تحصيل تاريخي

ارتبطت نشأة الدول التي تعاقبت على حكم المغرب منذ أكثر من إثني عشر قرنا بحركات إصلاحية قادتها الزوايا الدينية، وقد تفاوت مستوى إشعاع كل دولة ومستوى نفوذها، غير أن القاعدة المشتركة كانت هي الحرص على هوية الشعب وهيبة البلد واستقلاله وما يقتضيه ذلك من تصدٍّ لكل مظاهر الانحلال والفساد. هكذا وكلما ظهر عجز دولة عن الوفاء بالتزاماتها قادت زاوية أخرى حركة تصحيحية تنتهي بإنشاء دولة جديدة.

لقد كان الإسلام عبر تاريخ المغرب ومنذ عهد الأدارسة العامل الرئيس لعمليات التصحيح والحركات التحررية ضد الاستعمار، مثلما هو اليوم عنصر التعبئة الشعبية، ظهر ذلك ويظهر في استحقاقات كثيرة كالمسيرة الرافضة لمشروع خطة إدماج المرأة، وفي المسيرات المليونية في قضايا نصرة الأمة: فلسطين والعراق ولبنان إبان الاجتياح الإسرائيلي صيف 2006م.

احتواء استباقي

ووعيا منه بالدور التعبوي للإسلام سارع النظام المغربي في شخص الملك الراحل الحسن الثاني لاحتواء العلماء من خلال مراقبة المساجد بواسطة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية أو بواسطة المجالس العلمية؛ مجالس علمية تهتم –تحديدا- بمراقبة المساجد وما يجري فيها، وليس بما يجري في الشوارع من عربدة وتصرفات لا أخلاقية، كما جاء في الخطاب التأسيسي لهذه المجالس. وعي أكـده الملك الحسن الثاني تعليقا على نجاح الثورة الإيرانية عام 1979 بقوله: “كثيرا ما قلت للشاه أن يراقب العلماء.”

لقد “نجح” النظام المغربي في تحجيم دور المساجد والعلماء وعزل أئمة المساجد وخطبائها من حياة المجتمع وهمومه اليومية، بل إن وزير الأوقاف أحمد التوفيق -في أول درس رمضاني والذي كان عبارة عن مذكرة توجيهية للأئمة والخطباء أكثر منه درسا علميا- أكد تلك العزلة واعتبرها أحد شروط الوعي وتجديد أسلوب الإرشاد لأنها –العزلة- تضمن “الحياد السياسي للعلماء”، كما دعا لوجوب “حرص المرشد أو الخطيبِ على تجنب ما يسمى في لغة العصر بالشعبوية، أي الخطاب الذي يسعى به صاحبه إلى اكـتساب النجومية واستمالة النفوس، ولاسيما إذا توسل بتضخيم مساوئ الوقت، ونعتِ المجتمع تعميماً بالخروج عن الجادة، واتهامِ أولى الأمر بالمسؤولية عن تدهور السلوكات، والتلويحِ بتوقع عقاب السماء.”

نعم، عزل النظام السياسي الأئمة وهمشهم معيشيا فعاشوا بؤسا مزدوجا: بؤسا اجتماعيا أرغم الكثيرين منهم على التعاطي للشعوذة والسحر، ففقدوا هيبتهم في المجتمع يصورها الكم الكثير للنكت التي تسخر من الأئمة -حملة كتاب الله تعالى- سخرية لا توازيها إلا السخرية من رجال التعليم؛ وبؤسا علميا أفقدهم القدرة على مواكبة ما استجد في المجتمع من قضايا واهتمامات. عُـزل العلماء وهُمش دورُ المساجد حتى كاد يرتبط الإسلام في عرف العامة بنواقض الوضوء ومبطلات الصلاة وتجهيز الميت وتوزيع تركته. تهميش لأدوار المساجد ازداد تفاقما بظهور البث الرقمي وانفتاح الفضاء المغربي على خطاب ديني جذاب ومتجدد استقطب فئات عريضة من الشعب لا سيما الشباب منهم.

