محددات المفهوم

تحصل لنا مما سبق في الحلقة الأولى من هذه الدراسة أن العاملين للإسلام كثر، وأن الحركة الإسلامية مكون فقط من مكونات الصحوة. ولهذا يقع العديد من الباحثين في خطإ منهجي كبير حين يخلطون بين مختلف تجليات الصحوة فيعدوا جماعات طرقية أو جمعيات لحفظ القرآن أو للوعظ والإرشاد في عداد الحركات الإسلامية. وهذا خطأ منهجي فادح يقلب نتائج البحث رأسا على عقب، ويعطي لشيء حجما أكبر منه، ويرجع كمثال لهذا الخلط إلى مجلة “الوسط” حين دراستها للحركات الإسلامية في المغرب، حيث جعلت عددها 29 حركة 1 بينما هي في الحقيقة لا تتجاوز ثلاث حركات بالمعنى الحقيقي للحركة الإسلامية. وهذا ما تنبه له الدكتور محمد ضريف: “غياب الضوابط المنهجية في التعامل مع ظاهرة الإسلام السياسي في المغرب أنتج عدة مغالطات: -الخلط بين ظاهرة الإسلام السياسي وظاهرة الإسلام بشكل عام، وهذا الخلط يتجلى واضحا فيما يذهب إليه بعض الباحثين الأكاديميين من كون المغرب توجد فيه أكثر من سبعين جمعية إسلامية (..) ولابد من التأكيد أن جماعات الإسلام السياسي في المغرب لا تتعدى في أحسن الأحوال عشر جماعات”. 2 وهذا كذلك تحديد عددي مبالغ فيه، نلتمس العذر لصاحبه أن أصدر كتابه في 1992، وقد حدث تغيير كبير في خريطة الحركات الإسلامية بعد هذا التاريخ حيث اندمجت مجموعة من الحركات وتوحدت.

