دوافع الإصلاح

أثار التقرير الذي قدمه ديك تشيني يوم 17 مايو 2001 إلى الرئيس بوش حول السياسة الوطنية للطاقة، الفزع من مستوى التبعية المتزايدة للولايات المتحدة في مجال الطاقة؛ فمن 52 في المائة المسجلة سنة 2001 سترتفع النسبة لتصبح 66 في المائة سنة 2020. ومعلوم أن الدول العربية تتصدر قائمة المزودين بالنفط. وسنفهم فيما بعد الأولوية التي منحت للعراق الذي يمتلك 11 في المائة من المخزون العالمي. إذا أضفنا إلى ذلك أن العقود الطويلة الأمد الموقعة مع الصين وفرنسا وروسيا تمثل 44 مليار برميل، فإننا نحيط بالأسباب الجيو- استراتيجية التي أدت إلى التأهب الكبير للحرب.

سيتبع هذا التقرير حادث 11 شتنبر الذي يثير توقيته أكثر من تساؤل لدى العديدين الذين حافظوا على حرية الرأي ولم يكمم أفواههم الرأي الواحد والسائد. ذلك الحدث الذي جاء، وللأسف، في الوقت المناسب لدغدغة نزعة العظمة لدى أمريكا ولشرعنة العنف وتبريره لدى الرأي العام الدولي (في هذا الموضوع يراجع تشومسكي الذي يفكك بدقة آليات تضليل الجماهير من طرف الحكومات الأمريكية).

هكذا ستسخر لغة جديدة لهذه “الهيمنة الطيبة” وستمكن تعابير من قبيل محور الخير و الشر، الحرب تصنع السلام، ، القنابل الإنسانية، الحروب الرحيمة، من تمرير جرعة حرب وقائية يعتبرها النائب روبرت بيرد (12 فبراير 2003) أمام مجلس الشيوخ “مقاربة جديدة جذريا لفكرة الدفاع عن الذات ومنعطفا حاسما في السياسة الخارجية للولايات المتحدة”.

هذا المنعطف الحاسم سيتخذ تعبيرا عسكريا هو الاجتياح دون هوادة، ولكن بغطاء شرعي، والدمقرطة تمثل غطاء جيدا باعتبارها حاجة حقيقية وماسة . وهكذا ولد مفهوم الشرق الأوسط الكبير الذي حشر فيه 22 بلدا عربيا و5 دول غير عربية في خليط إيديولوجي ثقافوي. فالدمقرطة أصبح لها وقع الإبادة التي ستمكن قوى الخير من طرد قوى الشر، والديمقراطية من مطاردة الظلامية، والخير من ملاحقة الإرهاب، وبوش من القضاء على بن لادن.

أثارت هذه المبادرة انتقادات واسعة في أوربا، حيث أزعجت مشاريعها المتعلقة بشراكات ما بعد الاستعمار، المتعثرة بعد برشلونة.أما بالنسبة للعالم الإسلامي فالحصيلة مختلفة تماما. فإذا كان الواقع ينفي أن يكون هذا العالم كتلة واحدة، فإن الواقع يفرض أيضا توفره على قواسم مشتركة تمكن من إبراز نقط التقاء عند صياغة حصيلة شاملة.

الحصيلة

إذا كان الإجماع قد انعقد لدى جميع مكونات العالم الإسلامي على إدانة الحرب، فإن المبادرة السياسية تخضع للنقاش. فالحصيلة تفرض وجود نقط إيجابية وأخرى سلبية.

ماهو إيجابي

– تعرض العالم الإسلامي لرجة أصابت جموده السياسي المطبوع بالقمع والتسلط، اللذين تم اعتمادهما لوحدهما كأداتين للمحافظة على توازن حقل سياسي يتميز بموت القومية والبحث عن توازنات اجتماعية جديدة. وإذا كان الحكام لم يعتنقوا الديمقراطية حقا، فإنهم قاموا بتبني ماسماه عزيز عزمة بـ”الديمقراطية التعويذة”. وهذه الديمقراطية أحدثت انفتاحا طفيفا على مستوى حرية التعبير وبعض الإجراءات التمويهية السطحية . وهذا بحد ذاته مكسب حقيقي (سرعان ما ألغته القوانين المناهضة للإرهاب).

– إذا كانت بعض الحركات الإسلامية قد تطرفت وأنتجت انتحاريين خدموا للأسف أهداف من يعتمد سياسة التنبؤات ذاتية التحقق، فإن التيار الإسلامي ،في غالبيته، بذل جهودا فكرية لا يمكن إلا أن تكون مثمرة (وهو ما لم يتوقعه مشروع الشرق الأوسط الكبير ، كما لم يتوقع اختيار صناديق الاقتراع للإسلاميين). وهكذا بدأ تراجع المد الوهابي بينما أصبح الاجتهاد ضرورة أكثر فأكثر إلحاحا.

يؤكد هيرشمان في هذا الصدد أن “أفضل عامل للمجانسة قد يكون تجربة تاريخية مكثفة”)راجع كتاب “ديمقراطيات دون ديمقراطيين”منشورات Fayard 1993 ص 68)

ماهو سلبي

هذه المعايير تتداخل طبعا.

– مأساة الشعب الفلسطيني المسلم المعرض إلى العمليات الانتقامية الإسرائيلية بسبب اختياراته الديمقراطية (صعود حماس) وبسبب ما تمليه شرعية محاربة الإرهاب أينما كان، مادامت حماس قد تم تصنيفها ضمن الحركات الإرهابية بدل اعتبارها حركة مقاومة.

– شعوربالمهانة في تنامي مستمر لدى الشعوب المسلمة. يحسن بعلم الاجتماع الحديث أن يحمل محمل الجد مفهوما طوره المهدي المنجرة، مفهوم الإهانة (الحكرة، الذل)؛ فهو يتحدث عن “الذلقراطية”، ويشير إلى طبقة شكلها هذا الشعور في غياب مجتمع مدني حقيقي أو طبقة وسطى حاملة لمشروع مشترك؛ وفي فلسطين وفي سجن أبو غريب تتعدد التصريحات غير المقبولة حول التعذيب وتتوالى القوانين المضادة للإرهاب بما يغذي هذا الغل.

– التطرف الذي يحدثه مفعول المرآة اللصيق بالفلسفة المانوية لهذا الشرق الأوسط الكبير، والذي يشكل عائقا حقيقيا أمام عملية البناء داخل الإسلام المعتدل ، كما يطلق على جزء مهم من الحركة المجتمعية داخل العالم الإسلامي.