-أسباب النشأة وسياق البروز-

يختلف الدارسون للحركة الإسلامية حول أسباب نشأتها، فمن قائل أنها مجرد رد فعل على الأزمة الاجتماعية وكذا التخلف الاقتصادي اللذان يعيشهما المسلمون، إلى قائل أن سبب ذلك راجع إلى سعي الأنظمة السياسية لضرب الحركات اليسارية بها خصوصا في الخمسينات، فماذا يقول رواد الحركة الإسلامية؟ هل الحركة الإسلامية، رد فعل على الأزمة الاقتصادية؟

هذا التحليل يسود وسط الدارسين الغربيين، ومنطلقهم في ذلك أن الحرمان يؤدي إلى زيادة الالتزام الديني، “لقد ذهب، وبقوة، عدد كبير من المنظرين منهم ماركس وفيبر ودوركايم وبرجر إلى أن الحرمان الاقتصادي والاجتماعي يؤدي إلى زيادة الالتزام الديني” 1 ، وهكذا “ينظر إلى الأصولية على أنها ظاهرة دورية تقع استجابة لمشكلة اجتماعية منتشرة وحادة” 2 . وردا على هذا التحليل يجيب منير شفيق، وهو الماركسي اللائكي العائد إلى إسلامه بعد طول بعد، مستغربا وموضحا أن سبب المد الإسلامي بسيط جدا، فالشعب بأغلبيته الساحقة مسلم لا يرى أفضل من الإسلام دينا ونظاما ونهج حياة” 3 ، ثم جاء الاستعمار “وهكذا فرض الانحسار على المسلمين فرضا وغاب المد بفعل البطش والقهر وطغى على السطح كل ما هو غير إسلامي” 4 ، هذا كلام باحث موضوعي يكذب ادعاء إرجاع المد الإسلامي إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية مبينا أن السر هو تلك الهبة الإيمانية التي استيقظت في المسلمين بعد طول رقاد بسبب عوامل التغريب والجمود.

وعن الادعاء الذي يجعل الحركة الإسلامية صنيعة الأنظمة السياسية لضرب اليسار نسمع جوابا آخر “لقد ظهرت هذه الحركات منذ عقود في بعض الدول التي لم يكن لليسار فيها ذكر كما هو الحال في مصر وغيرها (..) فالحركة الإسلامية المغربية على سبيل المثال ظهرت في وقت واحد ومثيلاتها في الجزائر وتونس، فهل اتفقت الأنظمة المغاربية الثلاثة على خلق حركات إسلامية في بلدانها لضرب حركات يسارية 5 . لابد من الإشارة إلى أن النظام السياسي في الجزائر كان اشتراكيا!! فكيف يمكن للاشتراكيين أن يضربوا الاشتراكيين بالإسلاميين!؟.

طالع أيضا  الحركة الإسلامية: قراءة في المفهوم والوظيفة والسياق(4)

إن معرفة دقيقة بأسباب النشأة لن تتم إلا باستقراء البيئة الفكرية والسياسية والاجتماعية التي سادت العالم الإسلامي منذ أواخر القرن السابق، والتي شكلت مقدمات طبيعية لظهور الحركة الإسلامية، وهذه أهم مميزات تلك البيئة:

1- الجمود والتخلف: ظل المسلمون لقرون كثيرة رواد التقدم العلمي والحضاري، إلى أن توقفت هذه الحركة وأغلق باب الاجتهاد فعاش المسلمون جو الركود والنمطية والتكرار ولم يفيقوا إلا بعد دخول نابليون مصر، “اكتشفت بعض بلاد المسلمين قوة الغرب وبأسه قبل عهد الاستعمار. تلقت مصر “زيارة” نابليون التي لم تدم إلا ثلاث سنوات كما يتلقى الحلم المزعج. لكن انسحاب الغزاة السريع لم يتح الوقت والفرصة ليدرك المسلمون البون المثير بين أعدائهم وبين حالتهم من الضعف العسكري والانحلال السياسي والاجتماعي، وخاصة العجز الفكري والتنظيمي والعلمي” 6 .

2- حلول الاستعمار وانتهاء الدولة العثمانية: صارت الهوة سحيقة بين الغرب والمسلمين، وكان هذا حافزا لتكالب المستعمرين على البلاد الإسلامية فقسموها إلى مستعمرات، ولأول مرة يجد المسلمون أنفسهم دون دولة حامية. وكان لهذه الصدمة وقع كبير على المسلمين، فلم تمر أربع سنوات حتى تم إنشاء أول حركة إسلامية تحاول إرجاع “الخلافة”.

