2. مرتكزات الوعي المستقبلي في التصور الإسلامي

يشكل الوعي المستقبلي ثمرة من ثمرات الوعي الأسمى في التصور الإسلامي، والوعي الأسمى هو المضمون العلمي لكلمة التوحيد والشهادة: لا إله إلا الله محمد رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو لاشك يُحَصل مجموعا علميا وسلوكيا يشكل شخصية الفرد وروح الجماعة وحقيقة حركة الأمة ورهان نظام عالمي إنساني كوني.

فمن خلال امتلاك الوعي الدقيق والمتكامل بمضمون هذه الكلمة يتحقق الوعي بالمستقبل وبتفاصيله مما يوفر كفاءة على اكتشاف السيناريو الأصلي لإنجاز المشروع الإسلامي في كل مراحله وأبعاده ومستوياته، ولذلك كان أساس الوعي في التصور الإسلامي تربوي أخلاقي سام وليس فكريا حركيا، بل مقتضيات كل المجالات تنبني على هذا الأساس ومن خلاله تصدر للقيام بعملية التحليل للوقائع وإعادة تركيب عناصر المستقبل والمصير.

لقد كان الفكر الإسلامي المعاصر قليل العناية بالبحث في هذا المحور، علما بأنه حاسم في عمليات البناء الفرعية والكلية والتكتيكية والاستراتيجية خلاف المدرسة الغربية بكل ألوانها التي أبدعت كثيرا في الباب وكانت إبداعاتها هاته عناصر حاسمة في هيمنتها الحالية؛ وإن كان العجز الكبير الذي وصل إليه العقل الغربي في الموضوع أمام إنجازاته الميدانية المؤلمة إنسانيا وكونيا يجعل المسؤولية عظيمة على العقل المسلم اليوم ليكشف من خلال وعيه المستقبلي عن الأجوبة الحقيقية لما ينتظر الإنسانية في مستقبلها. وهو ما يفرض القيام بنهضة عامة لإقامة نظام يحفظ للإنسانية كرامتها ويحقق لها ظروف التسخير الإلهي للكون للمخلوق الذي كرمه؛ وهو الإنسان، ولاشك أن هذه وظيفة الوعي المستقبلي وضرورته القصوى عبر قومة علمية مؤسسة لذلك.

تكون ثمرة الوعي الأسمى تحقيق علمين على مستوى التصور والفهم: العلم بالله تعالى والعلم بالإنسان في كل أبعاده على صورة متوازنة ومتكاملة ومستقيمة، وهو ما يعني حتما الرجوع إلى السنة النبوية في صورتها الكاملة الجامعة المنجمعة لتعطينا المعنى الواقعي للإنسان وحركته في التاريخ وعلاقته بالكون، كما تكون سيرة الأولياء والأتقياء، على رأسهم الصحابة الكرام، نموذجا يستفاد منه في الباب.

ومن ثمة سنضع التجارب الغربية في موضوع البحث المستقبلي محط الاستفادة لا مرجعا كليا، لأن إدراك تجربة الصحابة من خلال العلم بالسيرة النبوية، أي من خلال “علم المنهاج النبوي”، تمكننا جملة من تصور الإطار العلمي والعملي للوعي المستقبلي. ولذلك يكون الوحي، مترجما عبر السيرة النبوية، وسيلة لصياغة فقه منهاجي، أي فقه صادر عن “علم المنهاج النبوي”، والأصل في اكتشاف وامتلاك الوعي المستقبلي بما يتيح هذا الفقه من وعي دقيق بالمعطيات الكونية والإنسانية والتاريخية وما يمكن أن يستنبط منها من قواعد وسنن مطردة في الزمان والمكان.

وبهذه الإحاطة الكاملة بالسيرة النبوية عبر “علم المنهاج النبوي”، وليتحرك العقل المسلم على خط واضح لصناعة وعي مستقبلي عملي، ينبغي أن يتأسس على المرتكزات التالية:

2-1. مرتكز الوعي الأصولي

إن المقصود بالوعي الأصولي ليس بناء نظام تفكير اعتمادا على المنهجية الأصولية التقليدية، التي لا يمكن اعتبارها سقف التفكير الإسلامي؛ إذ هي مفيدة في مجالها الذي هو استنباط الحكم العملي الجزئي وإصدار الفتوى من لدن الفقيه، لكن المقصود بالوعي الأصولي صناعة نظام تفكير كلي يبني فقها جامعا يبدع عملية تفكير منطلقة من حركة الوحي الكلية في التاريخ البشري التي ختمت من حيث البعثة بسيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لكنها ممتدة بعده بحفظ الرسالة من جناب الله تعالى الذي تكفل بذلك وأخبرنا به في القرآن الكريم بقوله جل وعلا: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ وسخر لذلك وسائل منها ما أخبر به رسول الله عليه صلواته وسلامه وعلى آله كحديث البعثة التجديدية الذي قال فيه: “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها” 1 .