نترك هذا لنعود إلى موضوعنا متسائلين عن ماهية الحركة الإسلامية؛ يقول الشيخ القرضاوي: “أريد بالحركة الإسلامية: ذلك العمل الشعبي الجماعي المنظم للعودة بالإسلام إلى قيادة المجتمع، وتوجيه الحياة كل الحياة” 3 ، وفي تعريف للجورشي “إنها ليست مجرد حركة دينية كالطرق الصوفية مثلا أو التيارات الثقافية والاجتماعية التي تتشكل عادة في جمعيات ونوادي لأداء وظائف محددة، وهي أيضا ليست حزبا سياسيا عاديا (..) لكن كل هذه الأبعاد نجدها بنسب مختلفة تتقاطع داخل الحركة الإسلامية 4 . نستنتج من هذين التعريفين أن المفهوم لا يمكن أن يطلق على تجمع دعوي إلا إذا توفرت فيه شروط نوجزها في:أ- الصفة العملية: على عكس المنتديات الفكرية والممارسات الخطابية والوعظية والشعارات التهييجية، تشكل الحركة الإسلامية التجسيد العملي لحركة الإسلام في الواقع، لأنها لا تقتصر على الخطب والمحاضرات، ولكنها تتجاوزها إلى العمل ـ ومنه اشتقاق لفظ حركة ـ على تطبيق ما تؤمن به وتدعو إليه.ب- الصفة الشعبية: وهذا ينافي ما تقوم به الحكومات من إنشاء للرابطات والمجامع الدينية التي تشرف عليها غالبا وزارات الأوقاف، فرغم الدور الديني الذي تقوم به، لكنها لا ترقى إلى لقب “حركة إسلامية”.ج- خاصية التنظيم: فالتنظيم إذن شرط لابد منه، وهو لا يتوفر في عمل المفكرين والوعاظ والخطباء، ومنهم من يلتف حوله آلاف الشباب، لكن هذا الالتفاف لا يرقى إلى مستوى حركة إسلامية.د- العرض الشمولي للإسلام: الاقتصار على جانب من جوانب الإسلام يتنافى مع تعريف الحركة الإسلامية “نحن نقصد بالحركات الإسلامية مجموعة التنظيمات المتعددة المنتسبة إلى الإسلام والتي تعمل في ميدان العمل الإسلامي في إطار نظرة شمولية للحياة البشرية (..) وتحاول التأثير في كل نواحي حياة المجتمع من أجل إصلاحها وإعادة تشكيلها وفق المبادئ الإسلامية” 5 وهذا ما يزيده تأكيدا فتحي يكن: “هناك هيئات ذات اتجاه روحي محض، تعنى بالتربية الروحية وقد أسقطت من حسابها بالكلية الجوانب الأخرى (..) وهناك هيئات ذات اتجاه ثقافي نشأت في الأصل كردة فعل عاطفية (..) وهناك جمعيات ذات اتجاه خيري نشأت تحت ضغط الحاجة إلى إعانة البائسين وتأمين العلاج للمرضى والمحرومين (..) هذه الجمعيات وإن كانت تقوم بجهود مشكورة في نطاق ما ندبت نفسها له –وهو واجب إسلامي- إلا أنها تبقى محدودة في إطار ما قامت من أجله (..) وهناك أحزاب إسلامية ذات اتجاه سياسي صرف تتبنى لونا من العمل لا تتخطاه أو تتعداه (..) إن هذه الهيئات والواجهات والأحزاب الإسلامية وتلك لا تمارس العمل الإسلامي الأصيل والمتكامل”. 6 هـ- السعي إلى امتلاك السلطة لتطبيق الإسلام: وهذا جانب مهم في التعريف “لا نستطيع أن نطلق كلمة الحركة الإسلامية إلا على الحركات التي تضع الدعوة والدولة في برنامجها، إن أية حركة لا تسعى من أجل الحكم أو لا تسعى من أجل شمولية الإسلام لكل الواقع الذي يعيشه الإنسان ليست حركة إسلامية في المصطلح وإن كانت نشاطا إسلاميا في الواقع” 7 . ونختم بتعريف شامل –بعض الشيء- لمحمد فتحي عثمان: “يقصد بالحركة الإسلامية المعاصرة (..) الحركة أو الحركات التي ظهرت بعد الربع الأول من القرن العشرين الميلادي / أواخر النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري. فمنذ ذلك التاريخ برزت حركات إسلامية معاصرة لها الطابع التنظيمي الحديث وإن لم يضعف الأثر الشخصي للزعامة الجماهيرية Charisma، وقد عملت هذه الحركات على تحريك الجماهير Masses وإن لم تتخل عن التركيز على التربية الروحية والفكرية للأفراد. وعلى قدر ما استطاعت أن توازن بين نزعتها الجماهيرية وخططها التربوية على قدر ما أمكن أن تتوخى نزعة صفوية Elitist تظهر أحيانا (..) كذلك تميزت (..) بتقديم الإسلام كنظام شامل للحياة كلها”. 8 هذه، إذن، باختصار المحددات اللازم توفرها في كل تجمع دعوي لتصنيفه ضمن الحركات الإسلامية، حاولنا التفصيل فيها تأسيسا لبحث علمي يدقق في المصطلحات والمفاهيم قبل الخوض في الأفكار والعناوين.

طالع أيضا  الحركة الإسلامية: قراءة في المفهوم والوظيفة والسياق(1)

في حلقة قادمة نتناول السياق التاريخي لنشأة الحركة الإسلامية.


[1] مجلة الوسط، عدد 45، 7/12/1992، ص10.\
[2] محمد ضريف: الإسلام السياسي بالمغرب، ط1، 1992، مطبعة النجاح – البيضاء، ص5.\
[3] يوسف القرضاوي: “أولويات الحركة الإسلامية في المرحلة القادمة”، ط13، 1992، مؤسسة الرسالة، بيروت، ص13.\
[4] “الحركة الإسلامية رؤية مستقبلية”، م. س. ص136.\
[5] عبد الله أبو عزة، مقال “نحو حركة إسلامية علنية وسلمية” منشور بـ”الحركة الإسلامية رؤية مستقبلية”، م. س، ص179.\
[6] فتحي يكن: “ماذا يعني انتمائي للإسلام”، ط17، 1991، مؤسسة الرسالة – بيروت، ص 132-133.\
[7] حسين فضل الله: “خطاب الإسلاميين…”، م. س. ص21.\
[8] محمد فتحي عثمان، “التجربة السياسية للحركة الإسلامية المعاصرة”، منشورات مركز دراسات المستقبل الإسلامي، دار المستقبل، ط1، 1991، ص21.\