لا يعدو حصار غزة على مرأى ومسمع العالم بمنظماته وضميره و”حماة الحقوق” فيه، وسكوت مطبق مخيف للأنظمة العربية المتخاذلة، التي يتوشح قادتها بأسماء وألقاب لا يملكون غيرها، كل ذلك لا يعدو أن يكون إلا حلقة واحدة ضمن سلسلة ممتدة طويلة، ممتدة في الزمان والمكان، وعلى مر السنين. أخذ هذا الحصار أشكالا وألوانا تختلف في مظهرها وشكلها غير أن الجوهر واحد متحد. لا المرضى نالوا الشفقة أو الرحمة التي هي مشترك إنساني، ولا تحركت الضمائر الحية من أجل الأطفال والعجائز، ولم يسمح لطلاب العلم بالتوجه إلى مدارسهم وجامعاتهم وصار الغزي مدانا قبل المحاكمة والتحقيق. وهكذا صار الحصار حصارات. غطرسة صهيونية بضوء أخضر أمريكي، و الأدهى والأمر: سكوت عربي رسمي.وظلم ذوي القربى أشد مضــاضة ***على المرء من وقع الحسام المهند

إنه حصار الإرادة والتحدي

فالكل يعلم قوة وإصرار أهل غزة وصمودهم في وجه المدلهمات، حتى صارت غزة رمز العزة والإباء فهي التي تجاهد وتناضل ولا تملك السماء ولا الحدود ولا البر ولا البحر ولا الماء ولا الكهرباء ولا الوقود… بل إن أهل غزة صيروا دماءهم نورا ووقودا حينما خذلتهم الأنظمة العربية التي حولت خيرات الأمة إلى حساباتها الخاصة في بنوك سويسرا وأمريكا. ومن الأنظمة العربية من انبرت لتضخ أموالا في سوق المال العالمي كي تساعد الولايات المتحدة للخروج من الأزمة الخانقة التي تمر منها. في هذا الزمن الذي عزت فيه الممانعة، وجرى على ألسن الأفراد والجماعات عبارات الهوان والاستسلام، وسلم الجميع في ركب الذل، وصار من باب المعلوم بالضرورة لدى القاصي والداني ممن أنتجهم طاحون الاستبداد والاستكبار، ليس بالإمكان أفضل مما هو كائن، بل يلوح بعضهم بورقة غزة الجائعة العارية في وجه من ينادون بالتحرر والانعتاق من غِل الغول الأمريكي المتصهين. وأصبحوا يرددون مع القائل:دع المكارم لا ترحل لبغيتها ***واقعد فأنت الطاعم الكاسيحسبوا أن توفير الأكل والمشرب والملبس هو عين المروءة والشجاعة والتفكير السليم والتخطيط القويم ونسوا أن الحمير والبغال والخنازير قد تشاركهم في ذلك، ونسوا أن الإنسان حرية وعدل وكرامة وشرف ومروءة.، قبل كل ذلك وبعده، نسوا وتغافلوا تكريم ربهم للإنسان بما هو إنسان مهما كان لونه أو عرقه أو انتماءه. إن لم يكن من باب مناكفة الأعداء في دواليب السياسة، فليكن من الجانب الاقتصادي أو الجانب الاجتماعي.

هنيئا لكم يا أهل غزة، والذل والهوان لمن استسلم وخنع لأنظمة الجبن والعار.

إنه حصار الديمقراطية الحقيقية

ولعل الخصم والعدو شهدا قبل الأصدقاء، بنزاهة انتخابات أوائل سنة 2006 بفلسطين، المراقبون أكدوا خلوها من أي تجاوز، والفصائل المتنافسة سلمت بالنتيجة، والجميع راض بالظروف التي مرت بها. ولكن نتائجها لم ترُق لقوى الاستكبار العالمي والإقليمي على السواء، لأن الفائز فيها على قدر كبير من الصفاء والنقاء، وهم تعودوا الصيد في الماء العكر. وصار من تقليعات الديمقراطية: حمل الحكام والحكومات على الدبابات بدل صناديق الانتخابات. بملء الإرادة عبر الفلسطينيون عن آرائهم، واختاروا من يرونه أهلا لأن يعبر عن خياراتهم وتطلعاتهم، لكنها لم تكن على مقاس الأسياد، والصناديق هذه المرة خيبت الظنون، فلا بد إذن من محاصرة قبل أن ينفلت الأمر من زمام السيطرة. ولأنهم لا يراعون في مؤمن إلا ولا ذمة قرروا وأد الوليد الجديد، وتجويع كل من رباه ورعاه وقدم له العون والسند. أما الديمقراطية هذه المرة فلتذهب أدراج الرياح.

إنه حصار نموذج

كم هو غريب أن يكون الوزير من أبناء المخيمات، وكم هو غريب أن يكون طعام البرلمان والحكومة ومجلس الوزراء مجرد بُلغة كفاف “سندويش”! فهم يعلنون أنهم أول من ينبغي أن يجوع ويتضامن مع الجياع من أبناء الشعب، في زمن تكلف فيه بعض البرلمانات ميزانيات دول. ويرفع المنتخبون -ظلما وزورا- شعار: نحن أولا: أول من يركب وأول من يسكن وأول من يستفيد…