فالوعي الأصولي فهم عام يشكل مرجعية كلية حاكمة ومستوعبة، بحيث تصبح نظام تفكير أصلها الكلي الوحي الذي هو القرآن الكريم والسنة الكاملة المبينة له والمترجمة له عبر حركة تاريخية ممتدة في الزمن البشري إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

وبهذا الفهم الأصلي الحاكم والكلي للوحي وبالوحي يحصل التطابق الحقيقي الذي من خلاله يتم استيعاب حركة الكون وفهم قوانينها الكلية؛ فينظر إلى الكون من منظار مستقيم ومناسب لاستكناه أسراره ونواميسه وقوانينه وسننه التي تجري على البر والفاجر. كما بهذا الفهم يتم استيعاب المناسبات التي يخرق فيها الله سبحانه سننه المعلومة وينجز تعالى علوا كبيرا ما يريده ويسخر ما يحافظ به على الموافقة التامة بين سنن الغيب وسنن الكون للحفاظ على حركة الكون والإنسان في صيرورتها إلى ما رسمه الله تعالى لها.

وهذا هو المستوى الأعلى من الحكمة المطلوبة، حيث يصل فهم المرء، من خلال هذا الوعي الأصلي الكلي الجامع والحاكم على ما دونه من الأفهام والمناهج والتصورات والاجتهادات، إلى الوعي بالتطابق الحاصل بين سنن الوحي وسنن الكون، وهو عين الاستقامة المطلوبة قرآنا، وهو ما يعطي شحنة خاصة ومتميزة للوعي المستقبلي أو الوعي بالمستقبل.

ومن هنا تنفتح حركة الفكر على دقائق الواقع البشري وعلى تفاصيله وعلى حقائق التدافع الإنساني وصراع الإنسان مع الطبيعة بكل مستوياتها وأفق هذا التدافع والصراع وكيفيات تنظيمه.

إننا نتحدث هنا عن مستوى كبير من التحكم في قواعد التفكير الكبرى ونظامه الأساسي الذي يخول الكفاءة الهائلة لفتح آفاق عظيمة ودقيقة لحركة الحق في مواجهة الباطل ليكون زهوقا.

نعم، من الأخطاء الفادحة القادحة أن يقف مستوى الوعي الأصلي عند تحصيل عموميات هذا الفهم حيث تصبح مادة دسمة للمواعظ فقط، لأن المطلوب هو الفهم الدقيق والتوظيف العملي الصائب لهذا الوعي لتنظيم كل العمليات الفرعية والدقيقة على مستوى الفكر وعلى مستوى ما يجري في عالم الناس في كل المجالات، خاصة مجال العلاقات بين الأفراد والجماعات والأمم ونظامها الدولي واستقرارها الكوني ووسائل ذلك.

فهذا الفهم الأصلي ينبغي أن يتجاوز المستوى العاطفي الحاكم لأفق الحركة الإسلامية المعاصرة اليوم ليصبح آلة في التحليل الدقيق والقراءة الواقعية الصائبة ورسم الاستراتيجيات وتنظيم العمليات التدافعية مهما كانت حدتها ومهما كان حجمها وسقفها ومجالها ونوعها. وحتما، فإن هذا المستوى لن تقدر على استيعابه المنهجية الأصولية التقليدية، إذ من القصور الشديد في الفكر الإسلامي المعاصر أن يجعل معالجة القضايا الكبرى من اختصاص هذه المنهجية، ذلك أن المطلوب هو اكتشاف المنهاج الذي يستوعب هذه المنهجية وباقي مستويات التفكير والإبداع وفق فقه جامع للدين ولتنزيله لينتظم الكل في صورة مشروع متكامل على أرض الواقع البشري والكوني في صورة منسقة وجميلة.

