بدأ الاستعداد للانتخابات المحلية، التي قيل إنها ستجري هذه المرة في شهر يونيو المقبل، وشرعت وزارة الداخلية في إطلاع الأحزاب السياسية على مشاريع تتعلق بالميثاق الجماعي والتقسيم الجماعي والقانون الانتخابي، كما شرعت بعض الأحزاب السياسية في تسجيل ملاحظات وانتقادات بخصوص بعض التجارب المحلية. إلا أن هناك هاجسا يطارد كل الأطراف المعنية بالعملية الانتخابية، ألا هو العزوف عن المشاركة في الانتخابات. فبعد تلك المشاركة الضعيفة جدا في اقتراع 7 شتنبر 2007، وبعد أن عرفت الانتخابات الجزئية، التي نظمت بتاريخ 19 شتنبر 2008، نسبة مشاركة لا تتجاوز 27%، أصبح هناك يقين تام بأن الانتخابات المقبلة سوف لن تشكل استثناء في الخط التراجعي لنسبة المشاركة.

فهذه النسبة التي انخفضت في الانتخابات الجماعية من 75,13% سنة 1997 إلى 54,16 سنة 2003، من المتوقع جدا أن تستمر في الانخفاض. وعلى فرض أن التراجع في نسبة المشاركة ماثَل التراجع الذي كان في الانتخابات التشريعية بين 2002 و2007، حيث تم التراجع بـ15 نقطة، فإن المشاركة في الانتخابات الجماعية لسنة 2009 لن تتجاوز 39%، ناهيك عن الأصوات الملغاة التي عادة ما تكون كثيرة، هذا في أحسن الأحوال.

في 7 شتنبر 2007، وحسب الإحصاءات الرسمية، فإن 37% فقط من عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية هم الذين ذهبوا إلى مكاتب التصويت، علما أن عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية أقل من عدد من تتوفر فيهم شروط الانتخاب، يضاف إلى ذلك أن نسبة الأوراق الملغاة بلغت نحو 19% من الأصوات المعبر عنها، مما يعني أن عدد الأصوات الصحيحة لم يتجاوز أربعة ملايين ونصفا إلا بقليل، وإذا علمنا أنه إبّان اقتراع 7 شتنبر 2007 كان عدد الذين تتجاوز أعمارهم 18 سنة يمثلون تقريبا 20 مليونا، فإنّ حوالي 20% من المغاربة هم الذين أدلوا بأصوات صحيحة في هذه الانتخابات. والأصوات الصحيحة لا تعني الأصوات النزيهة، فجزء هام من المصوتين كان دافعهم الحصول على رشاوي انتخابية إما مادية أو معنوية، إذ باستحضار ظاهرة استعمال المال التي عرفتها أغلب المناطق، ولم تسلم منها أغلب الأحزاب السياسية، يمكننا أن نتساءل كم كان عدد الناخبين الذين ذهبوا إلى صناديق الاقتراع بدافع سياسي محض؟

لقد كان ذلك العزوف المهول أمرا يستحق الوقوف لتأسيس فعل انتخابي سليم وفعّال، كما نادى بذلك بعض المثقفين والإعلاميين والسياسيين، إلا أنه لا حياة لمن تنادي، بل الأكثر من ذلك ظلت وزارة الداخلية، وبعض من يتطلعون إلى مناصب سياسية، يتحدثون عن مبررات ومسوغات لذلك، من قبيل أن الدول الديمقراطية هي الأخرى عرفت خلال السنوات الأخيرة تراجعا كبيرا في المشاركة الانتخابية، مع العلم أن السياق غير السياق، ومع العلم أن المواطنين في تلك الدول وإن كانوا قد فضلوا في عقد التسعينات من القرن الماضي تعويض المشاركة السياسية بالمشاركة في السوق، نتيجة التحولات التي عرفتها الولايات المتحدة الأمريكية وأوربا إبان حقبة رونالد ريغن ومارغريت تاتشر.. هؤلاء المواطنون سرعان ما يعودون إلى الممارسة السياسية في اللحظات الحاسمة، وماحدث في الانتخابات الرئاسية الفرنسية في ماي 2002 أكبر مثال على ذلك، كما أن هناك أمثلة أخرى أقرب زمانا من اقتراع 7 شتنبر 2007، ومنها ما هو أقرب مكانا من بلدنا المغرب، ففي الانتخابات التشريعية التي أجريت بتركيا، بتاريخ 22 يوليوز 2007، قدرت نسبة المشاركة بحوالي 90%، وفي أواخر سنة 2006 بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية الموريتانية 69,49%، وفي 22 أبريل 2007 بلغت نسبة المشاركة في الدور الأول من الانتخابات الرئاسية الفرنسية 85%، وهي نفس النسبة التي تم تسجيلها في الدور الثاني…

نسبة المشاركة في الانتخابات لها علاقة بالرهان السياسي وبالشعور بجدوى عملية التصويت، وهو الأمر الذي يغيب تماما في الأنظمة السياسية المغلقة كالنظام السياسي المغربي، فأغلب المغاربة لا يشعرون بأي أثر للانتخابات على حياتهم السياسية، وبالتالي على حياتهم الاجتماعية والاقتصادية، وأصواتهم لا قيمة لها، لأن ليس هناك أي ربط بين أصواتهم والقرار السياسي، بل إن وضع “الملكية الحاكمة” يجعلهم ينظرون إلى الانتخابات كعملية لا جدوى منها سوى الاستخفاف بعقولهم والاستنزاف لوقتهم وأموالهم مادامت كل المبادرات والقرارات الهامة بيد الملك وليست بيد الهيئات المنتخبة. والمسلسل الانتخابي بالمغرب أكّد بما يكفي أن الانتخابات لا تخدم المصلحة العامة، وإنما فقط المصالح الخاصة، مما كرّس أزمة فقدان الثقة في السياسة والسياسيين والانتخابات..

