“عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: كنت جالسا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء رجل من الأنصار فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: أي المؤمنين أفضل؟ قال صلى الله عليه وسلم: “أحسنهم خُلقا” قال: فأي المؤمنين أكيس؟ قال: “أكثرهم للموت ذكرا، وأحسنهم لما بعده استعدادا … أولئك الأكياس”.” 1

قال القرطبي: قال علماؤنا رحمة الله عليهم قوله عليه السلام: “أكثروا ذكر هاذم اللذات الموت” كلام مختصر وجيز قد جمع التذكرة وأبلغ في الموعظة، فإن من ذكر الموت حقيقة ذكره نغص عليه لذاته الحاضرة، ومنعه من تمنيها في المستقبل وزهده فيما كان منها يؤمل، ولكن النفوس الراكدة، والقلوب الغافلة تحتاج إلى تطويل الوعاظ، وتزويق الألفاظ، وإلا ففي قوله عليه الصلاة والسلام: أكثروا ذكر هاذم اللذات مع قوله تعالى: كل نفس ذائقة الموتما يكفي السامع ويشغل الناظر فيه. وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كثيرا ما يتمثل بهذه الأبيات:لا شيء مما ترى تبقى بشاشتهُ ***يبقى الإلهُ ويودي المالُ والولـد
لم تُغن عن هِرمزٍ يوما خزائنُه ***والخلدَ قد حاولت عادٌ فما خلدوا
ولا سليمان إذ تجري الرياحُ له ***والإنسُ والجن فيما بينـها ترد
أين الملوكُ التي كانت لعـزتها ***من كل أوبٍ إليها وافــدٌ يفد؟
حوضٌ هنالك مورود بـلا كذب ***لابد من ورده يوما كما وردوا
وقال الدقاق: من أكثر من ذكر الموت أُكرم بثلاثة أشياء: تعجيل التوبة، وقناعة القلب، ونشاط العبادة. ومن نسي الموت عوقب بثلاثة أشياء: تسويف التوبة، وترك الرضى بالكفاف، والتكاسل في العبادة، فتفكر يا مغرور في الموت وسكرته وصعوبة كأسه ومرارته، فيا للموت من وعد ما أصدقه، ومن حاكم ما أعدله، كفى بالموت مقرحا للقلوب، ومبكيا للعيون، ومفرقا للجماعات، وهاذما للذات، وقاطعا للأمنيات، فهل تفكرت يا ابن آدم في يوم مصرعك وانتقالك من موضعك وإذا نقلت من سعة إلى ضيق، وخانك الصاحب والرفيق، وهجرك الأخ والصديق وأخذت من فراشك وغطائك إلى غرر، وغطوك من بعد لين لحافك بتراب ومَدَر فيا جامع المال، والمجتهد في البنيان ليس لك والله من مال إلا الأكفان، بل هي والله للخراب والذهاب وجسمك للتراب والمآب. فأين الذي جمعته من المال؟ فهل أنقذك من الأهوال؟ كلا .. بل تركته إلى من لا يحمَدُك، وقدِمْتَ بأوزارك على من لا يعذُرُك. ولقد أحسن من قال في تفسير قوله تعالى: وابتغ فيما أتاك الله الدار الآخرة أي اطلب فيما أعطاك الله من الدنيا الدار الآخرة وهي الجنة؛ فإن حق المؤمن أن يصرف الدنيا بما ينفعه في الآخرة لا في الطين والماء والتجبر والبغي، فكأنهم قالوا: لا تنس أنك تترك جميع مالك إلا نصيبك الذي هو الكفن، ونحو هذا قول الشاعر:نصيبُك مما تجمع الدهـــر كــله ***رداءان تُلوى فيهـما أو حنـوطوقال آخر:هي القنــاعة لا تبــغي بهـا بدلا ***فيها النعيم وفيـها راحة البدن
انظـر لمن مــلك الدنيا بأجمعـها ***هل راح منها بغير القُطن والكفن؟


[1] رواه ابن ماجة [4259]، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجة [3435]، وانظر الصحيحة [1384].\