2-2. مرتكز الوعي المقاصدي

ومن هنا تأتي أهمية الوعي المقاصدي، لأن بناء المرجعية على ركيزة الوعي الأصولي وحدها بناء قاصر وناقص كذلك، ومن ثمة فالمقصود بالوعي المقاصدي الإدراك الدقيق لمقاصد الوحي وحركته بما هي المرجعية الكلية لنظام التفكير وعملياته في الواقع الكلية والفرعية، وبهذا يخرج الفكر الإسلامي من العاطفة المجنحة والعموميات الحاجبة إلى القصدية والدقة والفعالية. ولذلك لا نجد في تاريخ المسلمين إلا الكبار من الأمة هم الذين يتحدثون عن المقاصد ويعونها جيدا.

والوعي المقاصدي من أنجع الوسائل لتحقيق قصدية الفكر واستقامته وانتظامه وتزويده بآلة معيارية وتقييمية وتقويمية تحفظه من الخلط والترقيع والتلفيق والانحراف، لأن هذه الأعطاب من أهم مداخل بعثرة التفكير وغموض الفكر ومن ثمة اضطراب الحركة.

وبهذا يمكن تحديد مقصدين ساميين يحقق تحصيلهما المستوى المطلوب من الوعي المقاصدي الذي يشكل الركن الثاني في الوعي المستقبلي.

المقصد الأول: التكريم

فقد كرم الله تبارك وتعالى الإنسان وفضله على كثير ممن خلق، قال سبحانه: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا. ومن ثمة فالعمل على بناء الفهم الذي يؤسس لهذا التكريم وينجز عمليات على أرض الواقع تحققه وتحافظ عليه مما هو واقع أو متوقع وتطوره هو المطلوب، وهو معيار الوعي المستقبلي ومحوره.

وتكريم الإنسان وصيانة كرامته لا يعني الاعتداء على باقي مخلوقات الكون والتعامل معها بمنطق الدونية والاحتقار والاستغلال البشع والفساد والإفساد، بل يعني أن كل ما سخر الله تعالى في الكون من مخلوقات لهذا الإنسان إكراما له وتكريما له تنزل منزلة التكريم والتقدير والاعتبار بسبب هذا التسخير وهذا التكريم، وهو ما يجلب مطلب العدل الشامل والسعي لإقامته على أرض الواقع، وهو مطلب الاستقامة.

المقصد الثاني: الاستقامة

إن الوعي المستقبلي في التصور الإسلامي لا يمكن أن يكون إلا وسيلة لإقامة الحق ودفع الباطل، ولن يكون إلا وسيلة في الإصلاح والصلاح ودفع الفساد والإفساد، ولذلك لن يكون إلا وسيلة لتحقيق التطابق المطلوب بين قصد الله تعالى من كونه وقصده سبحانه من وحيه، وبذلك يتحقق واقع الاستقامة في العلاقة مع الكون ومخلوقاته، وهو ما يعني أن من مقاصد الوعي المستقبلي، بما هو تفكير، وفكر، وإنجاز عملي في الوقت المناسب، إقامة العدل الشامل؛ سواء في الواقع الاجتماعي أو الاقتصادي أو المالي أو السياسي أو في تدبير العلاقة الإنسانية مع محيطها الكوني.

فمطلب العدل الشامل مرتكز حقيقي وجوهري في صناعة الوعي المستقبلي وتحديد مضمونه، ولاشك أن سيادة معنى العدل الشامل في صناعة الوعي المستقبلي هي أنجع أداة في بناء نظام العلاقات الدولية على أساس صحيح وصلب وجامع. وهو ما يعني أن الوعي المستقبلي إذ يتجه من خلال استراتيجيات التنفيذ واستيعاب معطيات الواقع، مهما كان حجمها وطبيعتها، نحو إقامة هذا المطلب الحيوي في حياة الإنسان والكون، فإنه لا يترك مسلكا من مسالك الظلم والتسلط والاستكبار والفساد والإفساد الواقعة والمتوقعة إلا عمل، وفق وعي استراتيجي، على تقويضها وإغلاقها.

فحين يتحرك الوعي المستقبلي على وضوح تام من حيث المقاصد المطلوبة التحقيق، فإنه يصبح قوة هائلة في صناعة الفكر والموقف والوعي بالمرحلة وبمضمونها الحركي والسياسي، فضلا عن إدارك حقائق المستقبل على مستوى جيد من التفصيل يؤهل لاتخاذ القرار الناجع والمناسب للامتداد في المستقبل.

