يا هذا! لو عاينت قصر أجلك لزهدت في طول أملك، وليقتلنك ندمك إن زلت بك قدمك!

للمتنبي:إلى كـم ذا التـواني في التواني؟ ***وكم هذا التمادي في التمادي؟
ومـا ماضـي الشبـاب بمسترد ***ولا يـوم يمــر بمستــعاد
متى لَحَظَتْ بيـاضَ الشيب عيني ***فقد وجـدته منها في السـواد
متى ما ازددت من بعد التـناهي ***فقد وقع انتـقاصي في ازديـاد
إلى متى تحرص على الدنيا وتنسى القدر؟ من الذي طلب ما يقدر فقدر؟ لقد أذاك إذ ذاك النصب، وأوقعك الحرص في شَرَك الشِّرك إذ نصب.رأيت ظنــوني بها كالسَّراب ***فأيقنت أن سـرابي سرى بيكم غرت الدنيا فرخها فعرَّته، ثم ذبحته بمُدْية 1 ، إنها لتقتل صيادها وتقتل أولادها.عزيز عـلى مهـجـتي غــرَّني ***وسلم لي الوصـل واستسـلما
فــلمــا تملـكني واحتــوى ***على مهـجتي سلَّ ما ســـلما
والله لو كنت من رياشها أكسى من الكعبة لم تخرج منها إلا أعرى من الحجر الأسود.

قيل لعابد: ما الذي حبب إليك الخلوة وطرد عنك الفترة؟ قال: وثبة الأكياس من فخ الدنيا.

وقيل لآخر: لم تخليت عن الدنيا؟ فقال: خوفا والله من الآخرة أن تتخلى عني.

من غرس في نفسه شرف الهمة فنَبَتَ نَبَتْ 2 نفسُه عن الأقذار، ومن استقر ركن عزيمته وثَبَتَ وَثَبَتْ نفسُه عن الأكدار.قد انقــضى العمر وأنت في شغل ***فاجْسُرْ على الأهوال إن كنت رجلا 3 يا زَمِنَ الهمة! يا مقعد العزيمة! يا عليل الفهم! يا بعيد الذهن!أمـا اشتقتَ مَغْنَى الهوى حين طاب ***ومَنْبِـتَ غصـن الصَّبا حين مــالا؟
أمـا آن من نـــازح أن يــحن ***وللوصـل من هـاجر أن يُــدَالا؟
سار المجدون وتركوك، ونجا المخفون وخلفوك، نادِهم إن سمعوك! واستَغِثْ بهم إن رحموك!أيها الراحــلون من بطــن خيْـف ***وركــاب النَّوى بهــــم تتــرامى
إن أتيـتم وادي الأراك فاهــدوا ***لحـبيـــبي تحــيــتي والســلامـــا
وردوا ماء ناظري عــوض الغدران ***وارعوا بين الحـــشا لا الخـــزامى
واطلبــوا إلى قــلبي وآيـتـه إن ***تجـدوا فيه من هــواهم سهـــاما
يا من أبعدته الخطايا عنهم! ادرج مرحلة الهوى وقد وصلت.

أنت تتعلل للكسل بالقدر، فتقول: لو وفقني، ولكسب الشهوات بالندب إلى الحركة فامشوا في مناكبها.

أنت في طلب الدنيا قدري، وفي طلب الدين جبري. أي مذهب وافق غرضك تمذهبت به. أو ليس في الإجماع من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليهابكـرت صبحا عواذلــه ***ورَسيـسُ الحب قـاتلــه
هوى في واد ولسن بــه ***والهـوى عنهن شـاغلـه
يتمنيــن السَّــلْو له ***ومنـاه من يــواصلـه
4 لابد والله من قلق وحرقة؛ إما في زاوية التعبد أو في هاوية الطرد، إما أن تحرق قلبك بنار الندم على التقصير والشوق إلى لقاء الحبيب، وإلا فنار جهنم أشد حرا.شجاك الفراق فما تصنع ***أتـصبر للبين أم تجــزع؟
إذا كنت تبكي وهم جيرة ***فماذا تقول إذا ودعوا؟
القلقَ القلقَ! يا من سلب قلبه! والبكاءَ البكاءَ! يا من عظم ذنبه!

كان الشبلي رحمه الله يقول في مناجاته: ليت شعري ما اسمي عندك يا علام الغيوب؟ وما أنت صانع في ذنوبي يا غفار الذنوب؟ وبم تختم عملي يا مقلب القلوب؟

وكان رحمه الله يصيح في جوف الليل: قرة عيني وسرور قلبي، ما الذي أسقطني من عينك؟ أقلت: هذا فراق بيني وبينك؟هجــرانك قـاتلي سريـعا ***والهجــر من الحبيب قـاتل
إن كنت نسيـتني فعنـــدي ***شغل بك لا يــزال شــاغل
قلبي يهــواك ليت شــعري ***ما أنت بذا المحـب فــاعل
حقـا قد قـلت: يا حبيـبي ***قام عـلى قـولي الــدلائل
شوق وجــوَى ونارُ وجـــدٍ ***تذكي بعظــائمي البــلابل
ســائل دمعي فجــفن عيني ***لا يبــرح بالبكاء ســائل
إن جن لي الليل يا حبـيبي ***قـام عـلى قـولي الـدلائل
أبكي ما كـان من وصــال ***والحـزن تهيــجه المنــازل
هذا خـدي عــلى ثــراكم ***لا أبــرحــه ولا أزايــل
إن أنت طـردتـني فــويلي ***بعد الإعراض من أواصــل؟
كـــلا والجــود لي شفيــع ***والجـود مقـدم الوســائل


[1] المُدْيَةُ والمِدْية: السكين والشفْرة. والجمع مِدًى ومُدى ومُدْيات.\
[2] نبَتْ: ابتعدتْ. نَبا الشيء عني ينبو أي تجافى وتباعد.\
[3] جَسَر يجسُر جسارةً وتجاسر عليه: أقدم. والجَسورُ: المِقْدامُ الشجاع.\
[4] الرَّسيس والرَّسُّ: ابتداء الشيء. والرسيسُ: الشيء الثابت الذي قد لزم مكانه. والسَّلْوُ والسُّلُوُّ: النسيان والترك.\