يا من قد أسره الهوى فما يستطيع فكاكا! أفق من رقدتك وإلا فها هو قد أدركك إدراكا، قبل أن لا ينفع البكاء الباكي ولا التباكي من تباكى.

لأبي العتاهية رحمه الله: بليـت وما تبلى ثيـاب صبــاكا *** كفاك نـذير الشيب فـيك كفــاكا
ألم تر أن الشـيب قد قــام ناعيا *** مقام الشبـاب الغــض ثم نـعاكا
1 ولم تر يومــا مــر إلا كــأنه *** بإهلاكـه للهالكيــــن عنــاكا
ألا أيـها الفــاني وقد حان حينه *** أتطمع أن تبقى فلســت هنــاكا
تسمع ودع من أفســد الغي سمعه *** كأني بـداع قــد أتى فـدعــاكا
ورب أمــان للفــتى نصـبت له *** المنية فيمــا بينــهن شــراكا
أراك وما تنـــفك تهـدي جنازة *** ويوشك أن تهـدي هديــت كذاكا
ستمضي ويبقى ما تـراه كما ترى *** وينسـاك من خــلـفته هو ذاكا
ألا ليت شعري كيف أنت إذا القوى *** وهب وإذا الكرب الشديد عــلاكا
تموت كما مـات الذين نســيتهم *** وتنسى ويهوى الحي بعد هــواكا
كأن خطـوب الدهر لم تجر ساعة *** عليك إذا الخــطب الجليـل أتاكا
ترى الأرض كم فيـها رهون دفينة *** غلقــن فلم يقبـل لهن فكــاكا
كم سكن قبلك في هذه الدار، فحام الموت حوم حماهم ودار، ثم ناهضهم سريعا وثار، كأنه ولي يطلب الثأر، وقد خوفك بأخذ الصديق وسلب الجار، ومن أنذر قبل هجومه فما جار.

يا هذا! العمر عمر قليل، وقد مضى أكثره بالتعليل، وأنت تعرض البقية للتأويل، وقد آن الآن أن يرحل النزيل. ما أرخص ما يباع عمرك! وما أغفلك عن الاشتراء! والله ما بيع إخوة يوسف يوسف بثمن بخس. يا عجب من بيعك نفسك بمعصية ساعة، متى ينتهي الفساد؟ متى يرعوي 2 الفؤاد؟

طالع أيضا  سألت الدار عن الأحباب أين رحلوا

يا مسافرا بلا زاد لا راحلة ولا جواد! يا زارعا قد آن الحصاد! يا طائرا بالموت يصاد! يا بهرج 3 البضاعة أين الجياد؟ يا مصاب الذنوب أين الحداد؟ لو عرفت المصاب فرشت الرماد، لو رأيت سواد السر لبست السواد، جسمك في واد وأنت في واد. نثر الدر لديك وما تنتقي، وقربت المراقي إليك وما ترتقي، لقد ضيعت ما مضى وشرعت في ما بقي، يا واقفا في الماء الغمر وما ينقى! إن قلت: قم، قال: رجلي ما تطاوعني، أو قلت: خذ، قال: كفى ما تواتيني.

واعجبا لنفاسة نفس رفعت بسجود الملك لها كيف نزلت بالخساسة حتى زاحمت كلاب الشره على مزابل الذل! هيهات! لن تفلح الأسد إذا أنفقت عليها الميتات الفسد.

يا هذا! جسدك كالناقة يحمل راكب القلب، فلا تجعل القلب مستخدما في علف الراحلة. تالله إن جوهر معناك يتظلم من سوء فعلك لأنك قد ألقيته في مزابل الذل. ماء حياتك في ساقية عمرك قد اغدودق 4 ، فهو يسيل ضائعا إلى مهاوي الهوى، وينسرب في أسراب البطالة، فقد امتلأت به خربات الجهل ومزابل التفريط، وشربته أدغال الغفلات. ويحك! اردده إلى مزارع التقوى لعله يحدق نور حديقة. إلى متى يمتد ليل الغفلة؟ متى تأتي تباشير الصباح؟هل الدهـر يوما بوصل يجود *** وأيامنا باللــوى هل تعـود
زمان تقضي وعـيش مضى *** بنفسي والله تلك العهـــود
ألا قل لسكـان وادي الحبيب *** هنيئا لكم في الجنـان الخلود
أفيضوا علينا من الماء فيضا *** فنحن عطاشى وأنتم ورود
لما سبق الاختيار لأقوام في القدم، جذبوا بعد الزلق في هوة الهوى إلى نجوة النجاة.

يا عمر، كيف كانت حالك؟ قال: كنت مشغولا بهبل، فسمعت هتاف: ففروا إلى الله ، فعرجت على المنادي فإذا أنا في دار الأرقم.

طالع أيضا  الدنيا لتجوزها لا لتحوزها

يا فضيل، من أنت؟ قال: أخذت من قطع الطريق فأخذت في قطع الطريق.

يا عتبة الغلام، من أنت؟ قال: كنت عبد الهوى، فحضرت مجلس عبد الواحد، فصرت عبدا للواحد.

يا سبتي، من أنت؟ قال: كنت ابن الرشيد، فعرض لي رأي رشيد، فإذا عزمي قد أخذ المر ومر.

يا ابن أدهم، من أنت؟ قال: أخذني حبه من منظرتي، فصيرني ناطور البساتين.

يا رابعة، من أنت؟ قالت: كنت أضرب بالعود فما سمع غيري.بالله يـا ريح الصبـا *** مري على تلك الربـا
وبلــغي رســـالة *** يفضها أهــل قبــا
واحــربا وهل يـرد *** فــاتـيا واحــربا
يا طفلا في حجر العادة محصورا بقماط الهوى! مالك ومزاحمة الرجال؟ تمسكت بالدنيا تمسك المرضع بالظئر، والقوم ما أعاروها الطرف. ما لك والمحبة وأنت أسير حبة؟ كم بينك وبينهم؟ وهل تدري أين هم؟سـلام على تلك المعــاهد إنــها *** شريعــة وردي أو مهب شمــالي
ليالي لم نحــذر حـزون قطيــعة *** ولم نمـش إلا في سهول وصــال
فقد صرت أرضى من سواكن أرضها *** بخلـب بــرق أو بطيــف خيال
سار القوم ورجعت، ووصلوا وانقطعت، وذهبوا وبقيت، فإن لم تلحقهم شقيت.لبس البيـاض بذات غرق معشر *** ولبست من حــزن ثياب حـداد
وصلوا إلى عرفات يبغون الرضا *** وبقيت منكســرا ببطن الـوادي
رفعوا أكفـهم وضـجوا بالدعـا *** وضممت من كمد يدي بفــؤادي
يا من كلما استقام عثر! يا من كلما تقرب أبعد! استسلم مع الحرية واستروح إلى دوام البكاء، وصح بصوت القلق على باب دار الأسف:ليس لي فيــك حـيلة *** غير صبري على القضا
وبكائي على الوصــال *** الذي كــان وانقـضى
ليتني تــبت توبــة *** وقضى الله مــا قضى

من كتاب “المدهش” لأبي الفرج ابن الجوزي رحمه الله.

طالع أيضا  تمثل هول عالم القبور يزهد في الدنيا الغرور

[1] ناعيا: اسم فاعل لفعل نعى، والنَّعْي هو خبر الموت.\
[2] يرعوي: ارْعَوى عن القبيح: كَفَّ عنه.\
[3] البهرج: الباطل والرديء من الشيء.\
[4] اغدودق: المطرُ: كثر قطره.والمقصود هنا ضياع العمر وتضييعه.\