2-3. مرتكز الوعي الغائي

إن الوعي المستقبلي في التصور الإسلامي لا يكتفي فقط بدقة المقاصد ووضوحها ودقة الأهداف وواقعيتها، بل يتجاوز ذلك ليجعله منخرطا، من حيث بناء الفهم والتصور وإنجاز العمليات في الواقع، في خدمة غاية في تمام الوضوح.

وهنا يبرز الفرق الجوهري بين المدرسة الإسلامية في بناء الوعي المستقبلي وبين المدرسة الغربية بكل ألوانها.

وإن كان ليس موضوع هذا المقال الوقوف على نتائج الوعي المستقبلي في المدرسة الغربية، فإن إبراز الفرق الجوهري بين المدرستين يكشف عن مدى التمايز والصدقية في الإنجاز، ذلك أن جميع ألوان المدرسة الغربية تربط، بشكل مباشر أو غير مباشر، بين إنجاز نتائج الوعي بالمستقبل وبين ممارسة العنف الشامل. فلا تكاد تجد أمرا متوقعا ومخططا له دون أن تكون وسيلة العنف الشامل هي أداته الكبرى، بل العنف الأداة الأساسية في مواجهة غير المتوقع من الاحتمالات. وهناك فرق شاسع بين من ينظر بعين الرحمة والرفق وبين من ينظر بعين العنف والتسلط.

فمثلا اتجاه نهاية التاريخ مع فوكوياما واتجاه صدام الحضارات مع صمويل هنتنكتون وإن تبنيا قيم الديموقراطية وحقوق الإنسان، فإن سياقات تحليلهما تثبت أن وسيلة العنف في إنجاز السيناريوهات الأصلية لتحقيق المتوقع وتوظيف العنف في مواجهة غير المتوقع منها هو الأداة المحورية في الإنجاز، وهذا يتعارض جوهريا مع حقيقة تكريم الإنسان.

ففي التصور الإسلامي يشكل الوعي المستقبلي سيناريوهاته في جميع الأحوال والصور على قيم الرحمة الشاملة التي أخبر بها الوحي: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ، وجسدها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بما أخبر به القرآن كذلك: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، بل يواجه ويعالج غير المتوقع، الذي يحصل العلم به وبطبيعته من خلال الوعي المستقبلي باكرا، من خلال قيم الرحمة الشاملة، فلا مكان للعنف في بناء الوعي المستقبلي وتحديد وسائل إنجازه في التصور الإسلامي.

ومن هنا نستنبط مكونين للوعي الغائي:

الأول: أن الغاية من خلق الإنسان هي العبودية التي تختبر فيها إرادته في هذه الحياة. قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ، فالمطلوب السعي لتكون هذه العبودية على أحسن صورة لتحصل الاستقامة المطلوبة.

الثاني: أن من مطالب الإحسان في هذه العبودية أن يقام نظام عالمي كوني يضمن شروطها النفسية والمادية والاجتماعية والسياسية والعلائقية وغير ذلك.

ومن هنا كان اقتراح الإسلام على الإنسانية نظام الخلافة. فكان غاية عملية كلية جالبة لحركة المسلمين لأجل إقامته تكريما للإنسانية وتهيئا لشروط العبودية.

فالوعي الغائي المنجمع بهذين المكونين يعطي شحنة هائلة لبناء وعي مستقبلي مستوعب وشامل وقادر على التصدي لكل معيقات التكريم الإنساني ماديا ومعنويا.

فالخلافة لما لم يتم العلم بها من هذا الموقع تم التعامل معها ببرودة تامة في حين، وتم اعتبارها مجرد دولة إسلامية فقط في حين آخر، ودُلس بها وعليها في حين ثالث، ولذلك وسم الوحي نظام الأمويين والعباسيين والعثمانيين وغيرهم من الدول بعد الخلافة على منهاج النبوة بالملك العاض أو الملك الجبري ولم يسمه خلافة. لأن الخلافة قيم عظمى في تنظيم العالم والكون وفق نظام قائم على العدل الشامل والرحمة الواسعة، وهي عين الاستقامة المطلوبة قرآنا والمعيشة نبوة. قال تعالى: يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ، والآيات الصريحة والأحاديث الصحيحة في الباب كثيرة وما يستقرأ من الوحي في الموضوع أكثر.