والمسؤولون بهذا البلد يشعرون بخطورة هذه الأزمة، لذلك نجد حديثا متكررا عن ضرورة إعادة الثقة، نجد ذلك في خطب الملك وفي التقارير التي تنجزها بعض مؤسسات الدولة. لكن ما هي الخطوات العملية لتجاوز ذلك؟

هناك خطاب سياسي رسمي يدعو إلى إعادة الثقة، لكن في تجاهل تام للأسباب الحقيقية التي أنتجت عدم الثقة، حيث يتم الاكتفاء بمقاربات تجزيئية محدودة بإطار سياسي ودستوري يحمل بين طياته جذور أزمة غياب الثقة، فلمواجهة العزوف الانتخابي في الانتخابات المقبلة مثلا يلاحظ أنّ تركيز الدولة انصب على ثلاثة أمور:

أولها: إدخال بعض التعديلات القانونية والتنظيمية على التقسيم الجماعي والميثاق الجماعي والقانون الانتخابي بهدف الضبط السياسي أساسا، ولكن أيضا بهدف إثارة فضول الناس وجعلهم ينتبهون إلى العملية الانتخابية..

ثانيها: اعتماد خطاب تعبوي في مختلف مؤسسات الدولة، وتنبيه الأحزاب السياسية إلى أدوارها التعبوية والتثقيفية والتجنيدية..

ثالثها: محاولة إحداث نوع من الدينامية في الحياة السياسية من خلال إحداث حزب “الأصالة والمعاصرة”، الذي مهمته الأولى، حسب ما صرّح به مسؤولوه، حثّ الناس على المشاركة في الانتخابات..

وهذه الأساليب تبقى محدودة التأثير، بل منها ما قد يكون له تأثير عكسي تماما، فالتعديلات القانونية والتنظيمية التي أدخلت قبل انتخابات 27 شتنبر 2002 وانتخابات 7 شتنبر 2007 أكثر وأهمّ مما يراد الآن تقريره بمناسبة الانتخابات الجماعية، إلا أن تلك التعديلات لم تمنع المنحى التراجعي لنسبة المشاركة، مما يعني فشل تلك المقاربة القانونية التنظيمية في إحداث حراك انتخابي ما دامت تحدّها حدود دستورية وسياسية من طبيعة خاصة.

أما بالنسبة للتعبئة فإنها لا تكون بخطب وشعارات، ولا يكون لها أي أثر في ظل غياب قابلية التلقي لدى الناس، وقابلية التلقي لها علاقة بصدق المخاطِب وعمله، ولها علاقة بالباعث والحافز الذي يكون على أساسه الخطاب. ثم إنه لا ينبغي أن يغيب عنا أن الملك قبيل انتخابات 7 شتنبر 2007 وجه خطابا مباشرا وصريحا للمواطنين من أجل المشاركة في الانتخابات، ومع ذلك تم تسجيل أقل نسبة مشاركة في المسلسل الانتخابي المغربي.

وقد أبانت الانتخابات الجزئية الأخيرة محدودية الرهان على صناعة “فاعل سياسي” لإحداث حراك انتخابي، لم يظهر ذلك فقط من خلال نسبة المشاركة المتدنّية، التي لم تتجاوز على سبيل المثال 15.29% بمدينة مراكش و17.22% بمدينة المحمدية، ولكن ظهر أيضا من خلال النتيجة التي حصل عليها “حزب الأصالة والمعاصرة”.

إن الدولة المغربية تجد نفسها اليوم في مأزق غير مسبوق فيما يتعلق بالانتخابات، فالعجز عن تعبئة الناخبين للمشاركة في انتخابات “العهد الجديد” لا يضر فقط بالأحزاب السياسية، وإنما يمس أيضا بشكل أبلغ وأكبر، بـ”المؤسسة الملكية”، لأن هذه الأخيرة تحرص على الظهور بالمظهر الديمقراطي، ومن أهمّ مقومات الديمقراطية المشاركة الانتخابية.

فهما اختياران لا ثالث لهما أمام النظام السياسي المغربي؛ اختيار الاستمرار، وهذا يعني إما الاستمرار في تنظيم الانتخابات، والاستمرار في الإعلان، بنوع من الشفافية، عن نسب المشاركة الضئيلة، أو يعني الرجوع القهقرى، والعودة إلى التزوير المفضوح في الأرقام والنسب، وكلا الاحتمالين يصيبان “الشرعية الديمقراطية” المزعومة في الصميم.

أو اختيار التأسيس للقطيعة، وهذا لن يتأتى إلا بمقاربة شاملة غير تجزيئية، وإرادة جماعية غير فردية، وأفق متحرر غير منغلق. ومدخل التأسيس لهذه القطيعة إعادة النظر في البناء السياسي والدستوري، وهذا يتطلب رجالا لهم من التربية والحكمة والشجاعة والاستعداد للتضحية ما يجعلهم من صنّاع التاريخ وليس على هامشه.