إن واقع الفوضى الجنسية وانتشارها على وجه السرعة راجع إلى تقلّص القيم الأخلاقية في المجتمع، وانطفاء الفطرة، وتراجع صوت النهي والتحذير، وقد كان سيدنا لوط عليه السلام –نظرا لما سقط فيه قومه من انحراف وإسراف- يبحث بين الناس عن رجل رشيد.

خطر الفوضى الجنسية

بضعف الغيرة على الأعراض تنتشر القيم السّلبية ويتجذّر الانحراف الذي يتحوّل بالإنسان السّلبي إلى موقف المنحرف الضّال. ولذلك تحوّل موقف امرأة العزيز عندما راودت سيدنا يوسف عليه السلام عن نفسه إلى موقف عامّ للنسوة بمجرّد أن أرسلت إليهنّ وأعلنت رغبتها في سيدنا يوسف فدخل عليهنّ فعذروها. فاعتبر سيّدنا يوسف هذا الموقف دعوة منهنّ جميعا فقال:ربّ السجن أحب إليّ ممّا يدعونني إليه

وخطر الجنس يأتي أيضا باعتبار أنّه يتحوّل إلى طاقة للتّحرك بأيّ قضيّة باطلة يعتنقها الإنسان المنحرف، ومن هنا كانت الغريزة الجنسية هي الطاقة الأساسية للحركة الجاهلية، والمثال الذي يؤكد هذه الحقيقة هو دفع النساء المشركات للرجال المشركين لقتال المسلمين في غزوة أحد بقولهن: ”إن تقبلوا نعانق ونفرش النمارق أو تدبروا نفارق فراق غير وامق“. 1

ومن أخطر الواجهات التي يهجم علينا منها التصور الدوابّي للوجود واجهة الإعلام الفاسد الذي يتفنّن في عرض الزّنا والفاحشة بوسائل البثّ الفضائي والفن الإباحي واستعمال جسم المرأة شبه عار في قنوات إبليس…

لهذا يبقى واجبا على الدعوة الإسلامية مواجهة خطر الانحلال والميوعة ومشاعية الجنس، لكن مع الحرص على عدم التّقوقع حول تلك التصورات التقليدية المظلمة التي تعتبر المتعة شبهة وحراما. يقول الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين ׃”هل لنساء ورجال الإسلام متّسع في شريعة الله وسنته ليسعد جسم المرأة بالرجل، أم إنّ الإسلام تجهّم وتكشير وتقشّف وإعراض عن المرأة واعتبارها رجسا وشيطانا، والغريزة الجنسية والجماع واللذة سفالة وقذارة“. 2

من الطبيعي أن يلازم خطر الفوضى الجنسية خطر يوازيه ويمهّد له وهو خطر الحبّ في الواقع الجاهلي، فقد أقرّ النبي صلى الله عليه وسلّم الحبّ كحقيقة واقعة مثل حقيقة الجنس عندما رأى عبدا يجري وراء جارية وهو يبكى فقال: ”انظر يا أبا بكر، ودعا الجارية فجاءته فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أترضين أن تتزوجيه؟ قالت تأمر أم تشفع قال: أشفع، قالت إذن لا أتزوّجه“. 3 وبذلك يكون الخطر الحقيقيّ على الإنسان عندما يمارس حبّا جاهليا هو عجزه تماما على أن يكون صاحب رسالة استخلافية.

لا حرج في حلال

إن الله ما حرّم خبيثا إلا أبذله الله بحلال طيب، البيع بدل الربا، الزواج بدل الزنا، اللذة في الجماع الحلال بدل الفاحشة، الطيبات من النساء بدل الخبيثات، ويعلّمنا صلى الله عليه وسلّم آداب الجماع وما يباح منه فيقول: “من أتى كاهنا فصدّقه بما بقول أو أتى امرأة في دبرها -وفى رواية – وهى حائض فقد برئ مما أنزل على محمد”.