2-4. مرتكز الوعي التاريخي

من هنا، ولما كان الوعي الغائي جامعا بين معنى العبودية لله تعالى لدى الفرد وبين قيام نظام عالمي كوني ينشر العدل الشامل والرحمة الواسعة، كان ضروريا أن يرتكز الوعي المستقبلي على ركيزة الوعي التاريخي.

فحين يُسجن العقل بين ركام المعطيات التاريخية يصبح آلة للتأريخ ولا يستطيع تجاوز ذلك لقراءة التاريخ والوعي بحقائقه.

ومن ثم، فالوعي التاريخي ليس تحصيل كم هائل من المعلومات التاريخية إذ تستحيل الإحاطة بجميعها، بقدر ما هو قدرة هائلة على قراءة صيرورة التاريخ البشري والكوني واستنباط قواعده الكلية والحاكمة والناظمة والعلم بمدى أثرها في هذا الواقع في كل مراحله. ولذلك، فالوعي التاريخي ثمرة توفر الآلة العلمية لاستنباط السنن التاريخية وإدراك فعلها في الواقع مهما امتد زمنه ماضيا ومستقبلا.

ففي التصور الإسلامي بما أن هناك كتاب الوحي وكتاب العالم، فإن الوعي التاريخي برصد سنن وقوانين التاريخ المادي عملية ناقصة ونظر أعور إن لم يتوفق في استكناه قوانين سطرها الوحي وسنن علمها، لأن العقل لا يستطيع وحده أن يصل إليها لأنها في الغيب.

فالوعي التاريخي في التصور الإسلامي ينجز عمليتين متكاملتين:

الأولى: يقف مع السنن والقوانين التاريخية المسطرة في الوحي لعلم الله تعالى بها ولعلمه سبحانه أن العقل البشري لن يصل إليها وحده مهما بلغ من النباهة والذكاء، ليبقى المطلوب منه إدراكها واستنباطها وصياغتها لبناء نظام تفكير مستقيم ومتكامل. وبهذا يكون الغيب مصدرا كليا في بناء الوعي المستقبلي.

الثانية: يستنبط سنن التاريخ المادية الواقعية في حياة البشر في صيرورته الدنيا ويطابقها علميا، أي على مستوى الفهم والتصور، وعمليا مع سنن الوحي، وبذلك يحصل له مستوى الكمال المطلوب في بناء وعي مستقبلي متكامل وفاعل وباني في جميع مراحل إنجاز المشروع.

2-5. مرتكز الوعي الاستراتيجي

إن تحصيل المرتكزات الأربعة أعلاه قد لا يجدي نفعا ما لم يتحول هذا التحصيل إلى نظام تفكير كلي وشامل يرسم الاستراتيجيات وينجز المشاريع ويضع البرامج المناسبة للزمان والمكان المناسبين.

أي أن تحصيل تلك المرتكزات يتحول إلى قوة اقتراحية عملية متوفرة ذاتيا على جميع الوسائل الكلية للتنفيذ من خلال الوعي الاستراتيجي الذي يوفر النظر المستقيم للجزئية الواقعية والمرحلة المعيشة من خلال علاقتها بالغاية الرائدة والمقاصد الموجهة والأهداف المرسومة.

وبهذا تصبح حركة كبيرة في الواقع المعيش مقتحمة إياه في اتجاه مستقبل معلوم لأنها تتوفر على إمكانية كبيرة في رسم السيناريوهات ومعالجة الطارئ منها، بل حين يتم اقتحام مجالات التفاصيل والتفصيل تصبح المتوقعات فيها منظورة وتعالج العلاج القبلي على مدى بعيد، خاصة إذا علمنا أن الوعي المستقبلي في التصور الإسلامي يتأسس على معنى الحكمة والبصيرة والنور والوضوح وإتيان الأسباب والعلم الدقيق بالسنن والقوانين الكلية في جميع المجالات والقطاعات.

فمرتكز الوعي الاستراتيجي يوفر الكفاءة للانغراس في الواقع مع النظر البعيد لمقاصد وغاية الحركة بحيث يعالج تفاصيل الواقع بما يخدم ويحقق المصالح العليا المنظورة والمحققة في المدى البعيد.

وعلى هذا الوعي تبنى صياغة المشاريع والبرامج المرحلية وتعالج الأزمات بأسلوب استباقي يقيني.

