كما هو الشأن بالنسبة للعالم الإسلامي، فالغرب ليس كتلة واحدة واضحة المعالم؛ وبما أنني لا أستطيع الإحاطة بتركيبته المعقدة في هذا الوقت الوجيز، فسأكتفي بالتمييز بين غرب المجتمعات المدنية وغرب الحكومات.

إذا كانت المجتمعات المدنية تميل إلى حوار إنساني حقيقي حول العالم الإسلامي، فإن الحكام يشتغلون بحسابات تفرضها السياسة الواقعية. ومع ذلك فقد يحدث تقارب بين الطرفين في زمن الأزمة هذا. إن تحولات مباغتة وحقيقية أصبحت مؤكدة بعد أن بدأ مفهوم “الندرة” الذي يواكب الأزمتين المالية والبيئية يفضي إلى عمليات عسكرية ليست المبادرة الأمريكية سوى طليعة خجولة لها. لكن حجم الكارثة التي قد تنجم عنها قد يدفع إلى سيناريو أقل انتحارية. فالاضطراب الجيو- استراتيجي الدولي، والذي يذكيه الانهيار الحالي للمالية الأمريكية وبروز قوى أخرى، سيدفع بالتأكيد أوربا لإعادة النظر في رؤيتها للآخر ولإعادة الارتباط مع فكر غني لم يكن دائما أوحدا. وإذا كان الهاجس الأمني يجعل تحقيق هذا السيناريو صعبا للغاية، فإن ضرورة التعايش تفرضه فرضا في جميع الأحوال.

ومهما يكن الخيار الذي ستميل إليه أوربا، أمنيا كان أو إنسانيا، فإن عليه أن يقطع مع روح مسلسل برشلونة إذا أراد أن ينتزع جنوب المتوسط من الثقب الأسود المذكور في تقرير برنامج الأمم المتحدة للتنمية (تقرير التنمية البشرية العربية لسنة 2004)، بل أيضا من مخلب سياسة الفوضى التي لا يمكن أبدا أن تكون بناءة.

وبما أن فوضى العالم الإسلامي ستمس حتما جيرانها الأقربين، فإنه من المستعجل أن يعاد النظر في العلاقة بالعالم الإسلامي بعيدا عن التعارض والثنائية غرب ـ شرق، أوربا ـ إسلام، في إطار عالم معقد تطبعه الإنسانية العالمية (رونيه جون دوبويه في لومانتيه : مخيال الأمم).

يتحدث البعض عن تحويل أوربا إلى فضاء متوسطي بدل تحويل المتوسط إلى فضاء أوروبي. والخطوط العريضة لهذه القطيعة المتعددة الأبعاد تتلخص في:

1. صياغة إيديولوجية جديدة عبر برامج أقل انتقائية وأقل اعتمادا على المقاربات الثقافوية. وكذلك إعادة الاعتبار لنخبة مثقفة حقيقية والربط من جديد مع فكر أقل ارتهانا للاستشراق الريناني الذي ولد في سياق شرعنة الرأسمالية الاستعمارية. (من المفيد التنبيه إلى تهميش فكر غني مثل فكر جيجر أو غولدزيهر، المعاصرين لرينان، من طرف التوجه الرسمي للثقافة الأوربية.)

هذه الصياغة الإيديولوجية الجديدة ستكتمل ببرنامج يوسع بعض المبادرات لتشمل الضفة الجنوبية مثل مبادرة إيراسموس، ويمكن من الرفع من مستوى” المثقفين السوقة” الذين سيرتقون إلى مقام المعبر بين ثقافتين. إن روح الاجتهاد تقبل بهذا الدور لكن شرط الالتزام بمعيار المساواة وعدم استنساخ خطة ما بعد العهد الاستعماري التي أنتجت نخبا لضمان امتداده بدل محاورين وفاعلين حقيقيين للتغيير. قد تكون هذه النخب الصغرى حاملة جيدة لدمقرطة حقيقية لكن الأمية، في نظري، تظل العائق الأكبر أمام أي تقدم ديمقراطي حقيقي.

2. تحرك سياسي يأخذ بعين الاعتبار:

– الدروس المستخلصة من مسلسل برشلونة بتسهيل انتقال البشر إضافة إلى الممتلكات.

– الدروس المستخلصة من مشروع الشرق الأوسط الكبير و الشرق الأوسط الجديد التي أظهرت محدودية الدمقرطة بالقوة؛ ذلك أن ديمقراطية “نيسكافه ” لا تؤدي إلا إلى النفق المسدود، بل إن بريزنسكي نفسه سخر من “الديمقراطية المستعجلة”.

– الاعتراف بالإسلام والإسلاميين كمحاورين معتبرين من أجل إحداث دمقرطة حقيقية بدل اعتبارهم إرهابيين افتراضيين. ويسمي غسان سلامه هذا الاعتراف ب”مراهنة الديمقراطية” على الإسلاميين، مادامت جميع التجارب الانتخابية الحرة فعلا قد أثبتت شعبيتهم. أما احتمال الانحراف فيتم القضاء عليه بإجراءات اقتصادية وبتشجيع تعليم ذي جودة عالية.

– التوقف عن مساندة الأنظمة القائمة وترك الديناميات “الأهلية ” تشتغل دون تدخل، مادام التعاون والتنسيق قائمين وبما أن الديمقراطية التمثيلية غاية تتوافق مع الإسلام شريطة القبول بالتنوع الذي يمكن أن يصاحب اعتمادها.

3. التوقف عن إغناء طبقة معينة عبر المساعدات التي لا تفيد الشعوب المستعبدة وإنما الطبقة الحاكمة وحاشيتها في ظل واقع الارتشاء والفساد الذي تعرفه تلك المجتمعات. عوض ذلك ينبغي تبني مخططات تقويمية تصلح الخسائر الناجمة عن التقويمات الهيكلية التي أضرت ببلدان الجنوب، وخاصة في العالم الإسلامي.

4. وأخيرا وليس آخرا، لابد من الكف عن اعتماد سياسة الكيل بمكيالين تجاه فلسطين وإسرائيل، وهذه النقطة الحساسة بالذات لن تدع أي بذرة لديمقراطية هادئة تنمو في الشرق الأوسط.