ثـوابت

من ثوابت النظام السياسي المغربي التوازن، حيث يحرص دائما على إيجاد نوع من التوازن وفي جميع المجالات، يتجلى ذلك في مشهد سياسي حزبي ونقابي يحكمه التبلقن والتشرذم، إذ لا يملك مكون حزبي أو نقابي قاعدة شعبية تجعله رقما معتبرا في مقارعة السلطة، فيضطر الجميع لقبول التحكيم الملكي الذي يمثل صيغة منقحة لدور السلطان في التدخل لمصالحة القبائل المتنازعة؛ وحرصا على ضبط إيقاع حركة الأحزاب تعمد وزارة الداخلية لتغيير التقطيع الانتخابي بما ينسجم ومعطيات كل استحقاق بشكل يجعل النتائج الانتخابية شبه محسومة قبل إجرائها. توازن يظهر أيضا في توظيف الإسلام لمواجهة مد الفكر اليساري بإقرار مادة الفكر الإسلامي منافسا لمادة الفلسفة، حتى إذا أفل نجم اليسار وعلا سهم الإسلاميين واكتسحوا الساحة الجامعية والسياسية، تعالت الأصوات بتجفيف منابع الفكر “الظلامي” ممثلا في الإسلام، وإعادة الاعتبار لأم العلوم تنويرا للعقول غداة أحداث 16 ماي الأليمة. منطق التوازن يؤطر موقف النظام السياسي من مكونات الحقل الديني نفسه، فسمح بتنامي التيار السلفي ووظفه منذ ثمانيات القرن الماضي لمواجهة الحركة الإسلامية الناشئة ونعتها بالفرق الضالة. نفس التيار السلفي سيغدو مصدر إزعاج وقلق بعد أحداث 11شتنبر و16 ماي، فانقلب النظام على “أعوان” الأمس، وهو اليوم يصفي حسابه مع أحد رموز التيار -الذي بدع وكفر بالكتب والأشرطة والخطب خصوم النظام السياسيين من الإسلاميين- موظفا رأيا فقهيا فيما أصبح يعرف “بزواج بنت التسع سنوات” في انسجام تام مع منطق التوازن، ما دامت بوصلة النظام تحولت نحو التيار الصوفي المعروف بمهادنته للحكام واعتزاله ساحة السياسة، تحول يؤكده الحضور اللافت لمجموعات المديح والسماع لزاوية الوزير في القناتين التلفزيتين، وتنظيم ملتقيات ودورات تعريفية بدور الزوايا والطرق الصوفية يحرص وزير إعادة تأهيل الشأن الديني على تصدرها، مثلما يحرص على تبليغ هدايا وأعطيات الملك للزوايا.

دواعي الإصلاح

تعددت دواعي الإصلاح الديني الأخير وتنوعت والظاهر منها في نظر الدكتور منار السليمي -أستاذ العلوم السياسية في جامعة محمد الخامس بالرباط- في تصريحات خاصة لـ”قدس برس” تعليقا على الخطة الملكية الجديدة الرامية لإصلاح الحقل الديني أن “هذه الخطوة الجديدة تبين أن العلماء في المغرب أصبحوا غير قادرين على مواجهة الأخطار الراهنة، فخطر السلفية الجهادية لا يزال قائما… هذا بالإضافة لخطر التشيع بالنسبة لمغاربة أوروبا، وهذا هو ما تروم الخطة الجديدة التصدي له”.

أما الخفي من الدواعي لخطة الإصلاح فهو تحجيم إشعاع الحركة الإسلامية عموما وجماعة العدل والإحسان داخل المغرب كما في أوروبا حيث أدرك النظام المغربي ما تمثله الجماعة من وزن في صفوف الجالية المغربية، وما اكـتسبت من مصداقية لدى السلطات الأوروبية لما تتميز به من شمولية ووسطية في التصور ونموذجية في السلوك؛ شعبية ووزن تناقلته التقارير الاستخباراتية الأوروبية والمغربية فاضطر معها النظام المغربي لتفادي انتخاب الهيئات التمثيلية للجالية خوفا من اكتساح أعضاء جماعة العدل والإحسان لمجالسها، وعَوضها بتعيين توافقي مع الأحزاب.

