فيهما الشيعة وهما: سبُّ الصحابة، والآخر: غزو المجتمع السني بنشر المذهب الشيعي فيه.

2. لم يسلح علماء السنة جمهورهم بأيِّ ثقافة واقية، لأنهم يهربون من الكلام في هذه القضايا، مع وعيهم بها، خوفا من إثارة الفتنة، وسعيا إلى وحدة الأمة.

3. هناك فرقة واحدة من الفرق الثلاث والسبعين التي جاء بها الحديث هي وحدها (الناجية)، وكلُّ الفرق هالكة أو ضالة، وكلُّ فرقة تعتقد في نفسها أنها هي الناجية، والباقي على ضلال. ونحن أهل السنة نوقن بأننا وحدنا الفرقة الناجية، وكلُّ الفرق الأخرى وقعت في البدع والضلالات، وعلى هذا الأساس قلتُ عن الشيعة: إنهم مبتدعون لا كفارا، وهذا مُجمَع عليه بين أهل السنة

4. الشيعة عندهم بدع نظرية وبدع عملية، ومن البدع النظرية :القول بالوصية لعلي، وعصمة الأئمة والمبالغة في تعظيمهم، وإضفاء القداسة عليهم…ومن البدع العملية تجديد مأساة الحسين كل عام، وما عند مزارات آل البيت من شركيات.

5. إن بعضا من الشيعة ترى أن هذا القرآن ناقص، وأن المهدي حين يخرج سيأتي بالقرآن الكامل، وأن هناك من ألف كتابا مثل كتاب(فصل الخطاب) وأن أكثرية الشيعة تنكر ذلك، ولكنها لا تكفره كما نفعل نحن أهل السنة، وهذا هو الفرق بيننا وبينهم.

هذه هي أهم الأفكار المرتبطة بتطورات التاريخ الإسلامي وبالمباني الفقهية والكلامية والسياسية والعقدية للشيعة وأهل السنة.

افتضحوا تصطلحوا

ويقتضي التعليق على ما أثاره حوار الدكتور القرضاوي مع صحيفة (المصري اليوم)، وعلى البيان الذي أصدره في سياق الرد على السيد فضل الله والشيخ التسخيري وعلى وكالة الأنباء الإيرانية (مهر) رسم أمور:

1- إن نجاح أي حوار شيعي- سني يتوقف على الوضوح والصراحة في إبراز مواطن وموارد الخلاف الجوهرية والرئيسية، وإلى المعالجة المتأنية دون الانفعالات الآنية، وحصر دائرة النقاش بين العلماء الراسخين والمتخصصين، ودون إنجاز هاته الخطوات يظل الحديث عن ذلك الحوار محلقا في أجواء العواطف والمجاملات والخيال، ويحتاج إلى مواجهة الانحرافات والتحريفات التي استفحلت نتيجة النزاع المذهبي الذي تكاد نيرانه تلفح من وراء قراطيس التراث السياسي والكلامي والفقهي والبث الفضائي للشيعة وأهل السنة.

2- إن الحكم على مواقف وأفكار أهل القبلة بمقاييس الخطأ والصواب أولى- في ظروف الاشتباكات المذهبية- من الحكم عليها بمقاييس الكفر والإيمان – ما خلا الحسم في تكفير القائل بتحريف القرآن- ،سدا لذرائع الفتنة وإذكاء نيران الاقتتال الطائفي:

كأن نقول:

– اعتقاد الشيعة وجود نص جلي على أحقية علي-كرم الله وجهه- في الخلافة خطأ.

– التغالي في إظهار الحزن على استشهاد الإمام الحسين عليه السلام خطأ .

3- الحذر كل الحذر من الالتقاء الموضوعي غير المقصود مع مخططات أعداء الإسلام والمسلمين؛ فإذا كانت المحاولات الأمريكية الساعية لخلق تحالف مذهبي سني رسمي للوقوف في وجه إيران في سياق تفاعلات ملفها النووي قد باءت بالفشل، وأطلقت عليها تطورات حرب القوقاز رصاصات الرحمة، فيخشى أن تسعى أمريكا- وهي واهمة إن اعتقدت نجاحها في ذلك- إلى خلق تحالف سني شعبي ضد إيران مستغلة أمثال هذه النقاشات والسجالات المذهبية- إذا ما اتسعت دائرتها وأصبحت حديث الخاص والعام- والتي أفرزتها التعليقات على حوار الدكتور يوسف القرضاوي.

