يدخل المغرب سنة سياسية جديدة هي العاشرة في حكم الملك محمد السادس والثانية في عمر حكومة الوزير الأول عباس الفاسي. دخول لا يبدو أنه سيخرج عن التقليد “المغربي” الذي طبع الحياة السياسية عند كل سنة جديدة (لقاءات حكومية، مجالس الوزراء، تشكيل لجان، مشاريع قوانين، دورات لمجلسي النواب والمستشارين…)، وهو التقليد الذي درج النظام الحاكم على التدشين الرسمي له من خلال خطاب الملك عند افتتاح كل ولاية تشريعية.

الاستقراء الأولي لمجمل المشهد السياسي، والمغرب يدشن الدخول السياسي لسنة 2009، يعطي انطباعين عامين متلازمين ما انفكا عن بعضهما منذ زمن وما انفكا معا عن ملازمة الممارسة السياسية المغربية. انطباع عنوانه الأزمة المستمرة وآخر سمته الحل المغيب.

فما هي تجليات الأزمة السياسية التي يعيشها المغرب؟ وما حقيقة هذه الأزمة؟ وما هو جوهر الحل الجدي المغيب؟

1- وتستمر تداعيات 2007

يبدو أن لعنة الانتخابات التشريعية الأخيرة ما زالت تطارد من ارتضى نتائجها، وبنى عليها مؤسسات رسمية فاقدة للتفويض الشعبي، وأسس في ضوئها مشهدا سياسيا رسميا مليئا بالتبعية والعبثية.

لعنة انتخابات 7 شتنبر 2007 على الساسة والسياسة الرسمية للحكومة والنظام مستمرة تداعياتها في الساحة السياسية المغربية، وهذه أبرز تجلياتها:

نسبة المشاركة والوعي: عندما قاطعت غالبية الشعب المغربي الانتخابات التشريعية الثامنة لم يكن الأمر مجرد سلوك عبثي ناتج عن تذمر اجتماعي لا معنى سياسي له، بل كان بحق تجل مهم لوعي سياسي تراكم خلال العقدين الأخيرين لدى شرائح واسعة من المجتمع، حتى باتت المقاطعة الانتخابية -في ظل الشروط الدستورية والسياسية القائمة- إحدى علامات ارتفاع منسوب الوعي السياسي.

فنسبة 38.25 % التي قاطعت انتخابات 1993، وصلت 41.70 % في انتخابات 1997، وارتفعت لتصل 48.39 % سنة 2002، ولتبلغ ذروتها في انتخابات 2007 بنسبة مقاطعة فاقت 63 % دون احتساب مليون بطاقة ملغاة.

ولأن الأمر مرتبط بوعي سياسي متزايد فإن نسبة المشاركة في الانتخابات الجزئية التي قرر المجلس الدستوري إعادة إجرائها يومي 19 و21 شتنبر الماضي في 4 دوائر للتنافس حول 7 مقاعد لم تتجاوز رسميا 27 %، هذا دون أن ننسى اتهامات الأحزاب المستمرة للسلطة بحيادها السلبي واستعمال المال الحرام وغض الطرف عن الأعيان وغيرها.

فنسبة المشاركة المتدنية تلقي بثقلها على دخول سياسي يقع تحت طائلة سخط شعبي عارم ومقاطعة انتخابية غير مسبوقة في تاريخ المغرب السياسي، وهو الشيء الذي لا يخلو من دلالات سياسية كبيرة لعل أبرزها فقدان الممارسة السياسية للشرعية الديمقراطي اللازمة.

المؤسسات السياسية والارتهان: من الطبيعي أن تعاني المؤسسات السياسية التي أنتجتها انتخابات غير شعبية ولا ذات معنى سياسي من أزمة ارتهانها لصناعها ومنتجيها. وهي أزمة حادة ومزدوجة في عقلية صناع القرار السياسي ومنفذيه وفي صلاحية هذه المؤسسات وبنيتها.

إن المؤسسات التي تمخضت عن انتخابات 2007 طبعها ارتهان مزدوج:

ارتهان دستوري: ناتج عن الأزمة البنيوية الدستورية والسياسية التي يعرفها المغرب، والتي لا تعطي قيمة سياسية حقيقية لأي مؤسسة بالنظر لطبيعة الملكية في المغرب. (انظر مزيدا من الإيضاح في الفقرتين 2 و3).