يقول: جابر رضي الله عنه كانت يهود تقول من أتى امرأة في قبلها من دبرها كان الولد أحول فأنزل الله ”نساؤكم حرث لكم فاتوا حرثكم أنّى شئتم“ سورة البقرة الآية 221.

وقال ابن قيم الجوزية رحمه الله في زاد المعاد: “مما ينبغي تقديمه عن الجماع ملاعبة المرأة وتقبيلها ومصّ لسانها، وكان صلى الله عليه وسلم يلاعب أهله ويقبّلها”.

روى أبو داود في سننه أنّه صلّى الله عليه وسلّم كان يقبّل عائشة ويمصّ لسانها. ويذكر عن جابر بن عبد الله قال: نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن المواقعة قبل الملاعبة.

يقول الأستاذ المرشد:”.. يكتمل سرور النفس بين الزوجين وسعادتهما الجسدية بالتفاهم الرقيق والكلمة العذبة واختيار الوقت الأنسب والحركة الأجمل، ما دام الرجل والمرأة في حلال فلا حرج عليهما فيما يصنعان من فنّ الملاعبة ودلال المرأة وتعطّف الرجل.. “. 4

مودة ورحمة

ولمّا كان للزواج صلة مباشرة بإحساس الحبّ والألفة مصداقا لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: ”الأرواح جنود مجنّدة ما تعارف منها ائتلف وما تنافر منها اختلف“ متفق عليه، فلا انسجام بين الزوجين إلا بارتباطهما القلبي ببعضهما البعض. إلاّ إذا ترسّخت بينهما معاني السكينة والمودة والرحمة.

فهذا العاصي بن ربيع زوج زينب بنت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يخرج من مكة فرارا من الإسلام فتبعث إليه ليرجع إلى مكة ويدخل في الإسلام، فيبعث إليها برسالة هذا نصّها: “والله ما أبوك بمتّهم وليس أحبّ إلي من أن أكون معك يا حبيبة في شعب واحد ولكن أكره أن يقال إن زوجك خذل قومه فهلاّ عذرتِ وقدرتِ”

واضح من الرسالة حبّ العاص لزينب بدليل أنه يودّ أن يكون معها وبدليل أنه كره أن يقال عنه ما يضايقها، وفي النّهاية من أجل هذا الحبّ استطاعت أن ترجع إليه وتأتي به مسلما..

وهذا الطفيل بن عمرو الدوسي يدخل في الإسلام فتأتى امرأته لتقترب منه فيمنعها ويقول لها: قد أصبحت عليّ حراما،… فكان ردّها: أنا منك وأنت منى ودينك ديني، وأسلمَت.

وهذا الحبّ واضح من قولها أنا منك وأنت منى… 5

وهذه أمّ حكيم بن حارث بن هشام أسلمت يوم الفتح بمكة وهرب زوجها بن أبى جهل من الإسلام حتى قدم اليمن، فارتحلت أمّ حكيم حتى قدمت عليه باليمن فدعته إلى الإسلام فأسلم فتزوجته.

وهذا معناه أن مشاعر الحبّ تزداد بين الزوجين باستمرار هذه العلاقة، وهذا هو الذي جعل الحبّ سببا أصليا لحماية العلاقة الزوجية. ولذلك جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تطلب الطلاق من زوجها فسألها عن المدّة التي تعاشرا فيها، فرفض صلّى الله عليه وسلّم طلاقها لمّا علم بقصر المدّة التي عاشاها، وقال حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك… 6

وتذوّق العسيلة هو الجماع، أقوى منابع الحبّ إذا كان سليما في العلاقة الزوجية، وأخطر أسباب فشل هذه العلاقة بدليل أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أقرّ امرأة على الطلاق من زوجها لمّا فشلت المعاشرة الجنسية بينهما، إذ قالت المرأة يارسول الله إنّ فلانا لا عيب عليه خلقا ولا دينا، ولكن أكره الكفر بعد الإيمان، وفي رواية أخرى علّلت سبب طلاقها مباشرة بهذا الفشل الجنسي…

