علاقة الإنسان بالقيامة تختلف باختلاف مراحل الحياة، فهو في الحياة الدنيا محجوب عن كل ما سيحدث يوم القيامة، فإذا مات أبصر أشياء وحُجبت عنه أشياء، فإذا بُعث رأى كل شيء عين اليقين، أي كواقع وحقيقة، والله سبحانه وتعالى أخفى عنا موعد الأجل، وفي ذلك حكمة ورحمة، أما الحكمة فإننا نتوقعه في كل لحظة وننتظر أنه سيحدث في كل ثانية، فنحن لا نعرف متى نموت، ولكن كلٌّ منا يمكن أن يأتي أجله في أي لحظة، وهذا يضع في نفس الإنسان المؤمن الخير، فما دام لا يعرف متى سيلقى الله تعالى؛ فإنه يسارع في الخير، ويغتنم الفرصة ليفعل كل ما يستطيع من الخير، والمسارعة في الخير تعود على الناس كلهم، فكلما فعل الإنسان خيرا انتفع به المجتمع كله، وهكذا يريد الله سبحانه وتعالى منا أن نسارع في الخيرات، هذه واحدة.

أما الثانية: فهي أن نبتعد عن المعاصي لأننا لا نعرف ما إذا كان الأجل سيمتد بنا حتى نتوب أم لا، فنبتعد عن المعاصي خوفا من أن يداهمنا الأجل فنلقى الله ونحن على معصية.

إذن .. إخفاء موعد الموت عنا، هو إعلام به أولا لأننا نتوقعه في أي لحظة وهو دافع لنا إلى عمل الخيرات والبعد عن المعاصي.

أما الرحمة فهي أننا لو عرفنا موعد أجلنا لظللنا طوال عمرنا في هم، ذلك أنه عندما تتوقع بلاء سيحدث لك، فإنك تعيش في هم عميق وأنت تنتظره وفي كل يوم ستقول لم يبق لي على الأرض إلا كذا، لم يبق لي لأترك أولادي إلا كذا، سأترك أولادي صغارا لا يستطيعون مواجهة الحياة، وهكذا تبقى في هم وغم طوال حياتك، ولذلك رحمة من الله أخفى عنا موعد الموت لنستطيع أن نقبل على الحياة بأمل أننا سنعيش، بل إن الإنسان يحلم بأنه سيفعل كذا وكذا في العام القادم أو الذي يليه، وربما يكون أجله بعد أسبوع أو أسبوعين، أو ربما لحظات قليلة، ولكن هذا الأمل في الحياة يجعله يبني ويعمل وينفق فيفيد المجتمع كله، فأي بناء في الأرض مهما يكن هدفه يفيد المجتمع لأنه يفتح أبواب الرزق للناس كل الناس، فأنا حين أبني عمارة استفاد من مالي من حفر، ومن وضع الحديد، ومن قام بأعمال البناء، والنجارة، والبياض إلى آخره، كل هؤلاء استفادوا، فكأنني أعطيت حركة حياة للمجتمع بصرف النظر عما أخذت.

طالع أيضا  سألت الدار عن الأحباب أين رحلوا؟

إذن .. فلفائدتي ولفائدة المجتمع أخفى الله موعد الموت، ولكننا نعرف يقينا أننا سنلاقيه وذلك قوله سبحانه وتعالى: قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم 1 .

ويقول بعض العارفين: أن سهم الحياة وسهم الموت ينطلقان معا، وأن ملك الموت في حالة بحث عن ذلك المكلف بقبض روحه فلا يجده ولا يعثر عليه إلا ساعة يشاء الله تعالى لهذا الأجل أن ينتهي، ففي هذه الساعة يلتقي ملك الموت مع ذلك الذي انتهى أجله، ولكن قبلها لا يلتقيان أبدا.

وقوله تعالى: “تفرون منه” لأن الإنسان إذا رأى شبهة الموت في أي عمل، كأن يكون في هذا العمل خطورة قد تؤدي به إلى الموت فإنه يهرب منه، ولكن هذا الهروب لا ينجيه إذا جاء أجله.

ومع أن موعد الساعة لا يرتبط بحياة الإنسان الدنيوية لأن الذي ينتقل من الحياة الدنيا إلى حياة البرزخ التي هي بين الموت والقيامة، يرى أشياء كثيرة كانت غيبا عنه في الدنيا، ويوقن مؤمنا كان أو كافرا بالساعة، فإن السؤال الدائم على لسان البشرية كلها هو: متى تقوم الساعة؟ ربما إحساسا منا بهول هذا اليوم، وربما لأنه نهاية حياة وبداية حياة أخرى مختلفة تماما، ولذلك فقد سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن موعد الساعة، فأنزل الحق سبحانه وتعالى: يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة.

المسؤول هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين سألوه هم اليهود، فهم الذين كانوا يريدون أن يتحدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما في كتبهم وعلمهم، فسألوه عن الساعة وعن الروح، وعن ذي القرنين، وجاءت الإجابة من الله سبحانه وتعالى مطابقة لما عندهم في التوراة وزيادة عليها، فعندما سألوه مثلا عن أهل الكهف، قال الله سبحانه وتعالى مصححا لهم الزمن الموجود في التوراة فقال لهم: ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا.

وعندما بحثوا من أين جاءت التسع، علموا أن الفرق هو بين التاريخ القمري والتاريخ الشمسي، فالله سبحانه وتعالى يؤرخ لكونه بأدق الحسابات، ولذلك فإن التوقيت العربي هو أدق الحسابات، فكل عالم البحار يؤرخ له بالهلال، وحسابات التاريخ الدقيقة تؤرخ بالهلال، ونحن نحسب الشهر بالهلال، لأن الشمس لا تدلنا على حساب الشهور، وإنما الشمس دلالة يومية على الليل والنهار، أما القمر فنعرف منه أول الشهر ووسطه وآخره، والثلاثمائة سنة الشمسية تزيد عن القمرية بتسع سنوات.من كتاب (الدار الآخرة) للشيخ محمد متولي الشعراوي، ج1، ص: 78.

طالع أيضا  أكيس الناس

[1] وقال الحق سبحانه وتعالى: “وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا” (آل عمران: 145).

وقال الحق سبحانه وتعالى: “أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة” (النساء: 78).

وقال الحق سبحانه وتعالى: “ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون” (الأعراف: 34).

وقال الحق سبحانه وتعالى: “نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين” (الواقعة: 60).

وأخرج مسلم [2663/32] عن عبد الله بم مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قالت أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها: “اللهم أمتعني بزوجي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية. قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “لقد سألت الله لآجال مضروبة، وأيام معدودة، وأرزاق مقسومة. لن يُعجِّل شيئا قبل حِلِّه، أو يؤخر شيئا عن حله، ولو كنت سألت الله أن يعيذك من عذاب النار، أو عذاب القبر كان خيرا وأفضل”.\