طالع أيضا  المغرب والدخول السياسي الجديد.. الأزمة المستمرة والحل المغيَّب 2/2

ارتهان سياسي: راجع إلى خيار صناع القرار الذي رهن مؤسستي الحكومة والبرلمان لحسابات سياسية وتوازنات دقيقة أفقدتهما الانسجام المطلوب في الأداء والممارسة السياسيتين.

فالبرلمان مرهون إلى بلقنة سياسية على المقاس، صاغها نمط الاقتراع وشكلها التقطيع الانتخابي ودعمتها الصراعات الحزبية الموسومة باستعمال المال وتوظيف والأعيان. وحكومة “عباس الفاسي” فسيفسائية إلى أقصى حد، فهي حكومة التكنوقراط ورجال المال والأعمال وحكومة “سياسية” لأربعة أحزاب من “اليسار” و”اليمين” وحكومة أقلية مشدودة إلى دعم فريق الأصالة والمعاصرة، الذي تشكل بقدرة قادر.

وبالتالي فالمؤسسات السياسية التي نتجت عن الانتخابات التشريعية الأخيرة لا تملك من الصلاحيات ولا من الانسجام والتوازن ما يؤهلها للقيام بدور سياسي يخرج البلد من الأزمة السياسية، لأنها هي وليدة الأزمة.

الخطاب السياسي والأزمة: ظل الخطاب السياسي، الرسمي منه والحزبي، طيلة الفترة اللاحقة لكارثة انتخابات 7 شتنبر التشريعية يتحدث باندهاش عن الأزمة الانتخابية والعزوف السياسي وضعف التأطير الحزبي، وكأن أصول الأزمة-التي نادرا ما تم التطرق إليها- جديدة ومستحدثة. ولعل بعضا ممن حضر ندوة “الجريدة الأخرى” في شهر شتنبر حول “سنة 2009” استشرافا للانتخابات الجماعية المقبلة وتدشينا لدخول سياسي جديد، سجلوا أن الخطاب السياسي ظل “أسير” الأزمة السياسية التي تكشفت سنة 2007.

غير أن هذا الخطاب بقدر ما طغت عليه لغة الأزمة ظل حبيس إعادة إنتاج شروطها وظروفها وأسسها وقواعدها، فلا حديث عن حوار مجتمعي حقيقي وإصلاح دستوري جذري يكون مدخلا رئيسيا لتغيير شامل، ينطلق من السياسة العامة وأصولها ويؤسس لنسق سياسي جديد ومشهد سياسي حقيقي وممارسة سياسية جدية.

2- المؤسسات الدستورية الكسيحة

لا تؤدي الانتخابات معناها السياسي لأنها تنتج لنا مؤسسات كسيحة، فلا البرلمان قادر على التشريع والمراقبة بالمعنى الحقيقي ولا الحكومة قادرة على قيادة العمل السياسي وإصلاح أوضاع المجتمع وفق مشاريع واضحة. تلك هي الملاحظة الرئيسة التي يبديها أكثر من باحث ومراقب للشأن السياسي المغربي، وهي ليست ملاحظة متحاملة لا تعوزها الدلائل بل حقيقة تقرها وقائع السياسة طيلة 60 سنة من التجربة وتسندها نصوص الدستور وتدعمها إقرارات الساسة واعترافات الوزراء.

فالحكومة وفق المواد 24 و25 و26 و 28 و60… من الدستور يعينها الملك ويقيل أعضاءها الملك ويترأس مجلسها الوزاري الملك وهي مسؤولة أمام الملك ويحدد معالم مشروعها السياسي الملك، بل إن الحكومة أصبحت لجنة استشارية وتقنية وواجهة برتوكولية حين اتجهت الملكية في عهد محمد السادس إلى مزيد من “التنفيذية” حتى في أدق تفاصيل المشاريع الاجتماعية والاقتصادية وهو ما أتى على الباقية المتبقية من “شكلية” الحكومة في المغرب.

ولذلك لم يراهن المتتبعون على التصريح الحكومي الذي أدلت به حكومة “عباس الفاسي”، ما دامت الخطوط العامة والكبرى أعلن عنها الملك في خطاب افتتاح الدورة التشريعية للبرلمان يوم 12 أكتوبر 2007، وهي توجهات مصانة بسياج “القداسة” المانعة لكل تجاوز أو مخالفة.