في الحكومة العاشرة والحادية عشرة، كانت أول حكومة بها أول حركة أسلامية تصل إلى هذا المنصب بهذه الطريقة. وكانت كل المؤشرات تدل على فرص كبيرة لنجاحها: التفاني في العمل، وتقدير المسؤولية، والرقابة الذاتية، وحمل هموم الأمة الأصيلة، واستعداد المسؤولين لئن يكونوا ” شهداء قبل أن يكونوا وزراء “، ومزاحمة أبناء الشعب على صفوف الصلوات وأبواب المساجد وأندية الخير، ثم هذه الهبة الشعبية المحلية والإقليمية والدولية المآزرة والمؤيدة… كل هذه المقومات وغيرها كان باستطاعة هذه الحكومة أن تعطي صورة لنموذج يحتذى ومثال يُقتدى به في العالمين العربي والإسلامي الجاثم تحت كلكل الأنظمة الفاسدة المفسدة الساعية بأموال الشعوب وخيراتها إلى طمس كل أثر يدل على العزة والكرامة، فالتقت مصالحهم مع أعداء الأمة فعاثوا في الأرض فسادا وأهلكوا الحرث والنسل، بل صاروا أكبر تهديد لهوية الأمة. فلاهم تحركوا لعروبة العراق ولا لإسلام فلسطين ولا حتى قيم الأوطان والبلدان التي تسلطوا عليها، وصارت تباع بالتقسيط.

إن غزة الصغيرة جغرافيتها (تشكل 1%من مساحة فلسطين التاريخية) الكبيرة برجالها ونسائها، العظيمة عظم أطفالها وزهراتها، قد أضحت رمز الصمود والإرادة القوية الحرة. بالمقلع هزمت المدفع وبالحجارة أوقفت كل دبابة سيارة، وبالصدور والنحور واجهوا أعتا الجيوش. فأي بسالة هاته وأنعم بجسارة مرابطيها.

في غزة بعدد سكانها الذي يساوي أو يقارب عديد القوات الأجنبية المرابطة في دول الخليج العربي المسلم، الجاثمة على خيراته، والتي جاءت لتصحيح الخطأ الإلهي، على حد تعبير أحد رؤساء والولايات المتحدة حين قال إن الله أخطأ حينما جعل البترول والغاز تحت أقدام قوم متخلفين ليسوا أهلا لذلك، نعم هذه الثروة هي التي تحرك الآلة الأمريكية والصهيونية للتنكيل بأطفال المسلمين، وشيوخ العراق، وعجائز أفغانستان. غزة بذاك العدد ورغم أنف الأعداء والمتربصين استطاعت أن تتحدى الصعاب لتقول أن النصر قريب وأن بالإمكان تقديم نموذج يحتذى. وحتى لا تتفلت الأحصنة ولا تنفضح سياسات التجويع والتجهيل والتفقير والتنكر للبلاد والعباد على أيدي أنظمة الجبر والاستكبار، وحتى لا يُصَدَّر النموذج إلى الجيران، وحتى لا يحصل ما في الحسبان وما ليس في الحسبان، كان لا بد من تضييق الخناق وتشديد الحصار حتى تبقى العقول والقلوب مشدوهة إلى الخبز، وكي تلتصق الهمم بالثرى بعد أن لامست الثريا.

عقاب جماعي لم يسلم منه لا الصغير ولا الكبير، في سفالة لم يشهد التاريخ لها نظيرا، حصار من خلف حصار، كل يوم يزداد قتامة. فأين أنتم يا حماة الملة وحراس العقيدة؟؟

وماذا بعد؟

مما لا يختلف فيه اثنان أن رفع الحصار مسؤولية الجميع، مع تفاوت في درجاتها، والكل مدعو للمساهمة وبذل الوسع لإسعاف المريض، والتفريج عن المكروب، وإطعام الجياع من أهلنا في غزة الأبية، وكسوة العرايا منهم و… ذاك واجب شرعي قبل أن تكون مسألة ضمير أو قضية شعب مظلوم. الخطب جلل!!!

والمسلمون على مر العصور، ورغم كل النكبات التي مرت بجسد الأمة، كانوا يهبون من غفلتهم وتتوقد فيهم شعلة الإيمان وتلامس صرخات “وامعتصماه” “واإسلاماه”، تلامس القلوب فتتحول غضبا لله ولرسوله، فتُجيش الجيوش وتُعقد الألوية، وتُسير الكتائب، فتعيد المجد أمجادا وتنتصر لقيم العدل والكرامة والعزة.

وفي العقود الأخيرة كان الأمر كذلك، فكان الأمر نفسه في أفغانستان، والبوسنة، والشيشان، والصومال، وكوسوفا، و…غير أنه سرعان ما انهار البنيان من جديد وتمكن أصدقاء الأمس أعداء، وبعد أن ساعدوا في تحرير البلاد- لتلاقي مصالحهم مع النيات الصادقة للمجاهدين- رجعوا واحتلوا وقتلوا ونهبوا… لنأخذ العبرة من ذلك.

لابد من تحرك شعبي، لكن ليكن فعلا استراتيجيا بناءا حكيما، لنعرف مفاصل الداء جيدا، حكام الجبر وأنظمة العض أول العقبات وأخطرها، لذا وجب تعريتها وكشف عمالتها، وإبطال سحرها، وفضح خبثها. إذا كان أهل غزة أحرارا في سجن، فالشعوب العربية في بلاد الإسلام مكبلة مغلولة في “مزارع” الحكام.

في بعض البلاد الإسلامية -حدثني أحدهم- في اجتماع مع حوالي 200 خطيب وإمام مسجد، لما ذكرت غزة وفلسطين، قال لهم المسؤول عن الشأن الديني في البلاد: لا تشغلوا أنفسكم بها، وعلموا الناس أن تلك بلاد ونحن بلاد أخرى، وكل واحد مسؤول عن نفسه. فلله المشتكى وإليه المفزع، ولا حول ولا قوة إلا بالله.