تقديم   تتراوح طبيعة الحركة الإسلامية العاملة اليوم بين صورتين؛ الأولى: كونها ردة فعل، والثانية فعل باعتبارها جوابا عن الأسئلة الكبرى التي تطرحها حركة الإنسانية عبر تعاطيها مع المدارس السائدة في تدبير شأنها وقضاياها الكبرى وليست وليدة ما تتعرض له الأمة، فقط، من معاناة بسبب الاستعمار والاضطهاد والاستبداد.

   وما بين الصورتين مجرد غموض؛ ففي حالات تُكَرس الصورة الأولى، وفي حالات أخرى هنالك قابليات للتحول إلى الصورة الثانية إذا ما حصل الانتباه من طرف القيادة ورجال التنظيم. وفي ذلك مخاضات ومراجعات ومنعرجات ينبغي الوعي الكافي بها وبمقتضياتها وبمطالبها التربوية والفكرية التصورية ليحصل الانتقال السليم والمناسب في إطار تطور وفعالية التنظيم وحركته الميدانية. ذلك أن الصورة الثانية هي الكفيلة بإنجاز المطلوب.

   وهنا لن نطيل الحديث عن الصورة الأولى ومساحات الغموض التي تحافظ عليها لأنها ما لم تخرج من واقع ردة الفعل عبر ولادة جديدة، في الغالب الأعم تكون هذه الولادة عسيرة، فما هي إلا جزء من الواقع المعيش المراد تغييره مهما ظهر للوهلة الأولى تمايزها وتميزها. وسيكون هم المقالة هاته، بحول الله تعالى وقوته، البحث ولو بشكل مركز في أهم عنصر من عناصر قوة وفعالية وأهمية الحركة الإسلامية المعاصرة المتعلق بمحورية الوعي المستقبلي في حركتها وفي صياغة ما تقترحه من مبادرات واقتراحات في شتى المجالات، ذلك أن عدم إدراك طبيعة الوعي المستقبلي المؤطر لفعل الحركة الإسلامية، سواء من جهة أبنائها ورجالها، أو من جهة غيرها من الباحثين والمراقبين يخل كثيرا بالوعي بحقيقة مشروعها؛ ففي الوقت الذي يكرس واقع الغموض وردة الفعل، أي عدم الوعي المستقبلي، فإنه يحرم القيادة ورجال الحركة من جعلها تنتقل بوعي ووضوح إلى الصورة الثانية؛ صورة صناعة التاريخ بما هي مبادرة واقتراح متكامل علميا وعمليا.

   من هنا ستكون هذه المقالة محاولة للكشف عن أهم عنصر قوة وجدوى الحركة الإسلامية المعاصرة من خلال بيان معنى الوعي المستقبلي وضرورته ومكانته في بناء التصورات والاقتراحات العملية المرحلية والاستراتيجية، ذلك أن الخروج من النفق التصوري والحركي الذي يخنق كثيرا من مكونات الحركة الإسلامية اليوم لن يحصل إلا من خلال فتح آفاق عظيمة للعمل اليومي المثابر والصابر والواعي بالمدى الزماني والإنساني والكوني الذي يغطيه وبالوسائل الكلية فيه مهما كان واقع المرحلة قاتما ومؤلما. وبهذا تغادر الحركة الإسلامية نفق العقلية البرنامجية القاتل حين هيمنته على التدبير والتسيير وتنظيم العلاقات في بعديها المرحلي والاستراتيجي بين مكونات الحركة وبينها وبين غيرها.

   فهيمنة العقلية البرنامجية على الحركة الإسلامية جملة هو صورة مقيتة لا تقل خطورة عن هيمنة الدولة على الدعوة عبر تاريخ المسلمين منذ ذهاب الخلافة، إذ تقتلها في مهدها وتنحي على الهامش جواهر القضية وذررها ومعنى وجود الحركة الإسلامية ابتداء حيث تُحولها إلى مجرد تنظيم حزبي. والمقصود بالعقلية البرنامجية هيمنة التدبير اليومي والمرحلي على الاستراتيجي والمصيري فيغطيه ويحجبه وقد يلغيه، وهذا من أكبر ما يهدد وجود الحركة الإسلامية باعتبارها مشروعا.