قال الملك أمام البرلمان: “… فعلى الجميع أن ينكب على تحقيق ما هو أهم بالنسبة للمواطن. ألا وهو، بكل بساطة، عيش حر كريم قوامه: وطن موحد، أمن واستقرار، تعليم جيد، تربية صالحة، شغل منتج، اقتصاد تنافسي، سكن لائق، تغطية صحية، إدارة فعالة ونزيهة، قضاء عادل ومستقل، كرامة موفورة، ومواطنة كاملة، حقوقا وواجبات، وإن تلبية هذه المطالب الشعبية التي كانت موضوعا للتنافس الانتخابي، تقتضي تصريفها في ثلاثة توجهات أساسية للعمل الحكومي والبرلماني” 1 . نقطة ملكية تُنهي الكلام. وتُرجع باقي المؤسسات الكسيحة إلى سطر التنفيذ.

طالع أيضا  المغرب والدخول السياسي الجديد.. الأزمة المستمرة والحل المغيَّب 2/2

وفي هذا السياق ربما لم يستغرب جميع من اطلع على حوار السيد “عباس الفاسي” مع أسبوعية “جون أفريك”، في عددها الأخير من شتنبر 2008، كلام الوزير الأول حين كفاه أن تطلعه الدوائر النافذة في صناعة القرار السياسي وهو رئيس الحكومة على القرارات الكبرى واعتبر ذلك من علامات احترام صلاحياته واختصاصه! وحين لم ير أي إشكال سياسي في أن يكون وزيرا أولا لملك يسود ويحكم، لأن “جلالة الملك يحترم بالحرف دستور البلاد،… ولأن جلالة الملك لم يرفض يوما نصا صادق عليه المجلس الحكومي، رغم أن ذلك يدخل في إطار اختصاصاته”!.

بدوره يفتقد البرلمان بمجلسيه لمقومات المؤسسة التشريعية كما هي متعارف عليها في العالم، فدستوريا يحتل الرتبة الثالثة في حقوقه التشريعية وراء الملكية والحكومة. إذ المعروف أن الملك هو المشرع الأول في المغرب وفق نص الدستور دائما (الفصول: 28، 29، 69، 72، ..). وعليه تظل الوظيفة التشريعية “تنفيذية” للخيارات والمشاريع التشريعية الكبرى التي تحددها الملكية.

كما أن الوظيفة الرقابية تبقى شبه غائبة لارتباطها بواقع البلقنة البرلمانية والأغلبيات السياسية التي تصاغ على المقاسات المطلوبة، ناهيك عن النصوص الدستورية التي تقيد إلى حد بعيد وشبه مستحيل قدرة مجلسي النواب والمستشارين في الرقابة على الحكومة. فالفصول 75 و76 تمنح مجلس النواب حقي “سحب الثقة” و”ملتمس الرقابة” لكن شريطة الحصول على الأغلبية المطلقة، والفصل 77 يمنح مجلس المستشارين حقي “ملتمس توجيه تنبيه للحكومة” و”ملتمس رقابة ضدها” ولكن بعد توقيع ثلث أعضاء المجلس ولا تتم الموافقة على الملتمس إلا بالأغلبية المطلقة. كل ذلك مقابل نص دستوري يعطي للملك حق حل مجلسي البرلمان أو أحدهما بظهير شريف (الفصل 69).

هذه الشروط التعجيزية سحبت من البرلمان المغربي اختصاصاته تلك، والتي لم يُعملها، طيلة 45 سنة، إلا في مرات معدودة لم تتجاوز أصابع اليد. عدا ذلك، وباستثناء لحظات معدودة كان فيها لليسار مناكفات داخل هذه المؤسسة، ظل البرلمان مؤسسة لتسجيل الحضور وقاعة للنقاشات البيزنطية الكاريكاتيرية الخالية من أي رهان سياسي وموطنا لنوم الكثيرين في أحايين كثيرة.

إذا كان هذا هو حال مؤسسات يقال بأنها منتخبة وناتجة عن صناديق الاقتراع، فكيف هو الحال بتلك المعينة بظهائر ومراسيم وقوانين تحصر الاختيار لدى دوائر محدودة ومعلومة. ولله در الأستاذ والباحث “عبد اللطيف حسني” حين وصف أدوار هذه المؤسسات الكسيحة، بعد أن استعرض مظاهر الهيمنة الملكية، بقوله: “وبصرف النظر عن الثوابت والمقومات التي تعتبرها الملكية شأنا مقدسا، وموضع إجماع وطني، فإنها تضيف لها الاختيارات الكبرى للأمة والتي هي محل توافق وطني، وهو الأمر الذي يؤدي وبالملموس إلى هيمنة الملكية، وتركيز السلطة الحقيقية بيد الملك، مما يجعل من باقي المنشآت السياسية المنصوص عليها في الدستور المغربي مجرد ظلال شاحبة للملكية”. 2

