الإصلاح السياسي في الشرق الأوسط

لقد أصبح هذا الموضوع محوريا في مجال العلاقات الدولية، فقد أثار 11 من شتنبر لدى السياسيين والباحثين نفس الأسئلة التي كان يطرحها المستشرقون في سياق اقل انفعالا. وأضحت الديمقراطية المعيار الأمثل الذي تقاس به قدرة أو عدم قدرة العالم الإسلامي على مواكبة الحداثة. وما بين الانقلابات الجيو- استراتيجية والتحولات المفاهيمية ، أصبح العالم الإسلامي من جديد محور اهتمام حقيقي.

وهكذا يجد المغرب نفسه ،مثل باقي العالم العربي، مقذوفا في إطار جيو- استراتيجي جديد تنازع فيه أوربا، الوصية الاستعمارية سابقا، الولاء الاجتماعي الاقتصادي لقوة لا تخفي رغبتها العارمة في الهيمنة.

وهكذا تصبح دراسات الانتقالات الديمقراطية، المسخرة لهذا الاهتمام المستأنف، علما جذابا رغم قصوره في التحليل.

الانتقادات التي يمكن توجيهها لهذا العلم عديدة ، إلا أنني سأقتصر على اثنين حتى نتفق مع لكا الذي يؤكد أن “التاريخ الحقيقي، مع الأسف، لا يملك دائما من اللياقة ما يجعله ينتظر تمكن الباحثين من فهم خباياه”.

يتلخص الانتقادان الأساسيان والكافيان إذن في أن:

1. المقاربة التاريخية التي يُعتمد عليها للحكم على مدى توافق الإسلام مع الديمقراطية لا يمكن إلا أن تكون سطحية مادامت مستوحاة من التوجه الرسمي لهذا التاريخ. فعدم وضع قطيعة ابيستمولوجية بين الخلافة الراشدة والانقلاب الأموي المتسلط يقود حتما إلى ضبابية مفاهيمية موجودة أصلا في التيار الاستشراقي السائد الذي منح الشرعية للاستعمار. وهذه الثغرة المعرفية تقود حتما إلى الأطروحات المعروفة حول تأثير الثقافة في الفرد والمجتمع.

2. سياق العلاقة بين الشمال والجنوب والصراع بين الحضارات الذي تفرضه الإيديولوجية المحافظة الجديدة حاليا، يدفع إلى اعتبار ظواهر سياسية مثل الصحوة الإسلامية مجرد حوادث تاريخية طارئة عوض وضعها في سياق الحركات التجديدية التي عرفتها الأمة بشكل دوري عبر تاريخها . فأنظمة الحكم وحركات معارضته، في البلدان الإسلامية، لا يمكن أن تصهر إلا في إطار التوجه الإسلامي. هكذا نجد بيير جون ليزار في كتابه “لائيكيات متسلطة في أرض الإسلام” يبرهن ويشهد على أن الإسلام رهان شرعية لم تستطع ولا تستطيع ولن تستطيع أكثر الأنظمة لائيكية أن تتجاهله.

يبدو الحوار إذن ضروريا إذا أردنا أن نتجاوز بعض الأحكام الجاهزة.

وأنتهز الفرصة لأشكر مبادرة هذه الجامعة في شخص الدكتور أوتفيك والتي أعتبرها مبادرة تنم عن حكمة ثقافية سياسية عالية وأعتبرها أيضا ضرورة في هذه الأزمنة المتخمة بالصدامات والتي لم يعد الاستقرار فيها ترفا زائدا.

ماذا عن “الانتقال الديمقراطي” في المغرب؟

لن أنجر إلى لعبة تقييم أكذوبة كبرى. فمن الواضح بالنسبة لكل ذي عقل سليم ، ونزيه ، بأن الأمر مجرد خدعة كبرى تفضحها يوما بعد يوم التقارير الوطنية والدولية التي تظهر أرقامها أن الديمقراطية المزعومة ” للعهد الجديد” بالمغرب ليست سوى ذر للرماد في عيون الشعب المسكين وأنها ليست سوى محاولات يائسة لنظام يحاول الاستمرار ما أمكن بالحفاظ على الركود لكن مع الإكثار من التحركات الجوفاء والشعارات الطنانة المتداولة عالميا ( دولة الحق والقانون- الانتقال الديمقراطي- التنمية البشرية- حقوق الإنسان ….).