إن مرتكز الوعي الاستراتيجي نوع فهم مؤطر لتفاصيل العمل اليومي بما يجنبه الذهاب مع المعطى الواقعي حتى لا تصبح الحركة مجرد أفعال تملأ فراغا أو عمليات لا معنى لها أو ديكورا في بنايات الفساد والإفساد القائمة محليا وإقليميا ودوليا، ذلك أن الوعي المستقبلي في التصور الإسلامي مبني على قيم عظيمة تجاه الإنسان والكون والإنسانية.

فالحركة الإسلامية إذا أرادت أن تحول يقينياتها وقطعياتها الجامعة المؤسسة للفهم والتصور تجاه الإنسان والكون والحياة والمصير إلى إنجازات على الأرض عليها أن تجعل منها برامج عملية وخطط إجرائية واقعية حيث يحصل التطابق العملي مع الحقيقة من خلال وعي استراتيجي يحافظ على التوازن بين مستوى الوعي بالمستقبل وحقائقه وبين البناء الميداني في الزمان والمكان المعيشين.

ولاشك أن هذه عملية فكرية كبيرة وهائلة دونها حصول الانحراف ذات اليمين أو ذات الشمال، أي هروب إلى الخيارات السهلة إما سبح على فكر مسطح وساذج في أحسن صوره لعب على مقاربات مقاصدية في فضاء التجريد والإطلاقية، وفي هذه الحالة لا يستطيع هذا الفكر أن يقاوم مكر الخصوم والأعداء فضلا عن أن يبني المستقبل ويعيه جيدا، وإما تطرف وتشدد أعمى لا يبقي ولا يذر حيث يظهر للوهلة الأولى مقاومة وفي الثانية خراب مطلق وغموض مهول ما بعده إلا المجهول.

خاتمة

وهكذا يكون العود على البدء، حيث نرجع بهذا التحليل إلى مقدمة المقال هذا، وهي أن الوعي المستقبلي يستمد كماليته ومصداقيته في التصور الإسلامي من الوعي الحقيقي بكلمة التوحيد والشهادة، أي أنه ثمرة تحصيل الوعي الأسمى الذي يحكم على جميع مستويات الوعي والعلم.

ما ينبغي الإشارة إليه هنا أن امتلاك الوعي الأسمى ليس حركة فكرية مجردة، لكنه ثمرة عملية قلبية دائرة على التحقق القلبي من حقائق التوحيد والعبودية والربوبية والألوهية والبعثة المحمدية. وهكذا نجد أنفسنا مرة أخرى أمام ضرورة توفرنا على “علم المنهاج النبوي” لنكسب به فقهه الذي منه هذا الوعي المستقبلي. وبما أن الأصل في تحصيل الوعي عملية تربوية قلبية، فإنها تربية مستقبلية تتجاوز المنطق الطرقي الجامد وحركة العلم والفكر السائب إلى صناعة القوة الكاملة الممتدة في تفاصيل الحياة البشرية لتحافظ على فطرتها واستقامتها. وتلك معركة طويلة الأمد لا تقف عند واقع الحرب الباردة من عدمه أو عند هيمنة قطب واحد من عدمه، لكنها حركة كلية جامعة ممتد في عمق المستقبل البشري لأجل صناعة قواعد العدل الشامل والرحمة الواسعة بما يستلزم ذلك من علم وقوة.

إن الحركة الإسلامية المعاصرة قد تضيع الوقت على أمتها بتضييع جهد رجالها وكفاءاتهم حين تسجن نفسها في قبضة العقلية البرنامجية وهوامش الصراع السياسي والمجتمعي، كما تضيع من ذلك الكثير حين تركب سطح الفكر ولا تنفذ إلى العمق ببصيرة ثاقبة وفكر نفاث لتحدث التحول المطلوب في حركة التاريخ البشري وفق وعي استراتيجي وعلم مستقبلي مغط لكل حركة الإنسان والكون والتاريخ جامع لمعنى الرحمة الواسعة والشاملة والحكمة الكاملة والبالغة، وبهذا يكون المعنى للتدافع السياسي والمجتمعي ويكون معنى للفكر والتفكير.

والله غالب على أمره ولا حول ولا قوة إلا به سبحانه.


[1] أخرجه أبو داوود والحاكم والطبراني والبيهقي، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم 599.\