   لذلك تأتي هذه المقالة مساهمة في الانتباه الضروري والمصيري إلى أن الوعي المستقبلي وشيوعه في صفوف الحركة الإسلامية عامل قوة وتوازن في الفهم والسلوك والبناء على مستوى الفرد والجماعة والأمة وخدمة الإنسانية، إذ يكون عنصرا محددا للتموقع الحركي المناسب في المرحلة كيت أو كيت، كما هو عنصرا محددا لطبيعة الموقف الميداني والمرحلي السياسي في هذه المرحلة أو تلك، فضلا عن أنه الأداة الأهم في بناء الاستراتيجيات وحل الأزمات وصياغة البرامج المرحلية الضرورية.

1. معنى الوعي المستقبلي   في خط الحركة الإسلامية الأصلي يغطي الوعي المستقبلي مجالين:

   الأول عام: ويشمل العلم الكافي بالغاية الكلية الجالبة للحركة خلال جميع مراحلها.

   فلا يخفى على أحد أن الحركة الإسلامية تسعى إلى قيام نظام عالمي يضمن الحقوق ويصونها بعد تحقيقها وقيامها، ويقيم قواعد العدل الشامل خدمة للإنسانية عبر دفع قوى الاستكبار والتسلط بواسطة قواعد التدافع العاكسة لقيم الإسلام والمحققة لمقاصده من منطلق عقلية الواجب لا من منطلق الشعور بالمظلومية والرغبة في الانتقام. وهنا تَجمع كلياتُ المشروع الإسلامي المقاصدية حركةَ المسلمين وتوحد وجهتهم في هذا المستوى، وهو مكسب عظيم يجب تفعيله في بناء الأفهام والتصورات والعلاقات والاجتهادات في كل المراحل عبر حركة تربوية فكرية سلوكية قوية.

   ولئن اختلفت التعابير والدلالات حول هذا النظام، فإن الاكتفاء بهذا المجال لا يحقق شيئا مُهما على أرض الواقع، خاصة إذا علمنا أن مجال البحث المقاصدي المتعلق به لم يصل إلى المستوى المطلوب من الدقة بما يغطي المساحة التي يملؤها، وقد يكون عامل غموض وارتباك يؤثر سلبا على بناء مراحل الزحف والحركة. وهنا لا ينبغي الاحتفال كثيرا بحجم الإنجازات التي تنجزها وتحققها أية حركة عند حماسة التأسيس ومراهقة الأداء في البداية، إذ غالبا ما يؤدي الغموض الحاصل بغياب الوعي المستقبلي إلى انتكاسات وهزات قد تأتي على الحركة من أساسها، وفي أقل خسارة تُفقدها مكاسب التأسيس وإنجازات الانطلاقة، كما هو الحال في جل الحركات الإسلامية، خاصة في الغرب الإسلامي. ولعل أغلب الحركات الإسلامية المعاصرة قد مرت من هذه المرحلة؛ فمنها من اعتبر ومنها من لم يوفق لذلك وإن دفعت معاناة السنين والأعوام كثيرا من القيادات المؤسسة إلى وقفات قوية مع الذات ليبقى السؤال مطروحا حول مدى الاستفادة من هذه الوقفات وحول جدواها من حيث مراجعة الفهوم والمواقف والاختيارات.

   فالوعي المستقبلي من خلال هذا المجال ينبغي أن يبنى على اليقين بالمصير الأخروي حتما. إذ الوعي المصيري إيمانا وسلوكا هو الفاعل في صياغة حقيقة هذا الوعي المستقبلي عبر هذا المجال الذي يتأسس عليه الوعي في المجال الثاني. ومن مقتضياته القاعدة الدعوية العظيمة الحاصلة بفعل التربية المتكاملة القائلة: من الفهم السالم والتربية المستقيمة أن مصير الفرد عند الله تعالى لا ينفك ولا ينفصل عن مصير أمته التاريخي؛ إذ عن هذه القاعدة الذهبية تتفرع قواعد لها أثرها البالغ في إعادة النظر في مجمل حركة الأمة، ومن ثمة في الفهم والسلوك والاستنباط والبناء على جميع المستويات، فضلا عن صناعة البواعث والحوافز.

   أما الثاني: فإنه إذ يبنى على الأول فإنه يشكل مستوى من الدقة في صياغة الخط العام (السيناريو الأصلي) لتنفيذ مشروع الحركة عبر مراحل زحفها الكبرى. فهو وعي استراتيجي يوفر الكفاءة العلمية والعملية في إنجاز مراحل المشروع في خضم الواقع التدافعي مهما كانت درجة تعقده.

