كتب فرانسيس فوكاياما صاحب نظرية نهاية التاريخ مقالا في صحيفة النيوزويك تحت عنوان “انهيار الاقتصاد الأمريكي… كيف نعيد الثقة لاقتصادنا”؛ عبر خلاله عن قلقه البالغ من المصير الذي ستؤول إليه الولايات المتحدة الأمريكية، وكيف أنها معرضة للسقوط والتداعي إن لم تتبع خطوات حاسمة لمنع اقتصادها من الانهيار.

وقد أكد فوكاياما في مقالته على أن تداعي أشهر البنوك الاستثمارية الأمريكية، وخسارة أكثر من تريليون دولار من قيمة سوق الأسهم في يوم واحد. وفرض فاتورة بقيمة 700 مليار دولار على دافعي الضرائب الأمريكيين الذين باتوا يتساءلون لماذا عليهم أن يدفعوا هذه الأموال الطائلة يمكن تداركه، أما ما لا يمكن تداركه حقا فهو انهيار السمعة المالية للولايات المتحدة.

وتابع فوكوياما في مقالته، إذا كانت الولايات المتحدة تروج لأفكار محددة منذ أوائل ثمانينات القرن الماضي بحيث “صدرت” للعالم فكرتين رئيستين الأولى كانت تتبنى نظرة معينة للرأسمالية، أساسها أن الضرائب المنخفضة والقيود التجارية البسيطة ستقود تطويرا اقتصاديا هائلا حول العالم، وهو الاتجاه الذي تبناه ودعمه الرئيس الأمريكي السابق رونالد ريجان وقام بمحاولة نشره في أنحاء واسعة حول العالم، والفكرة الثانية هي أن الولايات المتحدة هي الداعمة الأساسية للديمقراطية الليبرالية في العالم، ومن ثم فإن أية تغييرات سياسية أو اقتصادية يجب أن تقودها الولايات المتحدة التي بدأت بالفعل في لفت الأنظار إليها بسياساتها الداخلية، وهو ما أطلق عليه “القوة الناعمة ” .

وعلى غرار كل الحركات التغييرية، فإن ثورة ريغان ضلت طريقها لأنها أصبحت بالنسبة إلى الكثير من مؤيديها إيديولوجية لا يمكن التشكيك فيها، ولم تعد ردة فعل براكماتية على إفراطات دولة الخدمات الاجتماعية. كان هناك مفهومان مقدسان: أولا، إن التخفيضات الضريبية تمول نفسها بنفسها، وثانيا، أن الأسواق المالية قادرة على تنظيم نفسها بنفسها، فقبل ثمانينيات القرن الماضي، كان المحافظون محافظين ضريبيا، أي أنهم كانوا غير مستعدين لإنفاق أكثر مما تدر الضرائب. لكن فلسفة ريغان الاقتصادية أطلقت الفكرة القائلة أن أي تخفيض ضريبي سيحفز النمو لدرجة أن الحكومة ستجني أموالا أكثر في النهاية (وهو ما يسمى بمنحنى لافر(.

وقال فوكاياما أنه فيما بين العامين 2002 – 2007 سقطت المصداقية الأمريكية بشكل يصعب تصديقه، ففي الوقت الذي كانت التوقعات تشير إلى قفزات هائلة في الاقتصاد الأمريكي، كان الاقتصاد الأمريكي يسير بخطى ثابتة نحو السقوط! فواشنطن التي اتبعت شعار الحكومة الصغيرة فشلت في تنظيم القطاع المالي وسمحت له بأن يلحق أضرارا خطيرة ببقية مفردات المجتمع، وحتى الديمقراطية التي تعد الشق الأول في بواعث قيام الولايات المتحدة أساءت سمعة الولايات المتحدة في هذا الصدد إلى حد كبير ولا سيما في أعقاب افتضاح أمر الأسلحة النووية في العراق وثبوت خلو العراق من هذه الأسلحة الخطرة التي شنت الولايات المتحدة حربها على العراق من أجلها، كما تلطخت أيضا في أعقاب فضيحة التعذيب في السجون الأمريكية بالعراق ومن قبلها في كوانتانامو … لقد تلطخت سمعة الولايات المتحدة في الشأن الديموقراطى كثيرا بحيث لم يعد نموذج ” الحرية ” الذي تقدمه أمريكا للعالم ذا مسوغ مقبول. وقال إن الخيار الذي نواجهه الآن يتعدى خطة الإنقاذ الكبير، أو الحملة الانتخابية الرئاسية. فسمعة أمريكا تحت المجهر في وقت تبدو نماذج أخرى ــ سواء كان النموذج الصيني أو الروسي ــ أكثر جاذبية. إن استعادة سمعتنا الطيبة وإعادة إحياء جاذبية نموذجنا تشكلان، لأسباب كثيرة، تحديا كبيرا يوازي تحدي إرساء الاستقرار في قطاعنا المالي. باراك أوباما وجون ماكين سيجلبان معهما ميزات مختلفة لمكافحة الأزمة. لكن المسألة ستكون صعبة على كليهما وسيستغرق حلها سنوات. ولا يمكننا حتى البدء بإصلاح الأمور قبل أن نفهم جيدا ما الذي حدث، ما هي الميزات الحسنة للنموذج الأمريكي، وما هي الميزات5 التي أسيء تطبيقها وتلك التي يجب التخلي عنها بالكامل.