طالع أيضا  المغرب والدخول السياسي الجديد.. الأزمة المستمرة والحل المغيَّب 2/2

3- الملكية التنفيذية المهيمنة

لم يعد خافيا لدى الجميع أن طبيعة الملكية في المغرب تطرح إشكالات سياسية حقيقية للفاعلين من داخل المؤسسات الرسمية، وتثير نقاشات جدية حول الخيارات الديمقراطية المتحدث عنها في البلد. وينبغي أن نسجل هنا وضوحا في القناعة والخطاب والممارسة لدى المؤسسة الملكية التي حسمت، ورسخت، في عهد محمد السادس ماهيتها التنفيذية الحاضرة في مجمل مستويات الشأن العام، في الوقت الذي ظل فيه جزء مهم من الفاعل الحزبي متردد في اختياراته ما بين مطلب الملكية الدستورية وحقيقة الملكية التنفيذية، وما بين المجتمع الديمقراطي الحداثي والحضور المهيمن لإمارة المؤمنين داخل بنية النظام السياسي والحياة السياسية برمتها.

إن حقيقة هيمنة القصر في المغرب وقيادته للعملية السياسية تشريعا وتنفيذا وقضاءً، تعيينا وتنصيبا وإقالة، منحا ومنعا، عطاء وحرمانا، منصوص عليها دستوريا في فصول ناطقة واضحة الدلالة تغني عن كل بيان. ومقررة سياسيا في خطاب وممارسة الملكية، وفي خطاب وممارسة باقي المؤسسات السياسية الدستورية، وفي المكانة الرمزية والاعتبارية لـ”أمير المؤمنين” الذي يحكم بنص الدين.

غير أن الملاحظ أن هذه الهيمنة لم تقف عند الخيارات الكبرى والتوجهات الاستراتيجية والخطوط العامة، بل امتدت، وتلك ميزة ملكية محمد السادس مقارنة بملكية الحسن الثاني، لتشمل التفاصيل التنفيذية من أوراش تنموية واقتصادية واجتماعية وثقافية من خلال حضور شخصي للملك في تدشين جل المشاريع، حتى تلك الصغيرة منها والتي من المفترض أن تحال إلى الوزارات والقطاعات الحكومية المعنية.

ولعل الدراسة التي أنجزها الدكتور “عبد اللطيف حسني” عن “الملكية المغربية في الخطاب والممارسة 2007-2008″، تبرز بالملموس هذا الاكتساح، حيث خلص إلى القول: “تميز أداء الملكية المغربية خلال السنة 2007-2008 باكتساح الملكية لكل الفضاءات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وما من فضاء يبدو على الصعيد الوطني إلا وللملكية يد عليه” 3 .

يقال بأنه على مستوى الفكر السياسي لا يوجد تمايز ولا تفاضل بين أنظمة الحكم كما هي مقررة في العلوم السياسية، غير أنه وبدون أدنى شك تثار حول عدد من أنظمة الحكم أسئلة ديمقراطية وسياسية، وترفع في وجه أخرى، لخصوصية الشعوب التي تحكم باسمها، أسئلة شرعية و”دينية”. وفي الحصيلة تعاني النظم السياسية الموسومة بالشمولية والتيوقراطية أزمة الشرعية السياسية.

وتبقى الملكية التنفيذية، التي يسود فيها الملك ويحكم ولا يحاسب أو يساءل، أحد أهم تلك النظم التي تعاني أزمة الشرعية السياسية. وهذا هو الوضع المحرج للملكية المغربية وللنخب السياسية معا.

في الجزء الثاني حديث عن الأحزاب السياسية المنقادة، وحركة الهمة “المنقذة”، وحقيقة الأزمة السياسية، والطريق المجتمعية السالكة.


[1] خطاب الملك محمد السادس يوم 12-10-2007 في افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثامنة.\
[2] الملكية المغربية في الخطاب والممارسة 2007-2008. عبد اللطيف حسني، حالة المغرب 2007-2008، كراسات استراتيجية (4) ضمن منشورات وجهة نظر. ص 5.\
[3] نفس المرجع. ص 4.\