حصيلة وحصاد

يطفو الشأن الديني إلى سطح الأحداث كلما جد في واقع المجتمع جديد، وحسب منار السليمي “فـإن المجال الديني يعتبر من أهم المجالات التي اهتم بها الملك محمد السادس منذ اعتلائه العرش، وقد مر بمجموعة من المراحل، كان أولها إعادة هيكلة الحقل الديني، ثم في مرحلة ثانية مواجهة الخطر السلفي الذي أظهرته أحداث الدار البيضاء، حيث تدخل العاهل المغربي بشكل مباشر لتحديد عمل رجال الدين وإعادة الاعتبار لهم…” فبعد مبادرة تأهيل وتكوين المرشدين والمرشدات واعتماد دليل الأئمة والخطباء جاءت خطوة تزويد المساجد بأجهزة التلفاز وإطلاق قناة “السادسة” لمواجهة غزو الخطاب الديني الفضائي. مشروع كلف الملايير ولم يبلغ مرامه، فقد حلت القناة خارج نسب المشاهدة خلال شهر رمضان بحسب النتائج الرسمية لمؤسسة “ماروك ميتري”، وحسب الخبير الإعلامي يحيى اليحياوي “فرغم الإمكانات المادية الهائلة التي تتوفر عليها وزارة الأوقاف إلا أن ما تقدمه قناة “السادسة” ضعيف على مستوى المضامين والمنتوج..” (جريدة التجديد بتاريخ:7/10/2008)؛ وفي مبادرة ثالثة جاء “ميثاق العلماء” الذي يتأسس على تكوين الأئمة والخطباء اكتسابا للعلوم ومعارف العصر وفنون التواصل والإقناع من خلال دورات تكوينية ودروس تستهدف خطباء وأئمة العالم القروي ويؤطرها السادة العلماء.

لم تحقق المبادرات السابقة ما سطر لها من أهداف وإلا لما كان هناك داع لاتخاذ مبادرة تلو أخرى، ومن عوامل الإخفاق خصوصية ما يسمى”الشأن الديني” الذي يقوم أساسا على توفيق الله تعالى وتأييده، فما كان لله دام واتصل، وتأهيل الحقل الديني يتطلب رجالا ربانيين يسيرون في الناس بنموذجيتهم وسمتهم، مثلما يتطلب خطابا صادقا يعانق هموم الشعب في إطار مشروع مجتمعي يحظى بالإجماع الشعبي. أما المبادرة المقترحة –كسابقتيها- فتقوم على تدابير ذات طابع تنظيمي، والعلاقات بين الأطراف -مجالس علمية وأئمة وخطباء- تؤطرها التوجيهات الإدارية إن لم نقل التعليمات، طرف يطارده هاجس تطبيق التعليمات وإنجاز أنشطة ولو شكلية تسعف لتعبئة تقارير تبرئة للذمة أمام الجهات المسؤولة، وطرف همه احترام التوصيات ضمانا لتعويضات مالية تخفف من وطأة أعباء الحياة، وبين هذا وذاك تضيع الوظيفة التربوية.

عهد المبادرات والمواثيق

يسجل المتتبع للشأن العام المغربي تعدد المبادرات والمواثيق في شتى المجالات تتوعد بقطع دابر الفساد والخيبة والتعثر، فمن ميثاق وطني للتربية والتكوين سجلت عشرية تطبيقه رقما قياسيا في الهدر المدرسي”400 ألف تلميذ وتلميذة سنويا”، واحتل بلدنا رتبة مخجلة، إلى مبادرة للتنمية البشرية تقهقرت بعد سنة من تطبيقها رتبة المغرب في سلم التنمية، إلى مبادرة لتأهيل العمل السياسي بواسطة من سهر على تكفينه وتحنيطه فجاءت نسبة المشاركة في الانتخابات الجزئية الأخيرة ردا واضحا، إلى إحداث مجلس أعلى للتعليم دخل على الخط من خلال مخطط استعجالي اختزل الأزمة التعليمية في تدابير تنظيمية “مذكرة وزارية رقم: 60” فكان أن صنف الدخول المدرسي: 08/2009 أسوأ دخول مدرسي على الإطلاق، يشهد على ذلك برنامج الوجه الآخر الذي عرضته القناة الثانية مساء الخميس 9 أكتوبر 2008م.

يبدو أن تدبير الشأن العام للبلاد يعاني من عطب عضال، فلا يعقل أن تنفق الملايير دون جدوى، وتضيع فرص الإقلاع والتنمية سدى. الأمر جلل يقتضي وقفة طويلة للتأمل بحثا عن مواطن الخلل وتشخيص الداء تداركا لما يمكن تداركه قبل فوات الأوان.