جرت العادة وفق ما تقتضيه ممارسة الشأن العام في الأنظمة الديمقراطية أن تقدم الحكومة حصيلة أدائها للشعب من خلال ممثليه في البرلمان أو الهيئات النقابية أو عبر وسائل الإعلام حسب دورية معينة، حتى يواكب الشعب منجزات الحكومة ويقف على مدى التزامها بما قدمته من برامج على أساسها تم التصويت عليها؛ وفي التجربة المغربية تنقطع صلة الحكومة بالشعب بمجرد فرز أصوات الانتخابات إلا في حالات استثنائية يضطر معها أعضاء الحكومة للتبشير بفتح أوراش جديدة في العديد من القطاعات فيما يشبه وعود الحملة الانتخابية.

في هذا المقال نحاول رصد أهم معالم الدخول السياسي والتعليمي:خطفت الانتخابات الجزئية التي أعيدت في مجموعة من الدوائر توزعت ما بين حواضر كبرى كمراكش ومتوسطة كالمحمدية وآسفي وصغيرة كزاكورة. انتخابات اكتست أهمية بحكم أنها تجرى قبل أقل من سنة من الانتخابات الجماعية؛ ورغم انتفاء المعيقات التي بررت بها المشاركة الهزيلة في استحقاقـات 7 شتنبر2007 إلا أن الشعب من خلال الدوائر المعنية قال مرة أخرى: كفى من الاستخفاف بمطالبه، ولا لاستمرار العبث.

“لقد أبانت الانتخابات الجزئية الأخيرة محدودية الرهان على صناعة “فاعل سياسي” لإحداث حراك انتخابي، لم يظهر ذلك فقط من خلال نسبة المشاركة المتدنّية، التي لم تتجاوز على سبيل المثال 15.29% بمدينة مراكش و17.22% بمدينة المحمدية، ولكن ظهر أيضا من خلال النتيجة التي حصل عليها “حزب الأصالة والمعاصرة”. إن الدولة المغربية تجد نفسها اليوم في مأزق غير مسبوق فيما يتعلق بالانتخابات، فالعجز عن تعبئة الناخبين للمشاركة في انتخابات “العهد الجديد” لا يضر فقط بالأحزاب السياسية، وإنما يمس أيضا بشكل أبلغ وأكبر، بـ”المؤسسة الملكية”، لأن هذه الأخيرة تحرص على الظهور بالمظهر الديمقراطي، ومن أهمّ مقومات الديمقراطية المشاركة الانتخابية..” (من مقال الأستاذ محمد منار“العهد الجديد”…انتخابات بلا ناخبين !!!)نصيبُك مما تجمع الدهـــر كــله

رداءان تُلوى فيهـما أو حنـوط

الدخول التعليمي

بعد ضجة الرتبة المتدنية للمغرب في التعليم وسباق محموم ضد الزمن قاده المجلس الأعلى للتعليم لاحتواء الأزمة، فسارع لإنجاز تقرير شخص الأزمة وحددها في ثلاث ظواهر:

1. الهدر المدرسي الكبير: 400.000 تلميذ وتلميذة سنويا.

2. غياب رجال ونساء التعليم بشكل يخل بالسير العادي للدراسة خاصة في الوسط القروي.

3. هشاشة التجهيزات وضعف البنيات التحتية للمؤسسات.

وعليه، خصصت ميزانية إضافية بالملايير لتأهيل المؤسسات، واتخذت جميع التدابير ليكون الدخول المدرسي لموسم: 2008-2009 ناجحا بل ونموذجيا، لا سيما بعد قرار توزيع مليون محفظة على أبناء الأسر المعوزة؛ غير أن الوزارة من خلال مؤسساتها الجهوية والإقليمية أخطأت ـ كالعادة ـ الموعد وذلك من خلال:

– تأخير انطلاق عمليات الترميم والإصلاح إلا بعد الأسبوع الأول من شتنبر، أي أن الدراسة يستحيل انطلاقها فعليا قبل أسبوعين من شهر أكتوبر.

– استمرار تسجيل الخصاص في الحجرات على مستوى التعليم الثانوي التأهيلي الأمر الذي كرس الاكتظاظ وقننه منشور وزير التربية والتكوين وحدده فيما بين 40 و45 تلميذا في القسم.

– عجز الوزارة على تطبيق مذكرات إعادة الانتشار وتصريف الفائض في الحواضر مقابل خصاص مهول في القرى والبوادي. خصاص يعالج بإسناد تدريس بعض المواد لغير المختصين باسم المواد المتجانسة أحيانا، وحذف بعض المواد لغياب الأطر أحيانا أخرى: مادة الفلسفة مثلا، ثم لا يخجل المسؤولون من الحديث عن جودة التعليم.

– ارتجال في توزيع المحافظ على أبناء الأسر المعوزة واستخفاف بفقراء الشعب، حيث سجل غياب التنسيق بين وزارة الداخلية باعتبارها الوصية على تطبيق المبادرة وبين وزارة التعليم باعتبارها المعني المباشر، ومن الأمثلة الفاضحة لانعدام التنسيق أن السلطات الترابية عينت تجمعات سكنية مهمشة مستفيدة من العملية، في حين حددت المصالح التعليمية مؤسسات معينة مستفيدة لا يدرس بها أبناء التجمعات المحددة من طرف السلطات الترابية.

أما عمليات التوزيع فلم تسلم من الزبونية، إذ سارع مسؤولون مستعملين نفوذهم المهني لانتقاء ألوان المحافظ حسب ذوق أبنائهم، وما فضل وزع على أبناء المفقرين ليفاجؤوا أن المحافظ التي قيل أنها قيمت ب: 250 دهـ لتلاميذ التعليم الإبتدائي، و300 دهـ للتعليم الإعدادي ليست سوى محفظة ودفترين أو ثلاثة من فئة: 50 ورقة، وأحيانا محفظة وقلم رصاص وغلاف بلاستيكي، وفي أحسن الأحوال تحتوي المحفظة على كتاب أو كتابين.

نازلة تحيل إلى الأذهان تصرفات مسؤولي السلطات الترابية مع المساعدات الموجهة إلى ضحايا زلزال الحسيمة، حيث تم استبدال الأغطية الجيدة بأخرى ذات جودة عادية قبل أن تصل إلى أصحابها، في وقت سارع مسؤولون للمناداة على ذويهم من مختلف مناطق المغرب ليلتحقوا بالحسيمة قصد تسجيلهم في قوائم المتضررين عسى أن يستفيدوا من مساكن وعد بها المتضررون يومها.

مما سبق يظهر أن أزمتنا وفي جميع المجالات هي أزمة إنسان انسلخ من كل القيم والمبادئ وأزمة مصداقية، وهما قطب رحى ونقطة ارتكاز أي إقلاع تنموي حقيقي.