كما يجب أن يسبق ويلازم الجماع جوّ عاطفيّ وجدانيّ، فإنّ هذه العاطفة وتلك الوجدانية يجب أن تبقى دائما حتى وإن لم يكن هناك جماع. تصف السيدة عائشة رضي الله عنها معاملة رسول الله لها وهي في حال الحيض -حيث لا يكون جماع طبعا- إذ تقول: ”كنت أتعرّق العِرق وأنا حائض فأعطيه إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيضع فمه في الموضع الذي وضعت فمي فيه، وأشرب الشراب فأناوله فيضع فمه في الموضع الذي كنت أشرب فيه“. 7

الغيرة طبيعة بشرية

ذكرنا سابقا كيف أنّ استغلال مشاعر الحب كانت تستغل وتوجه في قضايا كبرى ومن بينها الدخول في الإسلام والإيمان. لهذا نهى الإسلام عن استغلال مشاعر الحب في أمور تافهة وتحقيق رغبات حرام، وفي هذا نذكر موقفا للسيدة عائشة رضي الله عنها ارتكزت فيه على حبّه صلّى الله عليه وسلّم لها فغضب منها غضبا شديدا، فقد كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يحبّ أن يمسك الجمل الذي يحمل السيدة عائشة، وقد كانت كلّ زوجات الرّسول صلّى الله عليه وسلّم تعلم ذلك، فقالت لها حفصة ذات مرة هلاّ تبادلنا الهودج فركبت أنت هودجي وركبت أنا هودجك فننظر ماذا يفعل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟، فقالت عائشة: “قد فعلت”، فلمّا ركبت حفصة مكان عائشة وسحب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الجمل على أنّ عائشة في الهودج نظر فوجد حفصة فغضب وعرف ذلك في وجهه إلى حدّ أن قالت عائشة ربّ سلّط عليّ عقربا أو حيّة تلدغني”. 8

نلاحظ أن حفصة دخلت على عائشة من النّاحية التي تودّ دائما تأكيدها وهي حبّ النبي صلّى الله عليه وسلّم. إذ مع الحبّ يأتي الرضا، والزوجة عندما تكون راضية فإنّ هذا الرّضا يعطي للبيت طاقة الدفاع الكامل، وإن كانت غير راضية فستكون سببا لخراب بيتها.

العلاقة الزوجية التي ملؤها العفاف تغرس في النفس الإنسانية الطاقة الكاملة للاستمرار والديمومة من أجل حياة مليئة بالحبّ والمودّة، وهما أساس الحياة المستقرة التي تدفع الإنسان إلى تغيير ما بنفسه ثم ما بمجتمعه، ثم تأتي الذّرّية التي تنشأ في بيت قد استوفى التصوّر الإيماني.

الذّرية إذن ليست مجرّد إحساس بالرغبة في التناسل، بل إنها تشكّل الاستمرار البشري بما في هذا الاستمرار من إمكانية وطاقة لتغيير ما بالمجتمع، وهذا معنى ماجاء في تفسير قول الله عز وجل: والذين يقولون ربّنا هب لنا من أزواجنا وذرّيّاتنا قرّة أعين واجعلنا للمتّقين إماما.


[1] بيت الدعوة رفاعي سرور ص9.\
[2] تنوير المؤمنات ج1 ص186.\
[3] أخرجه البخاري في النكاح 9/408.\
[4] تنوير المؤمنات ج1 ص 19.\
[5] ذكرها ابن إسحاق مرسلة، البداية والنهاية 3/99.\
[6] أخرجه النسائي في الكبرى 93/1. \
[7] أخرجه مسلم من حديث عائشة في الحيض، رقم 300، وعند النسائي 148/6 وغيره.\
[8] أخرجه البخاري في كتاب النكاح. ج 9، ص 310.\