   وحين يجتمع الوعي الاستراتيجي والوعي المستقبلي العام،-حيث الأول متولد عن الثاني في الأصل- وفق فقه جامع متحرك في الزمان والمكان يصنعا العلم المستقبلي، أو العلم بالمستقبل، الذي يعطي زخما تصوريا وعلميا لحركة المشروع ويكشف عن حقائق آفاقه ومدى فعله في التاريخ بكل مراحله.

   ولا نريد هنا أن نخوض في قضية هل يمكن الحديث عن علم المستقبل أم لا، ذلك أن المهم في هذه المقالة هو كشف قيمة وأهمية الوعي المستقبلي بما يفيد عمليا دون السقوط في شرك فلسفة العلوم، إذ لاشك أن الوعي المستقبلي يبنى على قواعد يجب العلم بها والقدرة على توظيفها في التحليل والاستشراف والتركيب.

   وبهذا، ففي التصور الإسلامي ليس الوعي المستقبلي ترفا فكريا وفلسفة في التاريخ، بقدر ما هو قوة علمية لها نتائج عملية وفق نسق تصوري وحركي ممتد في الزمان ومغط بالكمال للمكان.

   وغالبا ما يكون الخلل الفظيع على هذا المستوى من الوعي، لأن له نتائج عملية مباشرة ومحسوسة حيث في مراحل التدافع الدقيق تنكشف عورة عدم التحكم في بناء الخط العام لتنفيذ مشروع الدعوة الكبير على أرض الواقع، أي ينعدم الوعي الاستراتيجي الدقيق كعنصر موجه وحاسم في تدقيق الاختيارات في اللحظات الصعبة، على الخصوص، من العمل، وذلك نظرا للغموض الكثيف على مستوى الوعي الاستراتيجي؛ إذ المواقع والمواقف تصبح رهينة بفعل خارجي وليس بمدى الوعي بالمرحلة التي تمر منها الدعوة وبمستوى إنجاز مضمونها.

   ولذلك، فالوعي المستقبلي قدرة علمية ذاتية على استشراف حقائق المستقبل في المدى الطويل جدا بناء على الغاية المنشودة، وفي نفس الوقت قدرة عملية على إنجاز في كل المراحل ما يخدم بناء الحقائق الإيجابية ويدفع الأخرى السلبية وفق نسق مرحلي حركي غائي مغطى بمفاهيم ودلالات علمية منسجمة مع كل مرحلة من مراحل البناء ومؤطرة لها بكفاءة مستوعبة لكل السيناريوهات الأصلية والاحتمالية والاستثنائية. ومن ثمة يكون الوعي المستقبلي دافعا محوريا لصناعة الفعل القوي والمؤثر في اللحظة المعيشة، فيجعل من الانتباه إلى المدى الطويل عامل إنتاج الموقف المناسب والوسيلة المناسبة للمرحلة المعيشة، لأنه علم أنجز عملا خادما لحقائق المستقبل المتصور، وبهذا الوعي يحصل اليقين في إنجاز المشروع في جميع الأحوال والصور من السيناريوهات المتوقعة أو غير المتوقعة، لأنه يمكن من التحكم الكبير في المعطيات الميدانية ونتائجها التصورية والنفسية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وغير ذلك، على الطريقة التي تحقق المصالح العليا المقصودة. أي أنه يوفر وعيا استراتيجيا يدقق في تحديد طبيعة الموقف الجزئي في حينه؛ فهو عمل لأجل صناعة تاريخ جديد وفق فقه معين في مجال التدافع في كل مراحله ومستوياته ومجالاته ووسائله.

   فالمشروع الإسلامي بالقدر الذي يخترق الواقع في الاتجاه الصحيح، فإنه ينجز واقعا منفتحا على مستقبل عريض ومُحَقَّق الصورة عبر استراتيجيات محكمة الصياغة وحكيمة التنزيل، كما هي دقيقة التحليل للمعطى من حيث معناه الواقعي ومن حيث بعده الاستراتيجي وفق قراءة دقيقة لطبيعة الصراع الدولي والإقليمي والمحلي.

في الحلقة القادمة، إن شاء الله تعالى، نناقش مرتكزات الوعي المستقبلي.