التحرر من قبضتي السلطان والعوام

إن المنهج القرآني يمدنا بقاعدة نفيسة في دراسة الانكسارت التي تصيبنا، والأزمات التي تمر بنا؛ إنها قاعدة (قل هو من عند أنفسكم)، لذلك يلزم البحث عن عوامل التردي والخنوع في العالم الداخلي لأهل السنة الذين أفقدتهم “آفة السلطان” جل مقومات البقاء والصمود والمقاومة متذرعة بكل وسائل التفقير والتجهيل:

أولا: بمضامين العدل الإسلامي في الحكم وتوزيع الثروة،

وثانيا: بنموذج الخلافة الراشدة القائمة على معايير الحكم الرشيد والشورى ورقابة الأمة بالنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،

وثالثا: بالإحجام عن إدانة الانقلاب الذي وقع على الخلافة الراشدة، وبذلك الإحجام تبدو لغير الخبير المواقف الشيعية جذابة ومحل إعجاب،

ورابعا: باعتقاد أن الحديث عن المحنة التي تعرض لها أهل البيت في مراحل ممتدة من التاريخ الأموي والعباسي قد يسقط أهل السنة في فخ اللغة المشتركة مع الشيعة بخصوص هذا الموضوع ، وهو ظن خاطئ يفتل فعلا في حبل الاحتكار الشيعي للحديث عن تلك المحنة، ولذلك لا عيب في رأيي في تجديد الحديث عن استشهاد الإمام الحسين إذا نحن ركزنا على الجوانب المشرقة من المأساة: الجوانب المرتبطة بقيم الشهادة والصدع بكلمة الحق والمواجهة الدموية المبكرة للانقلاب على الخلافة الراشدة لصالح الملك العضوض الذي عض على الأمة بالوراثة وبيعة الإكراه، وتقديم الواقعة بعرض جديد يتجاوز التصوير الشيعي لها كمصيبة تستوجب لطم الصدور وضرب الظهور بالسلاسل، وتميط اللثام عن الشخصيات المنسية التي لا تذكرها المواعظ الحسينية الشيعية: كشخصيات الإخوة الثلاثة أولاد الإمام علي كرم الله وجهه الذين استشهدوا مع أخيهم: أبو بكر وعمر وعثمان، وإنه لقدر إلهي عجيب أن يدخر الله هذه الأسماء الثلاثة لتنفي كل صفة مذهبية أو طائفية عن قومة الإمام الحسين، دون الدخول قبل ذلك في الدلالات العميقة لتسمية الإمام لأبنائه الثلاثة بتلك الأسماء.

وخامسا: بعدم التدقيق في تسمية أهل السنة والجماعة، إذ كان الأجدى أن يحرم منها من لم يراعوا الوصية النبوية في أهل البيت، ولم يلتزموا بسيرة الخلفاء الراشدين، لذلك يمانع البعض في إطلاق اسم أهل السنة والجماعة على الفقهاء الذين لم يجرموا أفعال الحكام الخارجة عن جادة العدل والشريعة، ويرى في إطلاق الاسم عليهم “خطأ ومغالطة تاريخية تحتاج إلى تصويب” 1 ، وحجته في ذلك أن أهل السنة والجماعة الأصلاء قد “انتهوا كتيار فكري واجتماعي بانتهاء أمثال سفيان الثوري 2 ، والفضيل بن عياض (ت 187 هـ) 3 ، وعبد الله بن المبارك 4 ممن جاهدوا لجعل محور “السنة” في ميدان الأعمال والتطبيقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وجعل “الشريعة فوق القوة” (…) وأعلنوا أن محور سنة الرسول – صلى الله عليه وسلم- كان يدور حول زهد الحاكم بالمال والجاه، واستمرار الجهاد لنصرة الرسالة وإقامة العدل” 5 ، ويُعتقد أن نهاية هؤلاء الأعلام كانت نهاية مدبرة، إذ أن “ممثلي ثقافة العصبيات الأسرية والقبلية بقيادة طلقاء مكة استطاعوا التغلب على هذا التيار السني والبطش بقياداته (…) واستطاعوا نقل محور السنة إلى ميدان الأشكال، ومستحبات السنن في الأخلاق الفردية والشهوات والشعائر، مما أدى إلى كبت الحريات وانحسار الفقه الإسلامي إلى ميدان العبادات (…) ولقد نما هذا اللون من الفقه وصار له امتدادات ومذاهب انحدرت في التاريخ الإسلامي تحت اسم (أهل السنة والجماعة)، ومارس مختلف أشكال الآبائية والحجر على التفكير”. 6


[1] د. ماجد كلاني، “الأمة المسلمة”، ص: 110- 111، مطبعة العصر الحديث للنشر، ط.1. 1992 م.\
[2] سفيان بن سعيد الثوري الفقيه، مات سنة 161 هـ، انظر: ابن العماد الحنبلي، شذرات الذهب، 1/ 250.\
[3] قال عنه الذهبي: “كان ثقة نبيلا، عابدا، كثير الحديث، وقيل: كان الفضيل يقبل صلة ابن المبارك، وكان بارا به ولا يقبل جوائز الدولة”، تذكرة الحفاظ، 1/246.\
[4] قال عنه: الذهبي: “فخر المجاهدين، قدوة الزاهدين، أبو عبد الرحمن، ولد سنة ثماني عشرة ومائة للهجرةـ، قال عباس بن مصعب: جمع ابن المبارك الحديث والفقه والعربية وأيام الناس والشجاعة والسخاء ومحبة الفرق له، مات سنة 181 هـ، تذكرة الحفاظ، 1/274.\
[5] د. ماجد كيلاني، الأمة المسلمة، ص: 110-111.\
[6] المصدر نفسه، ص: 111.\