في الجماعة التي أمثلها ، لم ننتظر التقارير المذكورة آنفا لإدانة الاستبداد بالمغرب إذ نحن ننتقد منذ البداية نظاما نعتبره مناقضا للديمقراطية في أسسه؛ وقد كلفنا هذا، محليا، اضطهادا منتظما منذ أكثر من 30 سنة ثم هجمة مسعورة للنظام علينا منذ مايو 2006.

أما على المستوى الدولي، فنحن ننعت بالتطرف من طرف عدد من الملاحظين، خاصة وسائل الإعلام التي تبحث عن الإثارة بدل محاولة استيعاب كنه الأمور. وفي نفس الوقت ،نفس النظام الذي لا يتردد في قمعنا بعنف يتحملنا ويعتبرنا قوة هادئة وعنصر استقرار ولهذا استثنانا في الحملة التمشيطية لـــ16 مايو، إثر وقوع انفجارات البيضاء.

لماذا هذا التناقض؟

– إن نعتنا بالتطرف يرجع إلى دورنا كمعارضين حملة مشروع يتميز على المستوى النظري برفض اعتبار الاستبداد لصيقا بالإسلام؛ فنحن ننفي كل قدسية عن أي حكم يستبد باسم القيم الإسلامية نفسها التي يقوم بتسخيرها لإضفاء القدسية عليه. هذا المنهج النظري يتجسد عمليا في مجهودات لإيقاظ الضمائر وبرامج وتأطير روحي وتربوي. هذه المعارضة دشنها مؤسس الجماعة الأستاذ عبد السلام ياسين سنة 1974 ،خلال سنوات الرصاص، برسالة “الإسلام أو الطوفان” التي بعثها لملك المغرب آنذاك، واستمرت بتوسع الجماعة وشجاعة أبنائها الذين بلغ عددهم حاليا مئات الآلاف.

معارضتنا للنظام تتم أيضا وبقوة على مستوى الرمزية والمرجعية الإسلامية ، وتصريحي بتفضيلي للجمهورية وقصة محاكمتي يندرجان في إطار منطق حرب العصابات الرمزية هاته. لقد كان هدفي أساسا تحفيز النقاش وحرية الرأي، باعتبارهما قيمتين متوافقتين مع قراءتنا للإسلام، ولم أدع أبدا إلى الانقلاب على الملك مادمنا مبدئيا ضد العنف .

كما أن معارضتنا تنبع من اعتمادنا في فهم تاريخنا الإسلامي على مفهوم “الانكسار التاريخي” الذي يضع حدا فاصلا بين الخلافة الراشدة والحكم الأموي وما تلاه نظرا لخيانته روح الرسالة. لأن شرعية الحكم في الإسلام تقوم على:

1. البيعة وهي عقد التزامات متبادلة أوتنصيب.

2. الشورى الذي يمكن أن نعبر عنه باللغة الحديثة بالنظام الانتخابي.

3. هذا النظام الانتخابي يفرض سيادة الشعب؛ فالحاكمية ليست حكما إلهيا يكون فيها القرآن دستورا يجيب على كل التساؤلات بل نظاما يكون فيه القرآن ضامنا للدستور ( انظر دستور المدينة) ولهذه السيادة الشعبية بصفة خاصة .فالحكم لله فقط وليس للمستبد. والله يفوضه إلى الأمة.

– لكن إذا كانت نظريتنا تثير حنق النظام فالعجيب أن وجودنا الميداني يعتبر عنصرا حاسما في استقرار الأوضاع:

1. لأننا ضد العنف أي أننا خصوم يمكن توقع أفعالهم.

2. لأن برامجنا التربوية تؤطر الشبيبة وتؤسس شكلا حضاريا للاحتجاج وتمنع التطرف والإرهاب.

3. بما أن التربية هي محور تحركنا، فإن عملنا الاجتماعي يخفف نوعا ما عن الدولة قسطا من مسؤولياتها وأهمها التعليم ومحاربة الأمية.

4. لأن رفضنا الاندماج في النظام لم يمنعنا من تأسيس دائرة سياسية تقترح حلولا حقيقية تنبني أساسا على ضرورة ميثاق وطني ومرحلة انتقالية تمكن من الحد من السلطات المطلقة للملكية عبر مسلك دستوري بدل إلغاء هذا الأخير.