3- ظهور التيارات التغريبية: اكتشاف المسلمين للتقدم الغربي أدى إلى انهيار نفسي عند العديد منهم، حتى صار البعض يشكك في الدين ويجعله سببا في تخلف المسلمين، ومنهم من قرن التقدم باتباع أوربا حتى في أخطائها. وهكذا نشأت حركات فكرية جديدة تتصادم بدرجات متفاوتة مع الدين ومظاهره داخل المجتمع الإسلامي.

4- فشل المدرسة السلفية: في هذه الأجواء ظهرت الحركة السلفية محاولة إرجاع الأمور إلى نصابها، لكن روادها وجدوا أنفسهم في واقع مناقض لما عليه الغرب من رغد في العيش وتقدم في العلوم وانفتاح في العلاقات وانهيار لدى المسلمين، فكان لابد أن يكون لهم نصيب منه. وهكذا كانت دعوة “الإسلاميين” جسرا عبرت منه العلمانية والقومية إلى العالم الإسلامي، وشكل فكرهم بعقلانيته مجالا خصبا لأفكار أخرى أخطر. وحتى لا يبقى كلامنا بلا دليل نورد بعض النصوص “ويا قوم – وأعني بكم الناطقين بالضاد من غير المسلمين – أدعوكم إلى تناسي الأحقاد والإساءات، وما جناه الآباء والأجداد (..)، يا هؤلاء، نحن ندبر شؤوننا، نتفاهم بالفصحى، ونتراحم بالإخاء، ونتواسى في الضراء، ونتساوى في السراء، دعونا ندبر حياتنا الدنيا ونجعل الأديان تحكم في الآخرة فقط” 7 . انظر إلى بداية الفقرة لترى تخصيصه للنصارى العرب فتستنتج الحجم الذي بلغته الدعوة القومية في ذلك الوقت.

طالع أيضا  الحركة الإسلامية: قراءة في المفهوم والوظيفة والسياق(2)

وننتقل إلى رائد آخر هو محمد عبده “لو رزق الله المسلمين حاكما يعرف دينه، ويأخذهم بأحكامه، لرأيتهم قد نهضوا والقرآن الكريم في إحدى اليدين، وما قرره الأولون وما اكتشفه الآخرون في اليد الأخرى، ذلك لآخرتهم، وهذا لدنياهم، وساروا يزاحمون الأوربيين فيزحمونهم” 8 علمانية واضحة فاضحة!! القرآن للآخرة فقط!!

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “إن فكر الإصلاحيين النهضويين، ما هو إلا توالد لنفحة الأفغاني رحمه الله موقظ الشرق، والرجل كان شهابا ثاقبا ذكاء، وثورة على الاستعمار. فكل الوسائل كانت سائغة عنده للتخلص من الاستعمار الإنجليزي، لذلك انخرط هو وتلامذته، ومنهم محمد عبده، في المحافل الماسونية، وجاملوا إلى حد الإخلال بالعقيدة التيار العقلاني. دليل ذلك تأويلات محمد عبده عفا الله عنه للغيب، ثم ها هي ذي نصوصهم تدعو للعلمانية بما لم يزد عليه الشيخ علي عبد الرزاق من الجيل التالي إلا بصياغة “أصول الحكم في الإسلام” صياغة مفلسفة” 9 .

هذه، إذا، هي العوامل التي أدت إلى ظهور الحركة الإسلامية، وإلى ميلاد أول تنظيم إسلامي عصري “الإخوان المسلمون” في مصر سنة 1928، ثم أسس، بعد ذلك، المودودي “الجماعة الإسلامية” بالهند سنة 1941. لكن كيف انتشرت الحركة الإسلامية؟. نتناول هذا في حلقة قابلة بحول الله.


[1] ريتشارد هرير دكمجيان: “الأصولية في العالم العربي”، ترجمة عبد الوارث سعيد، ط2، 1989، دار الوفاء، ص27.\
[2] ن. م. ص24.\
[3] منير شفيق “ردود على أطروحات علمانية”، ط3، 1992، دار البراق للنشر، ص9.\
[4] منير شفيق: “ردود على أطروحات علمانية”، م. س. ص11.\
[5] جريدة الصحوة، عدد 53، أكتوبر 1996، استجواب أجرته “La nouvelle tribune” مع الأستاذ مصطفى الرميد، ص5.\
[6] عبد السلام ياسين، “الإسلام والقومية العلمانية”، ط1، 1989، دار الخطابي – فضالة، م.س. ص29.\
[7] عبد السلام ياسين، “الإسلام والقومية العلمانية”، م. س. ص114، نقلا عن مجلة الفكر العربي، عدد 23، سبتمبر 1981، ص482.\
[8] ن. م. ص 115، نقلا عن كتاب “تحديات لها تاريخ” لمحمد عمارة، ط2، 1982، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ص 202.\
[9] عبد السلام ياسين، “الإسلام والقومية العلمانية”، م. س. ص116.\